آخر الأخباراقتصاد

متى ترحل فرنسا “دراكولا أوروبا” التى أدمنت امتصاص دماء الأفارقة؟

 الخبير السياسى والإقتصادى

د.صلاح الدوبى 

الأمين العام لمنظمة اعلاميون حول العالم

ورئيس فرع منظمة اعلاميون حول العالم 

رئيس حزب الشعب المصرى 

جنيف – سويسرا

 كان الأوروبيون قد أبحروا إلى أقصى بقاع الأرض للتجارة في أسواقها وأسواق إفريقيا وآسيا. وكانت بلاد المغرب، التي لا يفصلها عن أوروبا سوى البحر الأبيض المتوسط، أراض معروفة لهم. فقد خاض الأوروبيّون ضد أهلها العديد من الحروب على مدار قرون، وشيدوا الفنادق(1) والكنائس وحتى المقابر على مدنها الساحليّة الكبرى.

لكن المدهش أن ذلك لم يمنع جهل الأوروبيين بهوية السكان، وبطبيعة العلاقة بين الألقاب التي أطلقوها عليهم والألقاب التي كانوا هم يطلقونها على أنفسهم. حيث ظلّ لقب “المور” يلازم سكان هذه المنطقة لقرون، حتى بعد أن اتضح للأوروبيين أن الوصف لا ينطبق على المجموعات التي اعتقدوا أنها في الأصل تنتمي لمجموعة واحدة. 

“المور” هو اللقب الذي اعتاد الأوروبيون استخدامه منذ العهد الروماني لوصف مجموعات سكّانية متنوعة اتخذت من بلاد المغرب موطنا لها، ما يعني أن اللقب ضارب في القدم. ومع أنه قد لا يكون من بين الأسماء التي أطلقها السكان على أنفسهم، غير أن استخدامه أدى إلى تجاهل مسألة أكثر تعقيدا، هي طريقة تعريف هؤلاء الناس لأنفسهم لأن ما نعرفه عن المور القدامى هو ما وصلنا من الرومان.

عندما فتح العرب المسلمون المغرب في القرن السابع الميلادي أطلقوا لقب “البربر” على أولئك الذين اعتاد الرومان تسميتهم بالمور، بالإضافة إلى من أسماهم الرومان بالبرابرة أو غيرها من المسميات.

لكن بعد أكثر من 1000 سنة على الفتح الإسلامي، أي بحلول القرن الثامن عشر، لم يعد سكّان بلاد المغرب يعرّفون أنفسهم بالمور ولكن على إنهم إما عرب أو بربر.

وكانت البلاد التي يناديها الأوروبيون “أرض البربر” أو بربرية، جزءا مما يسمى بـ “المغرب”، وهي ذات التسمية التي أطلقها العثمانيون على “دول بارباري” أو “بربرية”، ألا وهي ممالك الجزائر وتونس وطرابلس. 

  كان من المربك للأوروبيين مواصلة تسمية السكان بـ “المور” بينما البلاد تسمى “بارباري” أو ” بربرية” بمعنى “أرض البربر”، فقد خيل لهم أن مفردة “مور” لا تمت بصلة للبربر.

لحل هذا اللبس، بدأ الفرنسيون خلال القرن التاسع عشر، في محاولة التوصل إلى حل للأمر وابتكار طريقة جديدة في الإشارة إلى الأهالي، وهي طريقة عمدت إلى تكييف التسميات التي يطلقها السكان المحليون على أنفسهم في مشروع الكولونيالية الفرنسية في الجزائر. في خضم هذه العملية، تحولت “أرض البربر” إلى “شمال أفريقيا”، وتحول العرب إلى “ساميين مشرقيين”، وأصبح البربر عرقا أبيض – أو أنّهم على الأقل لم يكونوا عرقا أسود، وباتوا يعرّفون على أنهم السكّان الأصليّون لشمال إفريقيا.

كان وليام شالر، القنصل الأميركي العام في مدينة الجزائر، قد حل بالمدينة عام 1815 ممثلا عن الولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضات السلام التي أعقبت ما يسمى بحرب ساحل البربر.

في إقامة امتدت لعشرة أعوام، خالط شالر التجار والدبلوماسيين الأجانب، الذين كانوا في أغلبهم من الفرنسيين والطليان، في حفلات كانت تقام “للمتحضرين”، حيث عم الحديث باللغة الفرنسية وغلب شرب النبيذ الفرنسي المشهور.

من خلال هؤلاء وبالإضافة إلى شيء من أدب الرحلات تمكن شالر من جمع بعض المعلومات حول السكان المحليين والتي أصبحت الأساس الذي توسع منه لاحقا إلى كتابه الصادر عام 1826 “مذكّرات وليام شالر” ، وهو عمل يمثل المعرفة الأوروبية عن “الساحل البربري” على أفضل وجه.

تزودنا مذكرات شالر بمعلومات دقيقة حول الشئون التجارية والعسكرية في الجزائر، لكنها أيضا محشوة بالمغالطات، والحقائق الناقصة والالتباسات حول البلاد وساكنيها المحليين. كغيره من الأجانب المقيمين في العاصمة، لم يكن شالر يتكلم أو يفهم تركيّة المسؤولين الحكوميين، أو لغة العرب “الموريين” الذين شكّلوا غالبية السكان أو العبرية التي استخدمها اليهود في معابدهم. ينطبق الأمر ذاته على ما كان يعرفه عن لهجات البربر حيث اختزل كل اللهجات إلى لهجة واحدة هي الشاوية بالقول: “لغة الشاوية هي لغة جميع القبائل التي تسكن جبال أطلس ومختلف سلاسله التي تمتد في الجزائر وتونس، وهي أيضا لغة سكان الصحراء التي تمتد من الغرب الأقصى حتى واحة سيوة، وذلك باستثناء المناطق التي فتحها العرب ودخلوا إليها”.

تاريخ فرنسا الاسود في افريقيا

لا تزال فرنسا تتمتع بحضور قوي في مستعمراتها السابقة في القارة الأفريقية، سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا، وذلك رغم دعاوى الاستقلال الطويلة العريضة، من قبل حكومات تلك المستعمرات، منذ أكثر من ستين عاما، وهي: الجزائر، والمغرب، وتونس، وموريتانيا، والسنغال، وتشاد، ومالي، وجزر القمر، ومدغشقر، وأفريقيا الوسطى، والكنغو، وبنين، وساحل العاج، وبوركينا فاسو، وتوغو، والنيجر، والجابون، وجيبوتي، وغيرها. حيث لا تزال فرنسا تحكم سيطرتها على موارد واقتصاديات تلك البلدان، وعلى توجهاتها السياسية والثقافية، ومناهجها التعليمية، بطريقة مزدوجة، أي بصورة مفردة، وعن طريق التكتلات الاقتصادية والثقافية، مثل “الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا”، والرابطة الفرنكفونية. وأغلب دخول هذه الدول، لا تزال تصب في الخزينة الفرنسية، ونسبة 85 % من احتياطيات هذه الدول من العملات الصعبة، تودع فى البنك المركزى الفرنسي، وتوضع تحت تصرفه، وذلك منذ العام 1961، ولا يسمح لحكومات هذه الدول سوى بالوصول إلى 15% فقط من تلك الاحتياطيات.

في حين تتوجه صادرات هذه البلدان من المواد الأولية، والمعادن كالمغنسيوم والفوسفات والكروم، نحو فرنسا، وبأبخس الأسعار، حيث تقوم عليها القاعدة الصناعية الفرنسية، بما فيها صناعة الأسلحة. وقد بلغت صادرات تلك البلدان الأفريقية، إلى فرنسا عام 2010، نحو 333 مليار دولار، وتدفع فرنسا مقابل ذلك نحو 10% فقط، من القيمة الحقيقية، لتلك المواد الحيوية المستوردة، وفي الوقت نفسه، تتجه أغلب صادرات فرنسا، إلى هذه البلدان، فهي في الحقيقة سوق لتصريف السلع الفرنسية المصنعة وغير المصنعة. وتهيمن فرنسا على أغلب مناجم الذهب في هذه البلدان، وهي بذلك ‏تمتلك رابع احتياطي العالم من الذهب والذي يقدر بأكثر من 2400 طنا، وبما قيمته 112 مليار دولار، دون أن يوجد منجم واحد على أراضيها، بينما لا تمتلك كل المستعمرات الفرنسية السابقة، أي إحتياطي من الذهب، رغم أن بعضها تحتوي على العديد منها، والتي تنتج آلاف الاطنان سنويا. وهذا فضلا عن اليورانيوم المستخدم في انتاج الطاقة النووية، والتي تؤمن 80% من انتاج الكهرباء في فرنسا، حيث تستحوذ عليه فرنسا من بعض تلك البلدان بأقل الأسعار، وهو الأمر الذي يجعل باريس أكثر استماتة على البقاء في أفريقيا، وإبقاء مستعمراتها السابقة تدور في فلكها، إلى أجل غير مسمى، مهما كلفها هذا الأمر.

كما أن العقود الإنشائية، ومشاريع البنية التحتية، في تلك البلدان، يتم تنفيذها بواسطة شركات فرنسية، وبأغلى الأسعار، وتسيطر الشركات الفرنسية على جميع المرافق الرئيسية في عدد من هذه البلدان، كمؤسسات المياه، والكهرباء، والهاتف، والنقل، والموانئ، والبنوك الكبرى، والشيء نفسه فى التجارة والبناء والزراعة.

وتبلغ إجمالي منهوبات الحكومة الفرنسية من أفريقيا سنويا حوالي 500 مليار دولار، وكل ذلك، تم ويتم بموجب اتفاقية مذلة ومهينة فرضتها الحكومة الفرنسية على حكومات هذه البلدان، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كشرط لما يسمى زورا بالاستقلال، ولا تزال تلك الاتفاقية سارية المفعول حتى الآن، ولا تزال كثير من بنودها سرية، ولم يتمرد على هذه الاتفاقية، التي أفرغت استقلال البلدان الأفريقية من مضمونه، سوى أحمد سيكوتوري، رئيس غينيا عام 1958، ودفعت بلاده ثمنا غاليا لذلك، فقد قامت الإدارة الاستعمارية الفرنسية بتدمير كل شيء، في غينيا.

وهذا بدلا من أن تقوم فرنسا بتعويض هذه البلدان على فترة استعمارها الطويلة لها، والتي أبادت خلالها الكثير من سكانها، وعلى رأسهم القيادات الحية، ونهبت مواردها، وسببت لها المجاعات تلو المجاعات، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر، وفعلت بشعوبها الأفاعيل، من الاستدمار والتنكيل والتقتيل إلى التعذيب الجسدي والنفسي، واوقعتها في حروب أهلية أكلت الأخضر واليابس، وشردت الملايين من السكان، فضلا عن القتلى، والمصابين، وبخاصة في البلدان ذات الغالبية المسلمة، وهي أكثرها، يكفي أن نعلم أن فرنسا خلال فترة تجارة الرقيق، استعبدت حوالي 5.3 مليون إفريقي، وقتلت في الجزائر وحدها أكثر من مليون مسلم، وقتلت في تشاد عام 1917 حوالي 400 عالم مسلم دفعة واحدة وبدم بارد، خلال مؤتمر، حتى تفرغ مجتمع هذه البلاد من عقله، كما فعلت ذلك في بلدان عديدة.

ويمكن القول أن فرنسا الاستعمارية، لا تزال هي التي تقرر مصير شعوب هذه الدول الأفريقية، وبتواطؤ أوروبي وأمريكي، وذلك عن طريق الحكومات والقيادات العسكرية، التابعة لها، وعن طريق النخب التي غسلت أدمغتها، وجعلتها فرنسية الهوى، والثقافة، والتفكير، لذلك فهي مدافعة شراسة عن الاستعمار، إلا من رحم ربي. ففرنسا، لم تخرج من هذه المستعمرات، إلا بعد أن مسخت هوية شعوب هذه المستعمرات، ومكنت عملاءها الذين تشربوا ثقافتها، من مفاصل الدولة، وجعلتهم على هرم السلطة، السياسية والعسكرية، والأمنية، والمخابراتية.

من أمثال سنجور، رئيس السنغال (1960-1980) ذلك المسخ الذي قال: ” إن الطريقة الأنسب والمرغوبة لبلاده، هي المحافظة على موقعها داخل الإمبراطورية الفرنسية”. كما أن فرنسا مكنت للغتها، في أغلب البلدان الأفريقية، فهي لغة رسمية في 27 دولة، من أصل 54 دولة إفريقية، وهي لغة الإدارة والمعاملات المالية والاقتصادية، ولغة التعليم والثقافة، بجانب التمكين لعملتها (الفرانك)، والذي لا يزال هو العملة الرسمية في 12 دولة أفريقية، كانت سابقا مستعمرات فرنسية، بالإضافة إلى غينيا بيساو (مستعمرة برتغالية سابقة) وغينيا الاستوائية (مستعمرة إسبانية سابقة)،  ويتم طباعة وتحديد القوة الشرائية للفرنك من قبل باريس، رغم أنه لم يعد موجودًا في فرنسا نفسها، وقد كبلت فرنسا هذه الدول بالعديد من الاتفاقيات المذلة والمهينة، التي تجعل مصير كل منها رهينة بيدها، وتحول بينها وبين الانفصال عنها، وتتيح لها العودة إليها في أي وقت، كما أن مواطني هذه المستعمرات ظلوا مجبرين لعقود للسفر على متن طائرات الخطوط الجوية الفرنسية أو الخطوط الجوية البريطانية حصريًا، إذا ما أرادوا السفر إلى بلدان أخرى.

ولضمان هيمنة فرنسا على هذه البلدان سياسيا وثقافيا، فلدى فرنسا شبكة من أقوى الشبكات الدبلوماسية في كل بلد أفريقي، وتتمثل كل منها في سفارة والعديد من القنصليات في المدن الرئيسية، إضافة إلى المراكز الثقافية والمعاهد والمدارس ومراكز البحوث والدراسات الفرنسية، التي فتحت لها فروعا في تلك البلدان، إلى جانب المؤسسات الصحفية، والهيئات الإذاعية، والمحطات التلفزيونية، التي تبث على مدار الساعة واليوم والأسبوع، وتبث برامج فاحشة، تسعى من خلالها إلى هدم الأسرة وتخريب قيم المجتمعات الإفريقية، ونشر الفساد فيها، وبخاصة الإسلامية منها.

ومن بين المدارس التي أنشأتها فرنسا في تلك البلدان، مدارس “إسلامية”، حيث تقوم من خلالها بتدريس منهج إسلامي محرّف، يتوافق مع سياساتها الاستعمارية، ويخدم مصالحها الاستراتيجية، ويؤدي إلى اختلاف كلمة المسلمين، وإلى تشكيكهم في دينهم، وضرب بعضهم ببعض. وأي رئيس من الرؤساء الأفارقة، يحاول الخروج عن سياسة فرنسا الاستعمارية الخبيثة، في بلاده، أو يعترض عليها، أو حتى يحاول تحسين شرط العبودية، يتعرض للتصفية اغتيالا، أو يذهب ضحية لانقلاب عسكري، من تدبير فرنسا، وغالبا بمشاركة دباباتها، وطائراتها، وقواتها الخاصة، هذه القوات ذات السجل الإجرامي الدموي، والتاريخ الأسود في أفريقيا، فهي رأس حربة في الانقلابات العسكرية التي شهدتها هذه البلدان في الخمسين سنة الأخيرة، والتي بلغت 45 انقلابا دمويا، من أصل 61 انقلابا في بلدان القارة الأفريقية كلها، وهي شريك أساسي في المجازر الجماعية التي ارتكبت وترتكب في أفريقيا لأسباب دينية أو عنصرية أو قبلية، بما فيها مجازر الهوتو ضد التوتسي في رواندا عام 1994، ومجازر النصارى المتواصلة ضد المسلمين في أفريقيا الوسطى، والتي استفحلت في السنوات الأخيرة. ومع كل ذلك ففرنسا لم تشبع ولم ترتوي بعد من دماء الأفارقة، ولايزال شعارها هل من مزيد؟ فلديها أطماع في ليبيا، وفي دول أفريقية أخرى.

وإن انتهاء سيطرة فرنسا على دول أفريقيا، وزوال استحواذها على كنوزها ونفطها ومعادنها، وثرواتها الأخرى، هو الكابوس الذي يرعب القادة الفرنسيين، كونهم يدركون أن انتهاء تلك السيطرة، إنما يعني انتهاء فرنسا، كقوة عظمى، ذات مكانة عالمية. وقد عبر عن ذلك العديد من الرؤساء الفرنسيين، فقال فرانسوا ميتران عام 1975″:دون القارة الإفريقية، لن يكون هنالك تاريخ للدولة الفرنسية، فى القرن الواحد والعشرين”. وقال خلفه جاك شيراك )1995-2007): “من دون القارة الإفريقية، ستصبح فرنسا فى صف دول العالم الثالث، ويجب أن نكون صرحاء، ونعترف بأن جزءًا كبيرًا من الأموال فى بنوكنا آتية تحديدًا من استغلال القارة السمراء”. وأعترف شيراك بما اقترفته الأيادي الفرنسية في أفريقيا، من خلال تصريخ للاستهلاك العالمي، فقال: “لقد قمنا باستنزاف أفريقيا ونهب مواردها لمدة أربعة قرون ونصف، ثم أدعينا أن الأفارقة لايصلحون لشيء، دمرنا ثقافتهم باسم الدين، وعِوضا من أن نقوم بأشياء مفيدة وراقية، قمنا بسرقة أدمغتهم، عن طريق إعطائهم المنح الدراسية، ثم بعد أن كونا ثراء على حسابهم نكتشف أن إفريقيا المسكينة، ليست في حالة جيدة، ولا تكون نخبا، فصرنا نقوم بإعطائها دروسا”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى