آخر الأخبارالأرشيف

ماضي فرنسا “الاستعماري” ما زال يلاحقها The attacks in France show that its colonial past endures

جريدة الغارديان

في حديث جديد ودون حدود بشأن الحرب ضد الإرهاب، موروث الإمبراطورية الفرنسية في شمال إفريقيا وتأثيراته على المجتمع المسلم في فرنسا ما زال موجدًا.

أصبح هجوم “نيس”، الذي قُتل فيه 84 شخصًا، والذي نفذه مقيم فرنسي تونسي الأصل مركز الأحاديث السياسة في فرنسا، فبعد صدمة الحادثة برزت أحداث كراهية المسلمين، بل وعرفت منحنى جديدًا، “لماذا فرنسا؟”، كان هذا سؤال الكثيرين، بعد أن استفاقت الأمة الفرنسية من ثالث مجزرة جماعية تقع في 18 شهرًا.

يرى البعض أن التوجه الجمهوري الفرنسي وخاصة العلماني؛ ونموذجها اللائكي الذي يمنع تأثير الدين في كل شيء يتعلق بالجمهورية، والموروث منذ سنة 1905 ويفصل باسم القانون بين الكنيسة والدولة هو سبب تنامي الإرهاب ضد فرنسا.

بينما أشار آخرون إلى أن فرنسا ودورها العسكري الأخير وتدخلها في بلاد المسلمين من غرب إفريقيا إلى العراق، بينما يسلط البعض الضوء على التمييز الذي تعيشه الأقلية المسلمة في فرنسا، وكل هذه الإشارات لها قيمتها في فهم الوضع الراهن.

لكن هناك خلفية تاريخية لكل العمليات الإرهابية الحديثة، التي تقع في فرنسا، والتي ترتبط بسياساتها المحلية والاضطرابات التي يعيشها العالم العربي، فهي ليس كغيرها من دول أوروبا الغربية، ويوجد في فرنسا وألمانيا أكبر عدد من المسلمين في أوروبا، على عكس ألمانيا التي أغلب مسلميها قادمين من تركيا فإن الأقلية المرهقة هي من العرب، وذلك نتيجة ماضي فرنسا الاستعماري.

فالفوضى والعنف في الشرق الأوسط لهما صدا مباشرا في فرنسا أكثر من أي مكان آخر، وهذا ما لا يصرح به الساسة الفرنسيين إلا نادرًا، وذلك لأنهم يميلون إلى الزعم بأن الإرهابيين يستهدفون كل المجتمعات الغربية، لكن تعقيدات فرنسا لها خصوصية.

فالحديث عن دولة في “حالة حرب” عقب كل هجوم إرهابي يقف وراءه ويتورط فيه في أغلب الحالات مسلمي فرنسا من ذوي الأصول الجزائرية، وهذا يثير شبح حرب الجزائر 1954 و1962.

لم يمت الماضي الاستعماري في فرنسا بعد، بل لم يصبح بعد من الماضي، توصف عادة الجبهة الوطنية مارين لوبان بحزب الفاشية الجديدة، ولكن على عكس باقي حركات اليمين المتطرف في أوروبا فإن أصول فكرهم غير موجود في إيديولوجيات موسوليني وهتلر، لكنه موجود في التاريخ الاستعماري الفرنسي.

وصف المؤرخ بنيامين ستورا هذه الخلفية بـ “نقل الذاكرة”، نقل ذكريات عصر الاستعمار في البحر الأبيض المتوسط إلى فرنسا الحديثة. ولا يزال الملايين من الناس في فرنسا يعيشون بنظرة غامضة عن الجزائر، عائلات ملايين الفرنسيين المجندين الذين شاركوا في الحرب، هؤلاء الذين يقدر عددهم بمليون شخص قدموا من الدول المستعمرة والمعروفين بـ”الأقدام السوداء”، الذين هربوا من الجزائر بعد الاستقلال سنة 1962، هؤلاء المئات من الآلاف من “الحركي”، وهم مسلمون جزائريون عملوا عن قرب مع المستعمر الفرنسي وهربوا مؤخرا إلى فرنسا.

فرنسا - Kopie

Memories of the colonial era across the Mediterranean are transferred to contemporary France,’ French armed forces suppress an uprising in colonial-era Algeria. Photograph: Loomis Dean/Time & Life Pictures/Getty Image

ومن ثَمّ يأتي أبناء المهاجرين من شمال إفريقيا، الذين يشعرون – أغلبهم – بالحرمان.

فكتب جيل كابل، أكاديمي فرنسي مرموق، بشأن كيف أن بعض هذا الشباب بوعي أو غير وعي يعيد القتال الذي شارك فيه أبوه وجده ضد المستعمر الفرنسي. لا تنظر أبعد من إعلان حالة الطوارئ في فرنسا لترى كيف أن الحرب الجزائرية ما زالت حاضرة.

ولد الدستور الفرنسي، وفي أعلى مستويات تركيزه للقوة التنفيذية، من ذلك الصراع، فمصطلحات مثل “الاستيعاب” و”الدمج” أكثر استخدامًا هذه الأيام عند مناقشة الهجرة، وهو أمر يعيدنا بالقوة إلى الماضي، حيث مرت فرنسا بوقت صعب تفكر في الإسلام والعزل، ولهذا علاقة بكيفية معاملتها للجزائر الأرض المستعمرة بين 1848 و1962 وكان هذا قبل ظهور اللائكية.

ويبدو أن هجوم “نيس” فتح صندوق باندورا على الذكريات المؤلمة والتعصب، على عكس هجوم باريس 2015، فقد وقعت هذه الهجمة في منطقة توصف بوجود الذين تمت إعادة توطينهم هم وأبناؤهم وأحفادهم بعد أن عادوا من المستعمرة الجزائر، وكان وما زال الجنوب الشرقي لفرنسا مرتعًا لنمو سياسات الجبهة الوطنية، وهذا هو الإطار الذي عايشته بعض العائلات المسلمة ضحية هجوم يوم باستيل، حيث تقول التقارير إنهم تعرضوا للاعتداء في شوارع “نيس”، حتى أن بعض الهرسلة وقعت معهم بعد عودتهم من المشرحة.

يصور التوازن بين الماضي الفرنسي الجزائري الحرب الحالية والتي لا تعرف الحدود؛ فالخطر قد يحدث في أي وقت وأي مكان، وفي بلد يعيش فيه العرب في اختلاف عن الفرنسيين، وفي وحدات متجانسة تهدد الكيان.

ربما كفت الجبهة الوطنية في عهد مارين لوبان عن عدائها للسامية، ولكن في الأغلب ستواصل نشرها لمبدأ الاستعمار، الذي ينص على أن الهوية الفرنسية الحقيقية مهددة من قبل ثقافة المسلمين، وتبقى جذور فكر الجبهة الوطنبة هي “المسلمون الجيدون هم الخاضعون المهزومون، كما كانوا في أيام الاستعمار”.

قد يكون حنين فرنسا للاستعمار ما زال قويًا حتى ولو لم يصرحوا به، ولكن كما قال ستورا وغيره، فإن معرفة ذلك العصر ما زال غامضًا لكل من مسلمي فرنسا وغيرهم، وخاصة إذًا علمنا أن المتحف الوطني للهجرة لم يفتح إلا سنة 2014.

وفي نقاش برلماني بشأن حالة الطوارئ، قال سياسي فرنسي شاب، وهو برونو لومار، تصريحًا يكشف الكثير عن مستقبل البلاد، فلومار مشارك في سباق الانتخابات التمهيدية الرئاسية ممثلًا عن اليمين، وقادم من فكر “تشارلس غول” وليس من الجبهة الوطنية.

ووفق لومار، فإن العدو الذي يجب على فرنسا أن تقاومه بشدة هو “الإسلام السياسي”، ولم يقل “الجهاديين الأصوليين”، لقد نعت الإسلام السياسي بالإسلام الذي “ينتقد ثقافتنا”، ويريد أن يجعل النساء غير مرئيات؛ وهذا ما اعتقدته فرنسا الاستعمارية عن المسلمين في العموم.

النموذج الفرنسي الجمهوري ليس مسؤولًا عن الإرهاب الذي يعصف بها، ولكنها دولة أوروبية يستهدفها الإرهاب أكثر من غيرها، وعليها أن تصل إلى تفاهم بشأن ماضيها الاستعماري، إذا كانت تريد أن تبني بناء شاملًا، ومستقبلًا واعدًا لكل مواطنيها.

المصدر

 

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى