آخر الأخباركتاب وادباء

لو كنت كما تقولين ماتركك لي المبصرون..!

من روائع الأديب الكاتب 

السعيد الخميسى

** يروي أن امرأة سليطة اللسان كلماتها كحد السنان كانت تعاير زوجها” الكفيف” بجمالها المزعوم حين تمسي وحين تصبح قائلة له في علو واستكبار وبغير حق “آه لو رأيت بياض وجهي ورشاقة قوامي وصفار شعري وجمال عيني..!” وكانت تكرر عليه هذه المعايرة مرارا وتكرارا حتى فاض الكيل بالزواج الكفيف ولم يعد يحتمل تلك المعايرة الممجوجة المزعومة التي لا أساس لها من الصحة. فلما طفح به الكيل وبلغ السيل الزبي دافع الرجل عن نفسه وأطلق في وجهها عبارة موجعة هي أشبه بالرصاصة الطائشة قائلا لها غاضبالو كنت كما تقولين ماتركك لي المبصرون..!” فخرست المرأة المغرورة بثقل دمها وغلظة الفاظها وعجرفة اسلوبها من شدة وقوة الطلقة النارية التي أطلقها في وجهها الزوج الضرير المغلوب على أمره لأنها تعلم ماذا يقصد..!

** ذكرتني تلك الواقعة بشرائح كثيرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية  حيث يظنون أن الحياة لن تسير بدونهم من فرط ذكائهم وعمق آرائهم وقوة حجتهم  لأنهم هم فقط حسب ظنهم  محور ارتكاز الكون وإذا حدث خلل لهم أو ابعدوا عن الصدارة فسوف تهتز السموات والأرض لغيابهم ونسوا أو تناسوا الحكمة القائلة: إن المقابر ملأي بأناس ظنوا أن الحياة لاتسير بدونهم. ظنوا هكذا لكنهم ماتوا  وإذا بسفينة الحياة تشق أمواج البحار وتعلو وتهبط لكنها تصل في نهاية الرحلة إلى شاطئ الأمان بهم وبدونهم لأن الحياة لاتتوقف عل احد مهما كانت قوته وعبقريته. ولو كانت الحياة تتوقف على احد لتوقفت بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أشرف الخلق وأفضلهم ومع ذلك خاطبه الله عز وجل قائلا له ولأمته من بعده ” إنك ميت وإنهم ميتون” فلما الغرور والاستكبار في الأرض بغير الحق؟

** إن جرثومة الشخصانية والذاتية المتضخمة والمتورمة الذي يصفها علماء النفس ”  بالأنا ” قد بلغت مبلغها من هؤلاء الصنف من البشر فظنوا بهتانا وزورا أن الحياة لاتسير بدونهم. وليتهم يعلمون أن أول من أصيب بجرثومة الأنا هو إبليس لأن الله تعالى أمره بالسجود لآدم  فاغتر وتكبر ورفض السجود لآدام  قائلا ” أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين “ هي ليست قصة إبليس فحسب ولكنها قصة جبابرة وطغاة الأرض في كل مكان وعلى مر الزمان الذين يستكبرون على أقوامهم ويتعالون على بني جلدتهم من البشر ويمنحون أنفسهم ألقابا ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان. فيظنون ظلما وعدونا أنهم أنصاف آلهة مخلدون في الأرض. فكم من أوطان احتلت بسبب تهور أمرائها، وكم من مؤسسات دمرت بسبب فشل مدارائها، وكم من صحف أغلقت بسبب ضحالة فكر كتابها، وكم من بيوت خربت بسبب فساد أولياء أمورها وكم من مرضى ماتوا بسبب سوء تشخيص أطبائهم وكم من عمارات شاهقة سقطت بسبب سوء تصميم مهندسيها، وفي كل ماسبق ذكره يظنون أنهم يحسنون صنعا.

 ** لقد امتطي صناديد قريش صهوة جواد الكبر والغرور كتلك المرأة التي كانت تعاير زوجها بجمالها المكذوب، واعترضوا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قائلين ” وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم” والمراد بالقريتين مكة أو الطائف. كانوا يقصدون الوليد بن المغيرة من مكة، عروة بن مسعود من الطائف.ويعنون بالعظيم  كثرة المال، والرئاسة في قومه.وذلك على سبيل العناد والحسد. فكانوا يريدون أن ينزل هذا القرآن الذي يقرؤه محمد صلّى الله عليه وسلّم على رجل عظيم في ماله وسلطانه، ويكون من إحدى هاتين القريتين، وهما مكة أو الطائف. فهم لجهلهم وانطماس بصائرهم وغرورهم استكثروا أن ينزل هذا القرآن على محمد صلّى الله عليه وسلّم الذي وإن كان في القمة من الشرف والسمو بين قومه إلا أنه لم يكن أكثرهم مالا وسلطانا، وهم يريدون أن تكون النبوة في زعيم من زعمائهم، أو رئيس من رؤسائهم. إنه الشعور بالأنا والغرور والكبر الذي منعهم من أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

**  وهل أهلك الله فرعون إلا لادعائه الألوهية “أنا ربكم الأعلى” وهل أهلك الله قارون إلا لادعائه العلم والعبقرية “قال إنما اوتيته على علم عندي” وهل اهلك الله عادا وثمود إلا لأنهم اغتروا بقوتهم ” فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ” وفي آية أخرى” وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يكسبون “

**خلاصة القول  ومجمله أنه يجب على كل إنسان ولاسيما لو كان في موضع المسؤولية كبيرة كانت أو صغيرة أن يراجع نفسه ويدقق في مواقفه ويحقق في تصرفاته ولايغتر بجمال خلقته ولا بكثرة بماله ولا بقوته ولا بسطوة منصبه ولا بكثرة تابعيه ومحبيه ومريديه ولاينسي قول القائل : قد يهلك الإنسان من كثرة ماله… كالطاووس يذبح من أجل ريشه..!  فلاتنفش ريشك بمناسبة أو في غير مناسبة أيها العبد الضعيف المغرور واعلم أنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا أيها الإنسان ولا يلدغنك غرورك وتكبرك وغطرستك واحذر لسانك.. إنه ثعبان…!

والله الموفق والمستعان.

والله من وراء القصد والنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى