ثقافة وادب

مجاعة البطاطس.. عندما تدخَّل السلطان العثماني لإنقاذ شعب أيرلندا!

بالطبع ستُفاجأ حين تعرف أنَّ شعار نادي Drogheda United F.C الأيرلندي يحمل نجمةً وهلالاً، لكنّ النجمة والهلال لهما علاقة بشعار الدولة العثمانية من ناحية، ومن ناحية أخرى يشيران لإحدى أكبر المجاعات في أوروبا (مجاعة البطاطس)، التي حدثت في منتصف القرن التاسع عشر في أيرلندا.

تسببت هذه المجاعة في تغيُّر سكاني هائل في أيرلندا، فقد مات ما يقرب من مليون أيرلندي، وهاجر نصف مليون، وبنهاية المجاعة كانت أيرلندا قد خسرت حوالي ربع شعبها في ذلك الوقت، وفي الوقت نفسه قد كسبت تعاطف السلطان العثماني عبدالمجيد.

بدأت السيطرة البريطانية على جزيرة أيرلندا في بدايات القرن السادس عشر، ورغم أنّ الإمبراطورية البريطانية كانت إحدى أقوى الإمبراطوريات الصاعدة في ذلك الوقت، فإنَّ جزيرة أيرلندا مثّلت لها صداعاً دائماً، لرفضها هذه السيطرة، حتّى خضعت لها بشكلٍ كامل في بدايات القرن التاسع عشر، عام 1801، في ذلك الوقت كانت بريطانيا هي الأقوى في العالم تقريباً.

الاستعمار البريطاني كان بالطبع طامعاً في إضافة أراض جديدة لسلطته، وبالتالي توسيع مدخلات الإمبراطورية الزراعية والصناعية، وهكذا بدأت بريطانيا سياساتها تجاه أيرلندا، باعتبارها خزاناً مليئاً بالأغذية والخضراوات، وأصبحت مقاليد الأمور في أيرلندا في يد حفنةٍ من الأثرياء الأيرلنديين، الموالين للحكومة البريطانية في المقام الأوّل.

عندما دخلت البطاطس إلى أيرلندا كانت مجرد نبات للزينة، ولكنّها مع مرور الوقت أصبحت طعاماً أساسياً للفقراء الذين هم غالبية الأيرلنديين، وكان 33% من السكّان يعتمدون في تغذيتهم على أكل البطاطس، كما استخدمت أيضاً علفاً للماشية، وبهذه الطريقة كانت أي أزمة في هذا المحصول ستتسبَّب في كارثةٍ كبرى.

في أربعينيات القرن التاسع عشر، وتحديداً عام 1845م بدأت آفةٌ زراعية في تغيير كلّ شيء، فقد قادت آفة “اللفحة المتأخرة” إلى أزمةٍ في أوروبا عموماً، لكنّها في أيرلندا تحديداً قادت إلى كارثةٍ كبرى.

أتلفت تلك الآفة محاصيل البطاطس في أرجاء أوروبا. أمّا بالنسبة لبلدٍ يستخدم 33% من سكانه البطاطس طعاماً، فقد مثّلت هذه الآفة مصيبة، ومن هنا بدأت مجاعة البطاطس في أيرلندا. أتلفت تلك الآفة ثلث المحصول في السنة الأولى، وفي السنة التالية أتلفت 90% من المحصول، وبعد عامٍ آخر وصلت الأزمة مرحلةً مخيفة، حين اضطرّ الأيرلنديون إلى أكل البذور بدلاً من زراعتها.

كان تأثير مجاعة البطاطس في أيرلندا كبيراً، فبعيداً عن الجوع الذي راح ضحيته مليون أيرلندي، فقد سافر نصف مليون أيرلندي آخرين إلى أمريكا، وبعض المصادر تشير إلى أنّ المسافرين كانوا حوالي مليون، في ظروف سفر صعبة.

عندما زارت رئيسة أيرلندا ماري مكاليس تركيا عام 2010 أعربت عن شكرها، وشكر شعبها لتركيا، على موقف الدولة العثمانية من هذه المجاعة، قائلةً إنّ “الشعب الأيرلندي لم ينس هذا الكرم الذي لا مثيل له. الرموز الموجودة في علمكم (الهلال والنجمة) أصبحت شعاراً للمدينة، حتّى إنّنا نرى أيضاً هذا الشعار التركي الجميل على زي فريق كرة القدم لدينا”.

لشرح هذا الموقف نعود لمجاعة البطاطس، فعندما وقعت تلك الكارثة كان تعامل التاج البريطاني معها ضعيفاً جداً ويفتقر للحلول الحقيقيّة، فقد تبرّعت الملكة فيكتوريا بألف جنيه إسترليني فقط لمواجهة هذه الكارثة التي مات فيها مليون أيرلندي، وهاجر نصف مليون آخرين هرباً من الموت.

كان سلطان العثمانيين في ذلك الوقت هو السلطان عبدالمجيد، وعندما علم بخبر المجاعة قرّر التبرُّع بـ10 آلاف جنيه إسترليني إلى أيرلندا. يقارب هذا الرقم 8 ملايين ليرة تركية الآن، أي ما يقرب من 1.3 مليون دولار أمريكي، وفقاً لما ذكرته وكالة الأناضول.

عندما علمت بريطانيا بهذا التبرُّع طلبت الحكومة البريطانية من السلطان أن يخفّض الرقم إلى ألف جنيه إسترليني فقط، لأنّ ملكة بريطانيا نفسها لم تتبرّع بأكثر من ألف جنيه إسترليني. وافق السلطان، لكنّه أرسل مع الألف جنيه 3 سفن محمّلة بالغذاء والأدوية إلى أيرلندا.

لم تنتهِ القصّة عند ذلك الحدّ، فقد منعت بريطانيا السفن الثلاث من الدخول لميناء دبلن في أيرلندا، باعتبار أنّ أيرلندا إحدى المستعمرات البريطانية، ولدى بريطانيا السلطة في منع هذه السفن الثلاث. التفّت السفن العثمانية على هذا المنع ورست في ميناء مدينة دروغيدا، وأفرغت حمولتها هناك.

استمرّت المجاعة 7 سنين، من 1845 وحتّى 1852، وبعد انقضائها أرسل نبلاء أيرلندا خطاباً يشكرون فيه السلطان العثماني، أطلع السفير التركي في أيرلندا وكالة الأناضول عليه، يقول الخطاب:

“يتقدم الشعب الأيرلندي والنبلاء الموقعون على هذا الخطاب بجزيل الشكر والتقدير لجلالة السلطان عبدالمجيد على كرمه وإحسانه تجاه الشعب الأيرلندي الذي يعاني المجاعة، كما يتقدم بالشكر الجزيل لجلالته على تبرعه السخي بألف جنيه إسترليني لتلبية احتياجات الشعب الأيرلندي والتخفيف من آلامه”.وعندما تأسّس نادي مدينة دروغيدا لكرة القدم عام 1919، وضع الهلال والنجمة على شعاره. الهلال والنجمة كانا شعار الدولة العثمانية، وما زالا في العلم التركي حتى الآن. وفي شهر مايو/أيار 2006، قامت بلدية مدينة دروغيدا في الذكرى السنوية لتأسيسها بتعليق لوحة شكر على جدار المبنى القديم للبلدية، الذي استضافوا فيه البحارة العثمانيين، الذين أحضروا المساعدات الغذائية والدوائية في السفن الثلاث التي ذكرناها سابقاً.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى