آخر الأخباركتاب وادباء

مجتمع النحل ومجتمع الذباب، فاعتبروا يا أولي الألباب…! *

من روائع الأديب الكاتب

الأستاذ السعيد الخميسى

مجتمع النحل ومجتمع الذباب، فاعتبروا يا أولي الألباب…! *

يصنف النحل على أنه من فصيلة الحشرات كذلك الذباب ولكن البون بينهما شاسع وكبير ولا وجه للمقارنة بينهما فشتان بين الثرى والثريا وبين الذي هو أدنى والذي هو خير وبين النافع والضار وبين الداء والدواء وبين الزبد الذي يذهب جفاء وبين ماينفع الناس ويمكث في الأرض.

** إن الفرق بينهما أن ” النحل” قد تلقى وحيا وتعاليما من السماء في قوله تعالى ” وأوحى ربك إلى النحل” وسمي القرآن الكريم سورة باسمها، عرفت بـ (سورة النحل) بصيغة الجمع وليس بصيغة المفرد ولم يسمها سورة النحلة، بل سورة النحل وفي ذلك إشارة واضحة إلى طبيعة الحياة الجماعية التي يعيشها النحل، والتي تتميز بدقة نظامها وروعة بنائها ومعرفة كل فرد بدوره ووظيفته.

يقول ابن كثير ” المقصود بالوحي هاهنا : الإلهام والهداية والإرشاد إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها ، ومن الشجر ، ومما يعرشون . ثم هي محكمة في غاية الإتقان في بنائها ورصها ، بحيث لا يكون بينها خلل .

” * وعندما التزم النحل بهذه التعاليم الإلهية من فوق سبع سموات ونفذها أصبح النحل يأكل أفضل ما في الطبيعة *رحيق الازهار ثم يعطي أفضل الأطعمة العسل ضمن نظام مترابط و متماسك و منظم فى بيئة نظيفة طاهرة نقية خالية من الجراثيم والتلوث السمعي والبصري ومن هنا ارتفع ثمنه وعلا قدره وأصبح يشار إليه بالبنان وصار غذاؤه مطلبا لكل إنسان.

** أما الذباب فلم يتلق تعاليم سماوية ولا أرضية فبقي يأكل أقذر ما في الطبيعة ويعيش في البيئة القذرة ولا يصدر منه إلا الأمراض وإزعاج الناس.

ويعيش الذباب في مجتمع مفكك ليس بينه أي رابطة ، تتصرف فيه كل ذبابة على حدة ويقتات الذباب على النفايات والقاذورات من روث الحيوانات والصرف الصحي ويعيش ويتكاثر عليها ويشمئز الناس منها ومن طنينه فضرره أكثر من نفعه.

** أما النحل فيعطي العسل الذي فيه الشفاء. لقوله تعالى ” فيه شفاء للناس” فالنحل حشرات نافعة مفيدة ومنظمة كالبنيان المرصوص. بينما الذباب يقوم بالنهب والسلب بشكل مزعج لقوله تعالى ” وإن يسلبهم الذباب شيئا” فالذباب لايربط بينهم رابط ولاضابط فتلك الحشرات أشبه بقطاع الطرق تقوم على السرقة والنهب والسلب ولايمكن أن تسترد حقك من تلك العصابة لقوله تعالى ” لايستنقذوه منه” فسياستها تقوم على السلب والخطف ثم الهروب سريعا قبل القبض عليها أو تحرير محضر ضدهم..!

إنه الذباب أضعف وأحقر خلق الله ورغم ذلك يذل الله به من يشاء من عباده.

** كان الخليفة أبو جعفر عبدالله المنصور في مجلسه، فوقع عليه ذباب فذبه عنه، فعاد فذبه حتى أضجره وأغضبه، وفي هذه الأثناء دخل جعفر بن محمد عليه، فقال له المنصور: يا أبا عبدالله لم خلق الله الذباب؟ فقال ليذل الجبابرة. الذباب ذلك الطائر الصغير في حجمه والحقير في شأنه جند من جنود الله تعالى.

قال بعض العلماء : إنما خص الذباب هنا بالذكر, دون غيره من الحشرات, لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه, ولاستقذاره وكثرته.

ويقول المفسرون “والظاهر أن الذباب وإن كان كذلك, فإنه لم يوضع في هذا المثَل في موضع تحقير له, وموضع تصغير ؛ لأن المراد ليس تحقيره, وإنما المراد تحقير الذين يُدْعَوْنَ من دون الله تعالى, وتحقير من يَدعُونهم, ويلتمسون النفع والخير عندهم, وبيان ضعفهم وعجزهم عن خلْق ذُبَابٍ واحد رَغْمَ اجتماعهم له, وعن استنقاذ ما يسلبهم الذُّبَابُ من أشياء رغم تفاهتها. فهم حتى أضعف من الذباب رغم حقارته.

** فالإنسان الذي يلتزم بتعاليم الله هو إنسان أشبه ما يكون بالنحلة التي تعطي دوما عسلا صافيا فيه شفاء للناس بلا كلل ولا ملل.

أما اللص الذي يخطف ويسرق وينهب ليل نهار فهو حقير في شأنه ضعيف في بنيانه وقدره لأنه أشبه بالذبابة التي تنهب وتسلب تم تهرب لتختبئ في أقرب مقلب قمامة أو في مستنقع قذر وكذلك يفعلون.

فالمجتمعات الصالحة يتكاثر فيها النحل والغنى والعطاء.

أما المجتمعات الفاسدة فيتكاثر فيها الذباب والسلب والنهب والخطف والفقر وحدث ولاحرج.

**إن مجتمعا بشريا، اي مجتمع اقصد، أشبه بمجتمع النحل هو مجتمع متزن ومتفوق على نفسه يعرف كل فرد فيه دوره وفيه نظام صارم قوي محكم قائم على طاعة الله تعالى وعلى قانون يحترم نصوصه كل فرد فيه برقابة ذاتية آلية ولامجال فيه للمجاملة والوساطة والمحسوبية أو أنا من طرف فلان وعلان فذلكم رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.

وإن مجتمعا كمجتمع الذباب هو مجتمع مفكك ومنحل وساقط وقائم على السلب والخطف والنهب ثم الهروب إلى أقرب مقلب قمامة.

كذلك يفعل اللصوص في المجتمعات الهشة الضعيفة يسرقون رغيف خبزك ثم يعطونك كسرة خبز تفضلا منهم عليك. إن مجتمعا بهذه المواصفات هو مجتمع أشبه ببيت العنكبوت وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون.

فهل يستويان مثلا؟ **.

فاختر لنفسك في أي مجتمع تريد أن تعيش مجتمع النحل أم مجتمع الذباب والخطاب موجه للجميع بصفة عامة وبصفة خاصة لأولي الألباب.. فالطيور على أشكالها تقع والحشرات أيضا على أشكالها تقع. فالنحل تقع على رحيق الآزهار والذباب يقع على أكوام القمامة بالليل والنهار. مجتمع الذباب ينهبون بلا عرق ويكسبون بلا تعب أو ارق ولا قانون يحكمهم وإن وجد فهو حبر على ورق.

أما مجتمع النحل فهو مجتمع طيب الأعراق والعطاء، والكرم فيهم باق، والنفس إليهم تحن وتشتاق.القرار في يدك ولاتنسي قول الله تعالى ” ولقد كرمنا بني آدم” وقوله ” ومن يهن له فماله من مكرم” لقد أكرمك الله فعش كريما ومت كريما لاتقع إلا على طيب ولا تأكل إلا طيبا ولا تصاحب إلا الأخيار الأطهار. لاتسل عن المرء وسل عن قرينه….فكل قرين بالمقارن يقتدي.

والله أعلى واعلم.الله من وراء القصد والنية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى