منوعات

ما الشيء الذي ينهار الزواج مباشرةً باختفائه؟ ما تعلمته من فيلم Marriage Story

استيقظتُ منذ أيام على خبر انفصال
زوجين عرفتهما، في فترة معينة من حياتي، عن قُرب، ولم أتخيل يوماً أن أسمع خبر
طلاقهما قط.

اعتملتْ مرارة في حلقي، وذهبتُ
للمقهى كي أصبح بين زحام من البشر؛ لم أكن أتحمل ضغط الوحدة على صدري في هذا
الصباح الثقيل.. أخذتُ أفكر، كيف ولماذا حدث ما حدث؟ ولماذا تنهار علاقات الارتباط
مِن حولنا بهذه السهولة، حتى أقواها التي نظن أنه من المستحيل أن تتفكك؟

تذكرتُ أنني سمعته في مرة يتحدث عن
نواة مشكلة تتجدد بينه وبين زوجته -السابقة حالياً- نسيتُ كثيراً من تفاصيل حديثه،
لكني أتذكر ملامح الإجهاد على وجهه، وثُقل لسانه.. كان منزعجاً وهو يحكي بتثاقل
دون ذكر تفاصيل كثيرة، لكني أتذكر كيف ختم حديثه بأنه: “مبقتش قادر أتكلم
معاها من غير حسابات، بقيت خايف كلمة تتفهم غلط واليوم كله يتقلب بسببها، فبقيت
أفكر في كل حاجة بقولها عشان مش عايز مشاكل”.

من تجاربي الشخصية
أعرف أن علامة مهمة لفقدان الأمان في أي علاقة ارتباط عاطفي هي أن تفقد القُدرة
على الحديث على طبيعتك،
أن تفكر فيما تقوله وتفعله كما تفعل مع الغرباء، وتبدأ في قولبة روحك بالشكل الذي
يُرضي الطرف الآخر، وترتدي بصُحبته قناعاً غير وجهك الحقيقي، كما اعتدتَ أن تفعل
في معظم أوقات حياتك.. علامة افتقاد الأمان الرئيسية أن تشعر بأن كونك على طبيعتك
يُمثِّل تهديداً لاستمرار العلاقة من أساسها.. لحظة الخوف الأثقل على القلب تأتي
عندما تخاف من البوح، وترتاح للكتمان، مع الشخص الذي طالما حلمت بأن يتقبلك على
حقيقتك، ويحبك كما أنتَ.. كم يبدو هذا ثميناً لمَن حُرمَ منه!

متى ينتهي الحب؟

في الفيلم الجميل “قصة
زواج”، الذي أطلقته “نتفلكس” منذ شهور، وحاز كثيراً من المشاهدات
حول العالم، نرى قصة طلاق اثنين تزوجا عن حب وتفهُّم شديد وتضحيات مشتركة، قصة
زواج مثالية في بداياتها كما تروي الحكاية، لكننا جميعاً نعرف أن الفيلم يحكي قصة
طلاق أكثر من كونه يحكي “قصة زواج” كما يقول عنوانه؛ فنحن نشهد، من خلال
تفاصيل شديدة الرهافة، كيف انهار كل شيء بينهما بالتدريج، ببطء شديد وبتراكم
استمرَّ أكثر من عام؛ فالقصص العظيمة تنهار ببطء يماثل جسارة أصحابها على تشييد
أركانها.

هل انتهى الحب؟

لم ينتهِ الحب بينهما قط، على العكس!
كل مشهد تقريباً بينهما، حتى لحظات الشجار العنيفة، تعرض لنا تفاصيل حب جارف
بينهما، إعجاب متبادل لدى كل منهما بكل ما في الطرف الثاني حتى مع إدراك عيوبه،
لكن الأمان هو ما فُقِد، لم ينتهِ الحب لكن تقلّصت مساحة الأمان المشتركة بينهما
حتى تلاشت تقريباً، فأصبحا خصمين في ساحة معركة، يشعر كل منهما بأن الآخر يستغل
وجوده لمصلحته الشخصية لا مصلحتهما المشتركة، ودون إدراك تدور عجلة حرب بينهما؛
يهدف كل منهما خلالها إلى إيلام الآخر، على قدر حبه له، وعلى قدر إحساسه بالخذلان
منه، يؤلمه ويؤلم نفسه معه، يعاقبه ويعاقب روحه معه؛ نزيف متبادل مؤلم يعرضه الفيلم
بعذوبة صادقة، لا يمكنك معها إلا أن تتأثر، وتفكر..

مَن قال إن العلاقات تستمر بالحب
فقط؟ الحب وقود دفعٍ لمشروعٍ، أركانه الاستقرار النفسي للطرفين، وإحساسهما المشترك
بالأمان والثقة بالنفس، وثقة أحدهما باﻵخر.. الزواج يستمر بقدر من السعادة عندما
يكون طرفاه على اقتناع بأنهما يقدمان تضحيات في مشروع مشترك يستحق البذل، وينتهي
بافتقاد التضحيات لقيمتها، الشك يبدأ كبذرة صغيرة تنمو بتكرار فقدان الإحساس
بالأمان.. وتجارب الحياة من حولنا تخبرنا بأن حُب الدنيا كله لن يصمد أمام الخوف.

يمكننا تقسيم مراحل فقدان الإحساس بالأمان في معظم العلاقات العاطفية إلى ثلاث مراحل رئيسية:

– الجرح الأول

أزمة معظمنا أننا نظن أن النقاط
الحاسمة في علاقاتنا الإنسانية لا بد أن تكون ملحمية للغاية، غير مدركين أن العكس
هو ما يجري في معظم الأوقات، النار تبدأ من مُستصغر الشرر، والألم يبدأ في التراكم
من جرح صغير، يتمثل في موقف عابر، لمحة تخلٍّ عابرة، أو حتى خذلان وجدت أنه لا
يستحق أن تعتذر عنه بعد أن تناقشه، من هنا يبدأ كل شيء، من هنا تبدأ القُرحة في
التكوُّن، انتظاراً للمرحلة التالية.

– تراكم الصديد

يحدث الجُرح الأول، فنتجنب الحديث
عنه، مرتكبين الخطيئة الأسوأ فتكاً بالتفاهم بين كل شريكين: الصمت عندما يجب
الكلام.

يتراكم الإحساس بالألم لدى أحد
الطرفين، وربما لدى كليهما، كل واحد لديه وجهة نظر، وكل طرف يرى نفسه المتألم، دون
مصارحة، وعندها قد تجد الطرفين يتحدثان في كل شيء مشترك بينهما، ويتشاجران لأتفه
الأسباب، ويتجنبان الحديث عن أساس المشكلة!

الجرح البسيط أصبح خُراجاً ينزُّ
صديداً في جسد العلاقة المشترك.. الصديد يتزايد، ومعه تغلي النفوس في بطء متصاعد،
حتى تأتي اللحظة الأسوأ.

– الانفجار

بتراكم الصديد يزداد الألم، وبالألم
يأتي الانفجار، فيُخرج الطرفان أسوأ ما فيهما تجاه بعضهما البعض، يقولان ما يقصدان
وما لا يقصدان، يجرح كل منهما الآخر بقدر ما يستطيع، يؤلمه بقدر إحساسه بالكبت
والظلم.

غالباً ما يصعب الإصلاح أناء هذه
المرحلة أو بعدها؛ فالألم المتبادل الذي يُحدثه الطرفان في بعضهما البعض قد يستحيل
تجاوزه.. الحل في كسر الدائرة اللعينة قبلها.

بدأت علاقة مختلفة بيني وبين صوت
“عبدالحليم حافظ” منذ أسابيع، لم أكن أتذوقه حتى اقتحمت نبراتُه قلبي
صدفة، على بغتة، وهو يقول في أغنيته الشهيرة “زي الهوا”: وفي عز
الأمان.. ضاع مني الأمان!

زلزلني التعبير البسيط، ودفعني إلى
التفكير في كثير من الأشياء، في نفسي وفيمَن حولي، نظرتُ إلى الماضي الذي عشته
بعين هذه الجملة تحديداً، ربما كل شراستي الظاهرية في كثير من المواقف الغاضبة في
علاقاتي الإنسانية، سرها كله في هذه الجملة، بعثرة إحساس الطمأنينة داخل صاحبها في
عز إحساسه بها، في شدة اندماجه تباغته صفعة الخذلان؛ فتقلب كيانه وتصرفاته للنقيض.

لم ينتهِ كل شيء لأن الحب انعدم أو
حتى قلّ، لكن الإنسان يثقل عليه أن يسامح مَن اغتال إحساسه بالأمان وهو في ذروته،
قاسٍ أن تُخذل في موضع اعتدت أن تجد فيه الطمأنينة.

أحمد مدحت هو خريج كلية التجارة جامعة الإسكندرية، عمل كاتباً حراً في عدة صحف ومنصّات عربية مختلفة.. مُهتم بالكتابة في المجالات الأدبية المختلفة، خاصة مساحات العلاقات الإنسانية على تنوعها.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى