لايف ستايل

مؤامرة كورونا ضد قضايانا التاريخية الكبرى

ظهر فيروس “كورونا” فجأة كوباء عالمي يتهدّد البشرية جمعاء، فهو سريع الانتشار، ويصعب تشخيصه، أو محاصرته، كما لا يوجد وقت قريب لإيجاد لقاح لمعالجته، أو وضع حد له، ولا دولة وحدها قادرة على تحمل كلفته.

هكذا، وفي فترة قصيرة، أضحى ذلك الفيروس الشغل الشاغل للناس وللشركات وللحكومات في أنحاء العالم، للعلماء والتجار وللفلاسفة وللشعراء والروائيين والفنانين والسياسيين ولوسائل الإعلام.

ثمة مشكلتان هنا: الأولى أن ذلك الفيروس نجمت عنه حالة من الاستنفار، أو فرض حالة طوارئ، على الصعيد الدولي، وشمل ذلك شلّ قطاعات اقتصادية، لاسيما وسائل المواصلات والأسواق، بل وشمل ذلك إغلاق مدارس وجامعات ومطاعم وفنادق ودور سينما ومسارح وملاعب ومحطات مترو ومطارات، ومدن، وحتى بلدان بأكملها تعرضت للإغلاق. 

والثانية -ولعلها الأهم والأخطر- أن ذلك شمل أيضاً وقف الاحتكاك بين البشر، والامتناع على الاحتضان والمصافحة، وترك مسافة أمان بين فرد وآخر، كما تطلّب ذلك فرض نوع من العزلة، والوحدة الإجبارية أو الطوعية، وهو أمر غير مسبوق، ويتناقض مع الطبيعة البشرية، ومتطلبات العمران البشري، لذا فهو أمر يصعب تخيل التعامل أو التكيف معه، لاسيما مع فترات يصعب تحديد طول أمدها.

بناء على ما تقدم أضحت “كورونا” -كوباء عالمي- أخطر كارثة تمر بها البشرية في هذه المرحلة من تاريخها، فهي تبدو أكثر تهديداً وخطراً من الحروب الدينية والحروب الأهلية والحروب الهوياتية، المشتعلة في أكثر من مكان، وربما هي أكثر خطراً من الحربين العالميتين، ومن تأثيرات القنبلة النووية.

فوق كل ذلك، فإن هذا الوباء أو هذا التهديد الشامل، فتح مجدداً الأسئلة الأساسية للوجود الإنساني على مصراعيها، وضمنها علاقة الإنسان بالطبيعة، والوجود والعدم، والحياة والموت، ومعنى وجود الإنسان، والخير والشر، والأديان، والهويات.

ففي العلاقة بين الإنسان والطبيعة مثلاً فقد كان تخيّل الأول (أي الإنسان) أنه حقّق انتصاره على الطبيعة، وأنه روَّضها أو كيَّفها أو عقلنها، لذا أتت “كورونا” لتُثبت العكس، أي لتثبت أن الطبيعة ذات جبروت مطلق لا يمكن للإنسان ولا لعقله أن يروضها، بل يمكن له فقط أن يستفيد منها أو يستثمرها، لكن إخضاعها أو ترويضها ليس بمقدوره. ومثلاً فإن الإنسان لا يستطيع إخماد نيران البراكين، ولا وقف هبوب العواصف، ولا الحؤول دون مد البحار أو الأنهار، ولا وقف تفجر الينابيع، ولا التخفيف من حرارة أشعة الشمس، ولا استبدال الليل بالنهار أو بالعكس. 

لذا تبدو الطبيعة وكأنها تُعطي عبر كورونا درساً للإنسان، مفاده أن تجبَّره لا معنى له، وأنه يبقى بقدراته الجسدية والعقلية كائناً محدوداً جداً. وربما المعنى الأعمق، أيضاً، أن جبروت الإنسان إزاء الإنسان، أو جبروت جماعة ضد أخرى (قومية أو دينية أو طبقية أو أيديولوجية) لا معنى ولا جدوى لها. وبديهي أنه، على الأرجح، من المشكوك فيه، حتى تحت وطأة خطر كورونا، أن يتحول ذلك إلى وعي شامل، بحيث يعي أو يتعظ الإنسان من هذا الدرس القاسي.

في المحصلة فقد غدت البشرية الآن، في معظم البلدان، القوية والضعيفة، مكشوفة مع كورونا، إذ لم يعد ثمة طائرات مدنية تتحرك، وحتى الطائرات الحربية لم تعد هناك حاجة لها، فلا دور لها أمام هذا العدو الخفي، أو هذا الفيروس التافه، بل إن الجيوش نزلت إلى الشوارع لضبط حركة المرور.

المهم أن فيروس كورونا غيّر عالمنا وعاداتنا، وقوَّض يقيننا، وكشف عجزنا وضعفنا، وفضح معتقداتنا، أو عرَّى ادّعاءاتنا، أي أنه فعل ما لم يكن في وسعنا توقعه أو تصوره، كأنه ثورة الطبيعة ضدنا، وثأرها من عبثنا، وانتقامها من حروبنا، ومن الآلهة التي صنعناها، ومن التكنولوجيا التي ابتكرناها.

الآن، ماذا بعد كورونا؟ هذا هو السؤال. ومثلاً، فما الذي سيبقى من هيغل أو ماركس؟ أو هل سيضحك نيتشة بما يظنه انتصاره على ادعاءات الحداثة؟ هل سترتاح مدرسة التفكيك؟ وماذا عن مجادلات جماعة الحداثة وما بعد الحداثة؟ والعولمة وما بعد العولمة؟ 

وعندنا ما مصير جماعة التقليد والمعاصرة، أو العقل والنقل، أو التجديد والتقليد؟ وماذا عن صراعات ومناظرات اليسار واليمين، وتنافسات ومناقشات الكوزموبوليتبيين والوطنيين والقوميين والعلمانيين والمتدينين؟ وما مصير مصارعات أو منازعات السنة والشيعة والكاثوليك والأرثوذوكس؟ ترى هل سنبقى مع ترامب وصفقة القرن؟ وهل سيظل بوتين رئيساً إلى الأبد مثل بشار الأسد؟ وماذا عن العدو الصهيوني، ما الذي سيبقى منه، أو ما الذي سنصير إزاءه؟ أخيراً ما الذي سيبقى من قضايانا التاريخية الكبرى؟

حقاً، ما كان ينقصنا ذلك الفيروس “كورونا”، فمعه ومن دونه كانت ثمة أشياء كثيرة نقلق بشأنها، في حياةٍ كلّها من قلقٍ.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى