ثقافة وادب

ما الذي تغير في حياة تلاميذي بالمدرسة بعد أن جعلتُ القراءة جزءاً من يومهم؟

تخرجتُ
من المدرسة قبل ما يقارب أربع سنواتٍ، ومضى على بداياتي في القراءة ثمانِي سنواتٍ،
قد يبدو هذا الرقم للكثيرين رقماً مدهشاً وجيداً، فيأملون أن أكون قد وصلتُ
لمرحلةٍ متقدمة وعالية من القراءة وجنيتُ ثماراً غنيةً منها، لكنّي وبكلِّ أسفٍ قد
أهدرت خمس سنواتٍ من القراءة عبثاً!، إذ كانت قراءتي أثناء الدراسة المدرسيّة غير
منتظمة وعشوائية، وتفتقر إلى تنظيم أهدافٍ ومناهج واضحة، والأهم أنّي كنت أفتقد
كما جُلّ زملائي لموجِّهٍ أو مرشدٍ قادر على صبِّ جهودنا وطاقاتنا في أعمالٍ
تستحقُ أوقات طفولتنا وعمرنا الخصب.

وبعد كل
هذه السنوات عدتُ للمدرسة، ليس كطالبةٍ وإنّما كمعلمة، أحاولُ تلافي أخطاءَ من
سبقوني في هذه المهنة العظيمة، من خلال تنظيم قراءاتهم ومراجعة الأعمال التي
أتمّوا قراءتها وتقييمها، واتفقنا على أن نجتمع معاً في أوقاتٍ محددة متكررة
أسبوعياً للتحاور بالعناوين التي قرأوها لتفكيك محتواها كلّه والتفكير فيه، لكن ما
لفت نظري عناوين الكتب التي يقرأونها وأسماء مؤلفيها.

طلبتُ
من الطالبات أن توفر لي كلٌّ منهُنَ قائمةً بالكتب التي قرأتها، لا يمكنني أن أنكر
أنَّ بعضهن قدمن لي عناوين جيدة أحببت أنّهن قرأنَها، وأنّي استغربت من العناوين
التي قدمتها لي إحدى الطالبات، إذ كان صفُ أسماء الكتّاب غنياً بأسماء أدباء يفخر
بهم أدبنا العربيّ وتاريخنا الفنيّ، لكنّـي لن أنكر أنّهن جميعاً قُلن لي: «أبي
اختاره لي، أو انظري، أبي ابتاع هذا الكتاب لأجلي، ما رأيكِ به؟!» ودائماً كانت
هناك جملة يخبرنني بها بعد كلِّ مناقشةٍ ننهيها: «أمي قرأت هذا الكتاب معي،
وساعدتني لأستوعب أفكاره لأجل هذه المناقشة». أما صاحبة القائمة المدهشة، قالت لي:
«لقد درست أمي اللغة العربية وآدابها في جامعة دمشق… لهذا تختار لي هذا النوع من
الكتب». وأخرى لم تشاركنا هذه المناقشات حتى الآن، قالت لي: «لم أقرأ أيّ كتابٍ
عربيّ قط، وإنّما أقرأ باللغة الإنجليزية منذ صغري». ودعوتها للقراءة بالعربيّة
لتشاركنا المناقشات، لكن هذا لا ينفي أنّي وجدت في قائمات أكثرهن عناوين لكتبٍ
رديئة ومحتواها متدن، فتأسفت على وقتهن الذي أهدرنه على هذه العناوين، وتذكرتُ
أنّي فعلتُ هذا سابقاً. وعلى أيّ حالٍ، كانت هؤلاء الفتيات من نُخبة طالبات
المدرسة وأفضلهن، وأكثرهن حظاً إذ أنّهن حظينَ بعائلات تهتم بالقراءة والأدب وتدرك
أهميتها في تقويم الإنسان، أما بقية الأطفال فتقتصر قراءاتهم على ما يُقرأ لهم
داخل الغرف الصفيّة، إذاً المعادلة واضحة الآن: أهلٌ قرّاء = أطفالٌ قرّاء، ومستوى
هذا الطفل في القراءة يعتمد على مستوى من يشرف على قراءته.

تابعنا
القراءة معاً، ناقشنا ثلاثة كتبٍ مع كلٍّ قارئةٍ صغيرة من اختيارها، واثنتان منهن
أنهتا مناقشة الكتاب الرابع، ورأيت كيف تتطور كلّ واحدة منهن في كلّ مرة، وكيف
تعلو آمالهن مع كلّ عنوانٍ جديد، وإلى أي درجةٍ يتسع عقلهن وقلبهن حين يطرح لهن
عمل جيد لأديبٍ جيد، وكيف يتقبلن الكتب الجيدة التي كتبت لأجل الأطفال خصيصاً،
ويكرهن الكتب المحشوة بالوعظ، فعدتُ للمنزل وأخذت أدقق في قائمة الكتب خاصّتي،
وأتصفح قائمة كتب الأطفال إذ إنّني أحتفظ بقائمةٍ خاصّة بالأطفال، وأسعد بقراءتها
أيما سعادة! 

 يطلق
الكثيرون ممن هم في المسار التعليميّ والتربويّ على الطفل العربيّ أحكاماً كثيرة،
ويركنون إلى أنّ طبيعة الأطفال العرب لا تأبه بالقراءة ولا يقدرون على هذه
التجارب، فلا يحاولون أن يعودوه القراءة أو يحببوه بها، ومنهم من يظن أن القراءة
مَلكةٌ كالكتابة والرسم والغناء يتقنها ويهتم بها جزءٌ من الناس دون غيرهم،
ويتعلمونها وحدهم بدافعٍ ينبع من داخلهم فجأةً، ولا يعرفون أنَّ القراءة واجبٌ على
كلّ بشريّ، كي يحظى بفكرٍ واعٍ وحياة مفهومة، وكي يُقوِّم لسانه وعقله، وتتزن
قراراته وردود فعله للأمور، والأهم كي يعرف ويصدق ما لا يراه، وهذا ينطبق على
الطفل والبالغ، لكن الفرق يكمن بأنَّ هناك أدباً خاصّاً بالأطفال يساعدهم كي
يفهموا ذاتهم والآخرين، ويتعلق أيضاً بطبيعة عقل الطفل وطبيعة النصوص الموجهة له
مع مراعاة مراحل طفولته المختلفة، فنقدم لهم أعمالاً تفهمهم ويفهمونها.

   ومن هنا نلمس المشكلة الثانية المتعلقة بكون الطفل العربيّ قليل القراءة بل إنّ أكثرهم منعدم القراءة، فالمشكلة الأولى: افتقاره لمرشدٍ ومشرفٍ على عملية القراءة واختياره للعناوين، أما الثانية: فقلة الوعي بأدب الأطفال وقلة المعرفة بنوع وخصائص الأدب الذي علينا أن نقدمه للأطفال كي يرغبوا بالقراءة.

 واجهت هاتين المشكلتين مع طالباتي، إذ انقسموا لكفتين غير متساويتين، الأولى: اللواتي قرأن ويقرأن كتباً تناسب مرحلتهن كتصنيفٍ لكنّ محتواها لم يكن جيداً بما يكفي، أما الكفة الأخرى: فكانت لطالبةٍ واحدة تقرأ كتباً جيدة جداً لكنّها لم تكتب للصغار، فتساءلت: ألا يشعر الطفل بالنقص حين يقفز عن كتب الصغار لكتب الكبار؟ ألا يفتقد طفولته ولطافة خطاب كتّاب الأطفال ورقّتهم؟

أما المشكلة الثالثة في أدب الصغار وقراءتهم فتتعلقُ بطبيعة هذا الأدب وطرق كتّابه في مخاطبة الطفل، واختيار الموضوعات التي يحدّثونه عنها، فعدد لا يستهان به منهم يلتزمون أسلوب الوعظ والتحذير، ويقصرون نصوصهم على الأخلاق وبيان فضلها دون أن ينوعوا مواضيعهم ويجددوا قصصهم وحكاياتهم بما يناسب العصر، وإن لم يكن المشرف والمُوجه فطناً عارفاً بهذا اختار من هذه القصص للطفل وتلاها له على الدوام، فكره الطفل القراءة وصارت عنده عملية لا تتعلق بالواقع ولا ترتبط به، فلا يعرف كيف يفعّل هذه الحكايات في حياته اليومية.

قبل
أسبوع، دعوتُ أخوَي زيد (12 سنة) وعبدالله (10 سنوات) لقراءة كتابٍ معاً، فسارع
زيد بالاعتراض:« إذا كتاب ديني لأ، ما بدي أقرأ كتاب ديني؛ مملين وحفظناهم».

زيد
الشجاع اعترف بما يخجل من الاعتراف به الكثير من الأطفال، فأجبته بنفي أنّ هذا
الكتاب ديني، وبدأنا قراءة كتاب “أبي اسمه إبراهيم لأحمد خيري العمري”
دون أن يعرف زيد أنَّ هذا الفتى إبراهيم هو جدنا الأكبر سيدنا إبراهيم عليه
السلام، وراقبته وهو يفرح ويضحك مع الكتاب تارةً، ويفتحُ فاهُ مصدوماً منتظراً
الحدث التالي تارةً أخرى، ثم حين سألته عن رأيه أخبرني إنّه أحبَّه واستمتع بهذه
التجربة، فطلبتُ منه تقييم الكتاب من عشر نقاط، فقال: «أمنحه تسعَ نقاطٍ»، أما
عبدالله فحفظ تفاصيل مدينة أور وما كان يفعله الفتى من جدنا إبراهيم هناك، وأخذ
يذكرني به كلّ صباحٍ تقريباً.

يتحدث
الكاتب بهذا الكتاب عن جدنا إبراهيم كأنّه فتى من عمرهم، دون المساس بقدسية هذه
الشخصية، ويشرح عنه للأطفال بأسلوب يناسب أعمارهم ويمتعهم، فيأخذون العبرة
ويستنتجون منه أفكاراً عديدة دون أن يشعروا أنّ الكاتب يشير بإبهامه عليهم،
ويأمرهم أن ينطاعوا لأمره ويحذرهم إن عارضوه، ويخوّفهم من الندم بالوعظ والترهيب،
فيعرفون بهذه الطريقة أنّ الخلل لا يكمن في القصص الدينيّة وتراثنا الدينيّ، بل
بأسلوب من يسردها ويقدمها لهم، وفعلتُ الأمر ذاته مع اثنتين من طالباتي (13 سنة)،
وقرأت عليهن جزءاً من الكتاب، ثم طلبتُ منهما أن تناقشاه مع بعضهما لا معي، وأخذتُ
زاويةً قريبة منهما واختفيت بها وكلّي دهشةً بما تناقشتا به وبما عبرتا به
لبعضهما، فرحتُ فرحاً كبيراً بهما، وعرفتُ أن الكاتب قد فاز بهذا العمل فوزاً
بهياً.

إنَّ
القراءة أساسية في حياة الطفل مثلما هي أساسية بالنسبة للبالغين، ولا يمكننا أن
نقصي أطفالنا عن القراءة، لكن الطفل حين يشرعُ بقراءة كتابٍ ما، فإنّه ينتظر أن
تسرّه هذه التجربة لا أن تعلمه كما نظن نحن، فواجبنا أن نعلمه بالمتعة، ولا ينبغي
أن يخلو أيّ عملٍ يوجه للطفل من المتعة والشقاوة، وعلى مؤلفه أن يُخبئ مواعظه تحت
النّص كي يعثر عليها الطفل ويفرح بها كأنّه عثر على كنزٍ ثمين، ويحتفظ به دوماً
دون أن يدرك أن الكاتب والشاعر قد قصد هذا، وعليه أيضاً ألّا يقتصر في شخوص روايته
وقصصه على الشخصيات الخيّرة كأبطال، وأن يبتعد عن المثالية، ليجرب في بعض الأحيان
أن يجعل البطل شخصاً عادياً يُخطئ ويصيب، وينجح بعدما يفشل، فيصير أقرب للطفل
ويتقبّله، ويحاول أن يجاريه ويقتدي بما جاء به في تصرفاته وأفعاله.

  حين نختار للأطفال ما يليق بعقولهم ولا نستهين بقدراتهم الحالية والمستقبلية نستثمر أعظم استثمار على وجه الدنيا، أما حين نتركهم دون قراءة فسنخسر أبشع الخسارات، فما الأقبح والأفدحُ من أن تخسر جيلاً من الأطفال يمكنك أن تصنع منهم قادةً! أما حين نعطيهم أعمالاً ضعيفة فسنهدر عمرهم وطاقاتهم فيما هو قليل النفع، بينما بجهدٍ أكبر قليلاً يمكننا أن نجعلهم ممتنين لنا طوال عمرهم.

نهاية أبو حميدة هي كاتبة ومدونة أردنية فلسطينية، وطالبة بكلية الآداب بالجامعة الهاشمية في قسم اللغة العربية وآدابها، وكذلك معلمة لغة عربية متدربة في إحدى مدارس عمّان الخاصّة.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى