تقارير وملفات إضافية

ماكرون يعظ المسلمين ويغازل الكنيسة.. قصة استغلال فرنسا “العلمانية” للدين عبر 200 عام

من المفارقات التي يكشفها حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن معاناة الإسلام من أزمة والانتقادات التي وجهها إلى ما يسميه بالإسلام السياسي أنه على الأرجح فإن فرنسا هي أكثر دولة استغلت الدين في السياسة الخارجية في التاريخ رغم أنها كانت تقصيه في الداخل.

فبينما تسعى فرنسا إلى محاربة الإسلام العربي تحديداً الذي يربط بشكل أو بآخر بين الفرنسيين من أصول عربية خاصة المغاربة وبين بلدانهم فإن سياسات فرنسا لاستغلال الدين وتحديداً الكنيسة الكاثوليكية تركزت بشكل واضح في إفريقيا والعالم العربي، بل آثار هذه الجريمة ما زالت قائمة وترسخت أكثر بعد خروج الاستعمار الفرنسي.

فلبنان الحالي الذي يحاول الرئيس الفرنسي طرح مبادرة لإنقاذه من صنع فرنسا والسياسات الطائفية المتجذرة في الحياة الاجتماعية والسياسية اللبنانية هي فرنسية بالأساس والرعاية.

بل إن لبنان بحدوده الحالية التي بدأت قبل 100 هي صناعة فرنسا بطلب من الكنيسة المارونية الكاثوليكية.

واستجابت باريس آنذاك لرغبة كاردينال الموارنة فضمت له المناطق المسلمة في الشمال والجنوب والبقاع لضمان توفير الحبوب حتى لا تتكرر المجاعة التي حدثت في جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى.

وفي كل مكان في العالم العربي لعبت الإرساليات الكاثوليكية لاسيما الفرنسية دوراً مهماً في تأسيس الوجود الثقافي الفرنسي وأحياناً الوجود الاستعماري الفرنسي حتى في دولة مثل مصر كانت خاضعة للاستعمار البريطاني فإن الثقافة الفرنسية توغلت في البلاد بفضل هذه الإرساليات.

كما لعبت هذه الإرساليات دوراً في جذب الأقليات والأجانب في العالم العربي للثقافة الفرنسية وخلقت نخباً موالية لباريس في كل مكان من المحيط إلى الخليج.

الأهم أنها خلقت تمييزاً بين أبناء الأقليات والنخب الأجنبية والمحلية المتحدثة بالفرنسية وبين باقي المجتمع الذي حافظ على هويته العربية، ومازال هذا الوضع قائماً في العديد من البلدان العربية.

 ولكن السؤال هل ساهمت هذه الثقافة في تقديم قدر من الحضارة الحقيقية للعالم العربي.

الإجابة تظهر من المقارنة بين المستوى الحضاري للدول التي استعمرتها فرنسا مقارنة بباقي الدول العربية عند الاستقلال.

والواقع أن وضع العراق وسوريا ومصر في الستينات تعليمياً وثقافياً واجتماعياً أفضل من دول المغرب  العربي، إذ عمدت فرنسا  عبر سياستها الثقافية والتعليمية إلى خلق نخبة متعالية على المجتمع، ومازال هذا قائماً من خلال ما يعرف باسم حزب فرنسا في دول المغرب العربي.

بل جلبت الثقافة الفرنسية عيوبها إلى العالم العربي، وطرحت إشكاليات غريبة عن الطبيعة العربية، مثل الصراع الطبقي، والعداء بين الدين والدولة، والميل للجدال، والشكلانية المبالغ بها في الملابس، والمظهرية والاستهلاكية، وهي أمور غير موجودة في الثقافة الأنجلوساكسونية البريطانية الأمريكية.

إذ تختلف العلمانية الأوروبية، أو “العلمنة”، التي كانت تمارس في فرنسا وبلدان أوروبية أخرى، عن العلمانية الأمريكية، حسب معهد واشنطن.

ففي حين تُعتبر الولايات المتحدة دولة علمانية، توفر “حرية الدين” في التعليم والسياسة، تُعتبر المجتمعات الأوروبية علمانية، من ناحية حرصها على توفير “حرية التحرر من الدين” في التعليم والسياسة.

إذ ترى دراسة للمعهد أنه كان هناك انحراف [لمصطلح] “العلمنة”. ففي أوروبا، حيث كان دين واحد يسيطر على المجتمع لفترة طويلة جداً، لم يكن من السهولة فصل الرابط غير القابل للانفصام بين الدين والسياسة. ولذلك أدت “العلمنة” الأوروبية إلى تخريب العلاقة القائمة بين الدولة والدين. وفي حين كان الدين يستعبد الدولة في السابق، أصبحت الدولة الآن تضطلع بدور سطحي على الدين.

وقد قامت “العلمنة” بإدخال مفهوم السلطة التقديرية* إلى الحكومات العصرية بحيث تكون هذه السلطة فوق الدين. وقد حدث ذلك في أغلب الدول باستثناء بعض البلدان مثل اليونان. ففي فرنسا، أعلنت الحكومة أن الكنائس هي “تراث ثقافي وتاريخي”، وقبلت تحمل المسؤولية عن المساعدة في صيانتها. وفي بلدان أوروبا الشمالية، مثل الدانمرك، حيث كانت عضوية الكنيسة والهوية الوطنية مترادفتين في وقت من الأوقات، أصبح رئيس الدولة رئيساً للكنيسة اللوثرية أيضاً، حتى عندما أصبحت هذه البلدان علمانية. وبالمثل، أصبحت ألمانيا علمانية، ولكنها قامت بجَبي ضريبة الكنيسة لصيانة المباني الدينية ودفع الرواتب لرجال الدين.

ولكن تظل فرنسا المثال الأكثر تطرفاً في محاربة الدين، ولكن يلاحظ أنه بينما بدأت تتصالح فرنسا مع الكاثوليكية (بعدما استغلتها طويلاً في سياستها الاستعمارية) فإن العلمانية الفرنسية تركز عداءها على الإسلام.

كانت فرنسا توصف تاريخياً بابنة الكنيسة الكاثوليكية البكر، وكانت دوماً أهم بلد كاثوليكي وتنافس أحياناً روما على زعامة الكاثوليكية.

وقبل الثورة الفرنسية قضى حكام باريس على أي مذهب منافس مثل البروتستانتية وبعد الثورة الفرنسية أصبحت السياسة الرسمية تهميش الكنيسة بشكل مبالغ فيه ووقعت مذابح وانتهاكات كبيرة جداً للمتدينين وصولاً إلى استبعاد الكنيسة رسمياً من الحكم في فرنسا في 1905، بشكل نهائي.

ولكن ظلت سياسة فرنسا الخارجية تقوم على استغلال الكنيسة الكاثوليكية، وتقدم نفسها كحامية لمسيحيي الشرق، وهي السياسة التي مكنتها من استغلال ضعف الدولة العثمانية، والتدخل في شؤونها مثلما حدث في دور باريس في تأسيس متصرفية جبل لبنان والذي أعطى الموارنة اليد العليا وخلق الكيان الطائفي اللبناني الذي وسعته فرنسا عام 1920 بعد أن قضت على حلم الدولة القومية العربية التي تضم المسلمين والمسيحيين (فكرة القومية العربية فكرة مسيحية أصلاً) وفصلت لبنان عن سوريا للأبد.

وفي إفريقيا، فإن فرنسا العلمانية كانت تعتمد على الكنيسة الكاثوليكية بشكل كبير.

كما أشارت بعض المصادر إلى أنّ تاريخ أكبر البعثات الكاثوليكية المتنافسة في غرب إفريقيا يرجع إلى 1860م، ففي هذا العام أخذت فرنسا على عاتقها توسيع مستعمراتها في المنطقة.

وتذكر المصادر المسيحية أنّ الإسلام ظلَّ يتقدّم جنوباً بشكلٍ مطّرد منذ القرن السادس حتى حوالي 1950م، حين وقف هذا التقدّم تماماً عندما واجهه تأثير العمل النصراني في كلّ أرجاء المنطقة الوسطية والجنوبية في إفريقيا، فقواعد التبشير الراسخة تجد دعماً مباشراً من الدول الغربية.

في المقابل فإن فرنسا التي استقبلت ملايين من العرب المغاربة في الأغلب الذين جاءوا بعد الاستقلال تعادي بشدة أي محاولة من هؤلاء العرب للحفاظ على هويتهم العربية الإسلامية بينما فرنسا نفسها تدخل في شؤون دول المغرب العربي من خلال تشجيع النزعات الأمازيغية الانفصالية.

وينظر كثير من الخبراء لسياسة “حماية مسيحيي الشرق الأوسط”، باعتبارها إحدى أبرز أدوات السياسة الفرنسية. 

فمن أهم الكتب التي صدرت في إبريل /نيسان 2016م كتاب بعنوان “مسيحيو الشرق”، وعنوانه الفرعي “لنقاوم على أرضنا”، بهذا الوضوح وبهذه الفجاجة، حسب الدكتورة زينب عبدالعزيز أستاذة التاريخ والحضارة الفرنسية بجامعة القاهرة.

وتقول الدكتورة زينب “نطالع على الغلاف الخلفي توضيحاً يقول: إن مؤسسة “عمل الشرق” مهمتها مساعدة الكنائس التي تقف في خط الدفاع الأول لإقامة جسور بينها وبين فرنسا، للعمل من خلال الصحة والعمل الاجتماعي والثقافة ونقل العقيدة”.

وتضيف “اللغة الفرنسية دعامة أساسية لنقل نمط الحياة الغربي الفرنسي؛ والاستعمار السياسي والاقتصادي، والتبشير قائم على اللغة التي هي هنا الفرانكوفونية؛ وفرنسا تتزعم فرض الكاثوليكية رغم زعمها العلمانية وفصل الدين عن الدولة؛ وإحياء النزعة الأدبية الإفريقية والزنجية باللغة الفرنسية هو نوع من الاستدراج لتثبيت الفرانكوفونية، وقد بدأت بتشجيع بعض الحكام والزعماء ليكونوا قدوة لشعوبهم؛ وإنشاء ترسانة من الجامعات الفرنسية خارج أراضيها والخاضعة لنفوذها مثل “جامعة سنجور” بالإسكندرية، وإنشاء منظمات ووكالات لتدعيمها؛ وتتويج هذه الترسانة بمجلس أعلى ثم بوزارة دليل صارخ على معنى الفرانكوفونية ومغزاها وأهدافها.

كل محاولات الغزو الثقافي في العالم العربي، وإفريقيا، يواجهها في المقابل، رفض أي محاولة لعرب فرنسا للحفاظ على هويتهم، وإذا فعلوا تصاعد الحديث عما يسمى الانفصالية الإسلامية.

ولكن حالة الموارنة الذين وصل الانبهار ببعضهم إلى الحديث بالفرنسية في بيوتهم أو الادعاء أن أصل الموارنة يعود إلى الأسرة الكارونلجية الفرنسية (وهو ادعاء لا علاقة بالواقع) لا يمثل انفصالاً عن محيطهم اللبناني العربي، بتشجيع فرنسي قح.

تقول كاميل لونس الباحثة في شؤون الخليج “تخضعُ مسألةُ مسيحيّي الشرق إلى هذا الحدِّ لاستراتيجيات الاستِغلال السياسي، لأنَّها تميل إلى تجسيدِ وتختزل عدداً من التهويماتِ والمخاوفِ التي تغذّي اليومَ الجدالاتِ في فرنسا. فخوفُ بعضِ الفرنسيّين الكاثوليكيّين من تراجعِ ممارسةِ الشعائر الدينية، والخوفُ من صعودِ الإسلامِ في فرنسا، يترُكان أثرَهما عميقاً في الطريقة التي يتمُّ فيها تلقّي أخبارِ مسيحيي الشرقِ الراهنة. ثمة افتتانٌ بمسيحيّي الشرق، ينظر إليهم وكأنَّهم يمثِّلون ديانةً ترتكِز على الأصول الأولى”.

 يقول يليام ماري ميرشا: “نجدُ داخلَ الكنيسة ؛ تيّارات تقليديّة ترى في اضطِهاد مسيحيّي الشرق دعوةً لحملةٍ صليبيّة جديدة”.

كما يلاحظ جون ـ كريستوف بوسيل Jean-Christophe Paucelle، مستشارُ وزير الخارجيّة للمسائل الدينية، الجدالات حول الإسلامِ في فرنسا وحول مسيحيّي الشرق مرتبطان على نحوٍ وثيق. يقول: “معظمُ الأخبار الراهنة في فرنسا اليوم مخصَّصة لمسيحيّي الشرق وللإسلام. في الواقع، يتعلَّق الأمر بوجهَين لمشكلة واحدة. مسألة العيش المشترك هي في قلب مسألة مسيحيّي الشرق.

الدفاعُ عن مسيحيي الشرقُ يتحوَّل إلى أداةٍ للتعبيرِ عن رواسب رهابِ الإسلام، بعدَ أن كان الدين ولفترة طويلة مكبوتاً في الحيِّز الخاص، بات اليومَ حاضراً في كلِّ مكان، في المناظَرات السياسيّة كما في التحليلات الجيوسياسيَّة”. 

ولكن المفارقة الأكبر أنه بينما تعيد فرنسا تعزيز سياستها الثقافية والعلمانية المتطرفة الرافضة لمساعي مسلمي فرنسا الفطرية للحفاظ على هويتهم، فإنها تعيد الروابط بين الدولة الفرنسية والكنيسة الكاثوليكية في الداخل بينما تواصل ادعاء دور حماية مسيحيي الشرق في الوقت ذاته.

وسبق أن قال الفرنسي السابق فرانسو أولاند خلال لقائه مع بابا الفاتيكان إن فرنسا والبابا يتقاسمان “التوجّه ذاته” بالنسبة لمسيحيي الشرق، لافتاً إلى أن بلاده تعتبر “من بين حماتهم”.

فالتعاطف مع الكاثوليكية، أو ما يمكن تسميته بـ”الكاثوليفيليا” (حب الكاثوليكية)، بدأ ينتشر في الأوساط السياسية الفرنسية من اليسار إلى اليمين، إلى حدّ يعود بفرنسا التي تعتبر أحد النماذج العلمانية في العالم، إلى صفتها التاريخية كـ”ابنة بكر للكنيسة“، 

تريد فرنسا أن تحمى مسيحيي الشرق من تهديد متوهم في الأغلب، بينما ترفض أن يدافع مسلمو الغرب عن هويتهم، ويبدو هذا واضحاً من سياسات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

فالمفارقة أن ماكرون الذي اعتبر أن هناك أزمة في الإسلام، لم يظهر أي تعاطف أو يتحدث عن أي عنصرية تجاه المسلمين، في المقابل فإنه يغازل الكنيسة الكاثوليكية إذ ألقى حجراً كبيراً في بركة الكاثوليكية في فرنسا بدعوته إلى إصلاح العلاقة بين الدولة والكنيسة وفتح حوار بينهما، وكان ذلك في خطاب طويل ألقاه عام 2018 أمام المئات من القساوسة الفرنسيين، مدشناً بذلك حقبة جديدة في تاريخ الكنيسة والدولة منذ أن اعتمدت الدولة الفرنسية في العام 1905 القانون الشهير حول الفصل بين الطرفين، وتكريس عدم تدخل الدولة في الشؤون الدينية والتزام الحياد.

لعب ماكرون في ذلك الخطاب دور المرشد الذي سيعيد ترميم العلاقة المهزوزة بين الدولة الفرنسية والكنيسة، منتقداً الطبقة السياسية التي أهملت الفئات الكاثوليكية، حسب تعبيره، أو جعلت منها مجرد خزان انتخابي للتوظيف في المناسبات السياسية، أو تعاملت معها باعتبارها “أقلية مناضلة” لكنها تسيء إلى “الإجماع الجمهوري”.

ولم يكتف بتلك الإشارات التي فجرت وابلاً من ردود الفعل الساخطة أو المرحبة، بل دعا الكنيسة الكاثوليكية إلى القيام بدور سياسي فاعل، مهاجماً أولئك الذين يعتبرون أن دورها الأساسي هو الانكباب على القضايا الاجتماعية والاهتمام بـ”الآلام” الموجودة في المجتمع.

تبدو دعوته للكنيسة الكاثوليكية للعب دور سياسي فعال، نموذجاً لتناقضات ماكرون الفجة، ولكن ليست الوحيدة.

ولقيت هذه التصريحات أصداء متباينة في المجتمع الفرنسي وفي البلدان الأوروبية الأخرى، حتى إن الكثير من أحزاب اليسار والأحزاب التي تنادي بتطوير العلمانية اتهمت الرئيس الفرنسي بالتآمر على العلمانية كمشروع حضاري وإطار مشترك للتعايش. وقد اعتبر هؤلاء أن ماكرون بدأ في هز عرش العلمانية الذي استقرت عليه طويلاً. مواقف ماكرون لا تبدو مفاجئة أو معزولة عن السياق العام داخل فرنسا.

ففي الانتخابات الأخيرة، التي فاز فيها ماكرون كوجه جديد في ظل شعور عام بضرورة التغيير، ظهر صوت الكاثوليك على الساحة السياسية بشكل غير مسبوق، ممثلاً في بعض الأحزاب السياسية التي تنهل من الخطاب السياسي للكنيسة، وهو ما أعطى إشارات قوية بأن التعبيرات الدينية المسيحية بدأت في العودة إلى الاستعمال السياسي اليومي، مرفوقة بحالة من القلق حول مستقبل الكنيسة والديانة الكاثوليكية في البلاد، في ظل زحف ما سمّاه البعض “القيم العلمانية” التي تتعارض مع الجذور الفرنسية.

بدأت ظاهرة عودة الكنيسة إلى واجهة النقاش العمومي في فرنسا قبل سنوات عدة، وتحديداً لدى النقاش الوطني الذي فتح في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، حول “الهوية الوطنية” عام 2009، حيث أثيرت وقتها قضايا الخصوصية الوطنية والوعي الوطني والشعور الوطني، وعلاقة كل ذلك بالتاريخ والدين واللغة.

 وبرزت شريحة واسعة من المثقفين والسياسيين والرأي العام تنادي باستعادة الأصول المسيحية للدولة والمجتمع، وعدم السماح للعلمانية بالقضاء على الإرث الروحي للمسيحية. وعكس المفكر الفرنسي المثير للجدل ميشال أونفري هذا النقاش في كتابه الصادر العام الماضي تحت عنوان “الانهيار، من بن لادن إلى يسوع: حياة الغرب وموته”، حيث عالج فيه موت الحضارة الغربية بفعل هيمنة الفردانية والفراغ الروحي، وفهم الكثيرون من الكتاب دعوة مبطّنة إلى إعادة بعث القيم المسيحية التي كانت في أصل نشأة الفكرة الأوروبية.

بيد أن قانون العام 1905، المؤطر للعلمانية الفرنسية، لم ينجُ هو نفسه من الانتقاد والمطالبة بإعادة النظر فيه.

مقابل فتح الجسور مع الكاثوليكية، فإننا نرى ماكرون يصعد ضدّ الإسلام والمُسلمين ويبدو أن ذلك يأتي تمهيداً لتمرير قوانين وإجراءات ذات طابع عُنصري ضدّ الجِيلَين المُسلِمَين الثّالث والرّابع في فرنسا بعد الاعتِراف بفشل ما يُسمّى بالخطوات الإصلاحيّة لدمجهما في المُجتمع الفرنسي، مُضافاً إلى ذلك أن ماكرون يُحاول يائساً استِعادة ما فقده من شعبيّةٍ أمام اليمين المُتطرّف، استِعداداً للانتخابات الرئاسيّة عام 2022.

والغريب أنه بينما تعترف الولايات المتحدة بوجود مشكلة عنصرية لدى الأقلية الأكبر لديها وهم الأمريكيون الأفارقة، حتى إن ترامب الذي يرمى بالعنصرية يقول إنه فعل لهم ما لم يفعله رئيس أمريكي آخر، فإن الرئيس الفرنسي وغيره من قادة أوروبا الذين يلقون على العالم دروساً في الليبرالية، يرفضون الاعتراف بأن مشكلة الأقلية الإسلامية في بلدانهم هي الأساس جراء العنصرية الغربية والتطرف العلماني الأوروبي.

كما تناسى ماكرون أن الإسلام الرافض للاندماج ليس الإسلام الذي يصفه بالسياسي، بل هو الإسلام المتطرف الذي ترعرع في السعودية حليفته الرئيسية في الشرق الأوسط، كما لم نرَ ماكرون يتحدث يوماً عن دور الاستبداد الذي يقوده أصدقاؤه الشرق أوسطيون في انتشار التطرف. 

يتجاهل ماكرون حقيقة يعرفها كل مسؤولي فرنسا أن أفضل وسيلة لمحاربة الإرهاب والتطرف هي ترك مساحة لمسلمين معتدلين يؤمنون بالديمقراطية وقد لا يكون اعتدالهم بالضرورة متطابقاً مع تصور ماكرون لمفهوم الاعتدال الإسلامي.

فهذا الإسلام الذي يحاول أن يتعايش بدون التخلي عن الثوابت، هو الوحيد القادر على استيعاب طاقة مسلمي أوروبا الذين لن يقبلوا جميعاً بالضرورة الاندماج كما يريده قادة أوروبا بأن يكونوا مسلمين اسماً فقط، (حتى الأسماء قد نرى فرنسا يوماً قد تجبر المسلمين على تغييرها مثلما فعلت مع سكان منطقة بريتاني).

الحُكومات الفرنسيّة المُتعاقبة هي التي شجّعت سِياسات العزل للمُهاجرين المُسلمين عندما فرضت عليهم الإقامة في معازل و”غيتوهات” سكنيّة خاصّة على أطراف العاصمة، حسب الجنسيّة، وعزلتهم كُلِّيًّا عن نُظرائهم الفرنسيين حتى كأنّهم “وباء” وظلّت تتعاطى معهم كمُواطنين من الدّرجةِ العاشرة بسبب لونهم وعقيدتهم، والآن تتّهمهم بعدم الاندِماج في المُجتمع الفرنسي.

سياسات العزل العُنصريّة هذه في السّكن والمدارس والمُستشفيات، لم تَكُن موجودةً في مُعظم الدول الأوروبيّة، فقد وعت بريطانيّا الجار لفرنسا لخُطورة سِياسات العزل هذه، وأقامت مساكن للفُقراء في أوساط الأحياء الراقية حتى لا يشعروا بالدونيّة والتّمييز، وحاربت الحُكومات البريطانيّة المُتعاقبة كُلّ أشكال العُنصريّة في المدارس والملاعب الرياضيّة، ليس حِرصاً على مشاعر المُهاجرين، وإنّما أيضاً للحِفاظ على أمن واستِقرار المجتمع، وتعزيز كُل أشكال التّعايش، ونسوق هذا المثال ليس لنُبرّئ السّلطات البريطانيّة من بعض المُمارسات العنصريّة، وإنّما لنُبيّن خطأ نظيرتها الفرنسيّة.

من الواضح أن مشروع ماكرون هو التصالح مع الكاثوليكية، مع محاولة الضغط على مسلمي فرنسا للتخلي عن هوياتهم، فهي علمانية متطرفة تجاه جانب واحد، فقط هم المسلمون، والحقيقة أن هذا هو التطور الطبيعي للمشروع الفرنسي العلماني، فقد بدأت العلمانية الفرنسية متطرفة ضد الكاثوليكية لأنها الدين الوحيد تقريباً في فرنسا، ولكن مع خروج فرنسا لاستعمار الشرق أصبحت علمانية في الداخل وحامية للمسيحية أو مستغلة لها على الأحرى في الشرق، ومع زيادة أعداد مسلمي فرنسا، أصبحت علمانية تحاول تهميش الإسلام والتصالح مع الكاثوليكية، بعدما تحالفت معها خلال فترة الاستعمار.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى