تقارير وملفات إضافية

محاكمة ترامب أصبحت شبه محسومة.. لكن عزله قصة أخرى، ولن ينقذه إلا هذا الخيار

شهادة المبعوث الأمريكي لأوكرانيا جاءت حاسمةً، فيما يخص استغلال الرئيس دونالد ترامب لمنصبه لتحقيق مكاسب سياسية شخصية، على حساب أحد منافسيه المحتملين في الانتخابات العام القادم، لكن هل يعني هذا أن مسألة عزل ترامب من منصبه أصبحت مسألة وقت؟ الشيطان يكمن ليس فقط في التفاصيل، ولكن أيضاً فيما يمكن تسميته بالقَبَلية الحزبية، كيف ذلك؟

موقع مجلة ذي إيكونوميست البريطانية نشر تقريراً عن موضوع الساعة في واشنطن بعنوان: «أوقات حرجة: كيف ستبدو عملية المحاكمة البرلمانية لدونالد ترامب، هل الشيوخ سيسمَون فوق انتماءاتهم الحزبية ويحققون توقعات ألكساندر هاميلتون؟»، تناول فيه تفاصيل عملية المحاكمة البرلمانية التي يشار إليها إعلامياً بالعزل من المنصب.

ويليام تيلور، السفير الأمريكي في أوكرانيا، أدلى بشهادته أمام الكونغرس الثلاثاء 22 أكتوبر/تشرين الأول، وقال لمحققي مجلس النواب إن ترامب هدد بحجب مساعدات عسكرية بقيمة 391 مليون دولار لأوكرانيا، ما لم يفتح نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحقيقاً في أنشطة ابن جو بايدن (أحد منافسي ترامب المحتملين في الانتخابات الرئاسية العام المقبل).

وتعد هذه أوضح الشهادات حتى اللحظة على الضغوط التي مارسها ترامب على رئيس أجنبي للمساعدة في جهود إعادة انتخابه لفترة ثانية، وهي شهادة من دبلوماسي مخضرم عمل موظفاً عامّاً لمدة 50 عاماً تقريباً، وخدم في وزارة الخارجية تحت 9 إدارات رئاسية، وهذه الشهادة جعلت المحاكمة البرلمانية لترامب في مجلس النواب أقرب من أي وقت مضى، لتنتقل الكرة إلى ساحة مجلس الشيوخ، حيث صدور الحكم بالإدانة، ومن ثم العزل يمثل التحدي الأكبر.

الموافقة على محاكمة الرئيس برلمانياً تتطلب أغلبية بسيطة في مجلس النواب، وهي متوفرة، حيث يتمتع الديمقراطيون بتلك الأغلبية بالفعل، أما موافقة مجلس الشيوخ على إدانة ترامب فتتطلب أغلبية الثلثين، أي 67 سيناتوراً، ما يعني أنه لا بد أن يصوت على الأقل 20 عضواً من الجمهوريين (حزب ترامب)، إلى جانب الديمقراطيين الذين لديهم 47 عضواً، وحتى الآن لم يلمح سوى سيناتور جمهوري واحد، هو ميت رومني، إلى احتمال أن يصوّت مع الديمقراطيين، ولم يحدث على مدار تاريخ الولايات المتحدة أن تعرّض رئيس للإدانة والعزل من منصبه، وكان أندرو جونسون قاب قوسين أو أدنى وأفلت من العزل بصوت واحد في مجلس الشيوخ، وكان ذلك عام 1868.

ورغم كل تلك المعطيات، من المتوقع أن تكون محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ شوكة في حلقه بسبب التوقيت، حيث إنها تأتي وسط عاصفة من الانتقادات لسياساته الخارجية، وآخرها قراره بالانسحاب من شمال شرقي سوريا، وهو القرار الذي جعل مؤيدين من العيار الثقيل للرئيس، مثل السيناتور ليندسي جراهام وميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، يوجهون انتقادات لاذعة لترامب.

إجراءات محاكمة الرئيس في مجلس الشيوخ تشبه إلى حد كبير إجراءات المحاكمة الجنائية في المحاكم العادية في الولايات المتحدة، حيث يرأس الجلسات رئيس المحكمة العليا، ويكون دوره جعل الإجراءات تسير بصورة «حضارية ومنظمة»، ولكنها ستكون مهمة صعبة، وتمثل صراعاً للقاضي جون روبرتس، بحسب لورانس ترايب، أستاذ القانون في جامعة هارفارد. القاضي ويليام رينكويست الذي ترأس محاكمة بيل كلينتون في مجلس الشيوخ عام 1999، كان قد قال عن دوره: «كانت مهمتي ألا أفعل شيئاً بعينه، وقد قمت بذلك بصورة جيدة جداً».

أما جون روبرتس فتنتظره مهمة أصعب كثيراً في ظل حالة الاستقطاب الحزبي الكبيرة التي تشهدها البلاد، لكن ترايب يعتقد أن روبرتس «سيسعى للسير على درب رينكويست».

المشكلة الأبرز هنا هي أن تفاصيل عملية محاكمات العزل «غير محددة بشكل دقيق»، بحسب فرانك بومان، مؤلف كتاب «الجرائم والجنح الكبرى»، وإن كانت الخطوط العريضة محددة، حيث تنص لوائح مجلس الشيوخ في هذا الشأن، والتي تم تحديثها آخر مرة عام 1986 على استدعاء المحاكمة للرئيس بعد أن تتم إدانته في مجلس النواب، ثم يقوم ممثلو الادعاء من أعضاء مجلس النواب بتقديم الاتهامات والمرافعة في قاعة مجلس الشيوخ.

الرئيس يقدم أوجه الدفاع من خلال فريقه من المحامين، ولا يسمح لأي من أعضاء مجلس الشيوخ بتوجيه أسئلة مباشرة لأي من الطرفين (الادعاء والدفاع)، حيث «يأمرهم» حارس المحكمة في بداية المحاكمة «بالتزام الصمت وإلا التعرض للسجن»، وفي حالة كان لدى أحدهم سؤال أو أسئلة يمكنهم كتابتها وتمريرها إلى القاضي الذي يقرأها على الطرف المعني بصوت عالٍ.

وتكون إجراءات المحاكمة ودفوعها من الطرفين خلف الأبواب المغلقة، وبعد الانتهاء من تلك الإجراءات وبدء التصويت على بنود الاتهامات الموجَّهة للرئيس، يكون التصويت علنياً تنقله الكاميرات للشعب.

عملية المحاكمة البرلمانية لعزل الرئيس إذن تتشابه مع المحاكمات العادية من حيث الشكل والإجراءات، لكنها هناك عدة اختلافات، أبرزها أن الإجراءات والحكم النهائي سياسي أكثر منه قانونياً، كما أن القرار نهائي باتّ لا يمكن استئنافه، ورغم أن المحلفين (أعضاء مجلس الشيوخ) لا يمكنهم التحدث أثناء إجراءات المحاكمة وهم داخل قاعة مجلس الشيوخ، لكن يمكنهم الحديث لوسائل الإعلام بمجرد خروجهم من القاعة.

الاختلاف الرئيسي بين المحاكمة البرلمانية السياسية في طبيعتها وجوهرها عن المحاكمة العادية ربما يكون المخرج الوحيد للرئيس ترامب من مأزق العزل، ويقول مايكل جيرهارت، أستاذ القانون في جامعة نورث كارولينا الذي كان شاهداً في محاكمة كلينتون، إن «الجمهوريين في مجلس الشيوخ يمكنهم أن يستغلوا أغلبيتهم لتغيير قواعد المحاكمة، وعندها يمكن للديمقراطيين أن يلجأوا لإجراء التعطيل (يظل عضو أو أكثر منهم يطلب التعليق على الإجراء المقترح من جانب الجمهوريين ويطيل الحديث لتعطيل التصويت على الإجراء)، وهذا الإجراء نفسه يمكن إجراء تصويت لإنهائه يتطلب أغلبية بسيطة يتمتع بها الجمهوريون».

ويضيف جيرهارت أنه على الأرجح لن يلجأ الجمهوريون لذلك الإجراء (تغيير قواعد المحاكمة)، بل قد يلجأ زعيمهم في المجلس ماكونيل إلى تقليل عدد الشهود أو الأدلة التي يريد الديمقراطيون تقديمهم أثناء المحاكمة أو أن يسمح لترامب «باستخدام سلطاته التنفيذية لمنع أي شيء لا يريد الرئيس الكشف عنه من كشفه في المحاكمة، أو أن يفرض قواعد أكثر صرامة لاعتماد الأدلة (المقابل لعبارة دون أدنى شك في القانون الجنائي – ترجمتها الشك يفسر لصالح المتهم) بغرض ترجيح كفة ترامب».

لا يزال أمام ماكونيل بعض الوقت لدراسة الخيارات المتاحة أمامه، بينما يواصل مجلس النواب برئاسة نانسي بيلوسي تجميع أوراق قضية محاكمة ترامب، وهناك أعداد متزايدة من الأمريكيين يعتقدون أن الكونغرس اتخذ القرار الصحيح بمحاكمة الرئيس، وإن كانت نسبة مَن غيَّر رأيه بالفعل بين الجمهوريين لا تزال محدودة.

ويعتقد بومان أن أعضاء الكونغرس من الجمهوريين ربما يسعون لتحويل محاكمة ترامب «إلى سيرك» ويبثون «كل نظريات المؤامرة المجنونة»، بما فيها «توجيه ادعاءات بلا دليل بشأن بايدن وولده»، وفي إشارة على ذلك، اقتحم أكثر من 20 عضواً جمهورياً مجلس النواب بقيادة ستيف سكاليس زعيم الأقلية وعطلوا عمل اللجنة أمس الأربعاء 23 أكتوبر/تشرين الأول.

لكن لو تواصلت شعبية ترامب في التراجع بسرعة، يمكن أن يسعى ماكونيل إلى تقصير مدة المحاكمة في مجلس الشيوخ لتقليل الضرر على الجمهوريين ويستخدمها كفرصة لدعم أعضاء مجلس الشيوخ الذين سيخوضون معركة الانتخابات العام المقبل في ولايات منقسمة الولاء بين الحزبين.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى