ثقافة وادب

لولاه لما اعترف العالم بأبيه.. الحياة المميزة لفيرديناند، الابن غير الشرعي لكريستوفر كولومبوس

كريستوفر
كولومبوس، البحارة الذي اكتشف العالم الجديد، المثير للجدل بين كونه مستكشفاً
وقاتلاً. تفاصيل كثيرة نعرفها عن البحار كولومبوس، لكن كل ما عرفناه كان بفضل ابنه
غير الشرعي فرديناند (أو هيرناندو)، الذي ربما كان أفضل شخص عرف «مكتشف»
أمريكا.

كان
كلاهما بطل كتاب The Catalogue of Shipwrecked Books، الذي ألَّفه المؤرخ والأكاديمي بجامعة كامبريدج، إدوارد ويلسون
لي.

يعرض
الكتاب تفاصيل من العصور الوسطى وعصر النهضة، ويتحدث عن المؤامرات وصراعات السلطة
في بلاط الملوك الكاثوليك وخلفائهم، وعن حقبة الاستكشاف في القرنين الخامس عشر
والسادس عشر، والاختراعات والفنانين والمفكرين العظماء، ويستعرض بالتفصيل حياة
رجلين ذوَي بصيرة يربطهما حب عميق: بين ابن وأبيه.

ورغم أنه
لم يُعترف به على الإطلاق، كانت علاقة فرديناند بوالده وثيقة للغاية؛ إذ سافر معه
في رحلته الرابعة والأخيرة إلى العالم الجديد، وكان مثل أبيه لديه أحلام عظيمة.

كان كريستوفر يحلم بغزو العالم، فقد سعى فرديناند لإدراك هذا العالم بإنشاء مكتبة عالمية تضم جميع الكتب، والكتيبات، والقطع الموسيقية، والمنشورات، والمطبوعات التي كانت موجودة في العالم من جميع الثقافات وبجميع اللغات.

الباحث
ويلسون لي قال لموقع BBC Mundo، إنه كان يعمل منذ سنوات، على دراسة تاريخ الكتب، لا سيَّما تلك
الفترة التي أعقبت اختراع آلة الطباعة مباشرة وكيف غيَّر ذلك العالمَ.

وهكذا
توصل إليه في هذا السياق.

يقول
ويلسون: «كانت مكتبة فرديناند مهمة للغاية لفهم تلك الحقبة، لأنه كان يكتب
بهوسٍ في كل كتاب من كُتبه عن المكان والزمان الذي اشتراها فيه، والمبلغ الذي دفعه
مقابل ذلك، وهو ما يتيح لنا تفاصيل دقيقة للغاية».

وأضاف
مستدركاً: «لكن عليَّ أن أعترف بأنه عندما بدأت العمل على تاريخ هذا الرجل،
فوجئت حقاً بأنه لم يكن معروفاً كما ينبغي، لأن حياته مذهلة حقاً».

إنها مثل
إحدى قصص بورخيس، أو رواية كتبها أومبرتو إيكو، ولكن بتفاصيل حقيقية: الابن غير
الشرعي لكريستوفر كولومبوس الذي يحاول إنشاء مكتبة عالمية.

بدت
لويلسون قصة مثالية ليغوص بداخلها، ولكن أيضاً ليخبرها لجمهور أكبر.

يقول
ويلسون:

«أعتقد
من نواحٍ كثيرة أنه هو من نطلق عليه لقب (موسوعي)؛ فهو شخص لديه عديد من المواهب
والأعمال.

لم يكن
لديه فقط هذا المشروع المذهل لتأسيس مكتبة عالمية، بل كان أحد أهم رسامي الخرائط
في عصره، وبدأ بعمل قاموس، وأنشأ موسوعة جغرافية لإسبانيا، بل إنه شكَّل أكبر
مجموعة من المطبوعات والقطع الموسيقية في عصره، وبدأ ما يُعتقد أنها أول حديقة
نباتية في العالم.

ولكن في
الوقت نفسه، كان شخصاً فريداً للغاية. بطريقة ما، كان يعيش -مثل والده- مهووساً
بمصيره ومكانته في التاريخ.

كان
اهتمامه بالمعلومات نوعاً من التحدي العملي، لأن الطباعة أدت إلى زيادة كبيرة
فيها؛ وهو الأمر الذي أدى إلى التساؤل عن كيفية ترتيبها وفهمها.

وأعتقد
أن هذا كان بموازاة تطلعات والده؛ إذ إنه تماماً كما أراد كريستوفر الإحاطة
بالأرض، أراد فرديناند الإحاطة بعالم المعرفة. وعلى غرار والده؛ كان يعتقد أن كل
من يكمل هذه المهمة العظيمة ستكون له سلطة هائلة.

ولم يكن مخطئاً. فكما نعلم الآن، تعد المعلومات أحد مصادر القوة. يمكننا القول إنه كان متبصِّراً واسع الرؤى».

يقول
ويلسون: «أعتقد أن مكتبته بأكملها وجميع فهارسها تمثل نواة لـGoogle، وهي أشبه بخوارزمية
تحاول تصفّح هذا العالم الهائل من الكتب».

قد يبدو
امتلاك جميع الكتب في العالم فكرة رائعة بالطبع. ولكن إذا لم تتمكن من العثور على
الكتب التي تريدها من بين ما تمتلكه، فقد يكون الأمر أسوأ من عدم امتلاك أي
كتب. 

استخدم
فرديناند كثيراً من الأساليب، ولكن ربما كان أجرأها هو El
libro de los Epítomes، الذي سعى إلى تقليص كل كتاب إلى ملخص صغير؛ ومن ثم جعل عمليات
البحث عن نسخة معينة أكفأ وأسرع.

يعتقد ويلسون
أن كولومبوس كان محور كل الأشياء التي شكَّلت فرديناند. ولعل الابن كان بدوره أفضل
من عرف أبيه على الإطلاق.

إذ عاش
مع أبيه عاماً في مقصورة صغيرة على متن سفينة غارقة، في انتظار أن يأتيهما الموت
كل يوم.

أما
مسألة كونه غير شرعي، فكانت تعني أنه لا يستطيع أن يرث ثروة أبيه أو ألقابه، ومن
ناحية أخرى، جعلته يشعر بالحاجة الماسة لإثبات أنه جدير بأن يكون ابناً لهذا
الرجل.

من
المفترض أن الطريقة الوحيدة لديه هي أن يفعل شيئاً يحاكي إنجازات والده، أي أن
يفعل شيئاً يجعله ابنه الروحي، لأنه لم يكن ابنه أمام القانون.

ربما أفضل
ما يعكس هذه النقطة هو السيرة الذاتية التي كتبها فرديناند عن والده، والتي تحتوي
على مفارقة رائعة؛ لأننا اعتقدنا أن فرديناند يعرض ذاته في كولومبوس. ولكن في واقع
الأمر، جاء كل ما نعرفه عن الأب من ابنه.

وليس
واضحاً تماماً إلى أي مدى صاغ فرديناند صورة كولومبوس، على الأقل تلك الصورة
الأسطورية والبطولية التي كانت لدينا منذ قرون.

يرجح
ويلسون أن السيرة الذاتية التي كتبها فرديناند، والتي تشكل أساس القصة التي نعرفها
منذ مئات السنين، صحيحة تماماً تقريباً، لكنها غير كاملة.

كان
فرديناند شخصاً شديد الدقة، ويحتوي كتابه على عديد من الإشارات إلى الوثائق التي
تمكِّننا من التحقق من أنه كان يقول الحقيقة.

ولكنه في
الواقع أغفل كذلك بعض الأشياء.

عندما
بدأ علماء مختلفون في القرن التاسع عشر يهتمون بهذه القصة ويبحثون في الوثائق،
عُثر على رسائل كولومبوس وإفادات أخرى من معاصريه، سمحت بالحصول على فكرةٍ أفضل
عما كان عليه حقاً، ومنح ذلك صورة أقل مثالية عن رجل فعل أشياء مروِّعة، وفي أواخر
أيامه كان على شفا الجنون.

وتجاهل
فرديناند رؤية كولومبوس لنفسه على أنه رسول من الله، والتي من المؤكد أنها كانت
واضحة له في رحلة كولومبوس الرابعة، عندما أمضيا كثير ًامن الوقت معاً، إضافة إلى
أنه لم يوضح ما إذا كان والده قد اعترف في نهاية حياته بأنه لم يصل قط إلى جزر
الهند الشرقية، بل إلى قارة جديدة.

لكن لا
يمكن التغاضي عن السياق الذي كُتبت فيه، والذي كان سياقاً عاطفياً للغاية. فقد
كُتبت هذه السيرة الذاتية بعد مرور 30 عاماً تقريباً على وفاة كولومبوس، وفي وقت
دمَّر فيه سمعته أناس مختلفون زعموا أنهم وصلوا إلى أمريكا قبله.

هكذا بشكل
ما، كتب فرديناند السيرة الذاتية لإنقاذ والده من براثن النسيان.

يشير
ويلسون إلى أنه من الناحية الواقعية، وحده الشخص المصاب بجنون العظمة هو من كان
يمكن أن يقضي 40 يوماً في البحر دون رؤية أي شيء أو التأكد من وجود شيء ما على
الجانب الآخر. من المؤكد أن شخصاً كهذا لديه قدر هائل من الحرص على سلامته
الشخصية.

ومن
ناحية أخرى، كانت قصة إنسانية للغاية، لأنه رغم الصيت الذائع الذي يتمتع به
كولومبوس اليوم -أو السمعة السيئة بالنسبة للبعض- كانت هناك أوقات اعتقد هو نفسه
أن جزءاً من هذا الحلم العظيم الذي كان يدفعه كان خاطئاً؛ فلم يجد الذهب الذي وَعد
به ولم يجعل الملوك الكاثوليك أثرياء فوراً.

لقد كان
يعتقد أنه سوف يبحر حول الأرض، وأنه سيغيّر التاريخ. لكن هذا لم يحدث أيضاً.

وهذا
جعله يشعر بالأسى والفشل، وبأنه أصبح منبوذاً.

مع قرب
نهاية حياته، شعر كولومبوس بأن أحداً لا يدرك ما فعله، وأنه ربما لن يحقق أي شيء
من خططه وأحلامه.

في أحد
أجزاء الكتاب، عندما يكتشف كولومبوس في منتصف المحيط الأطلسي أن البوصلة لا تعمل
بشكل صحيح، يفكر في فرضية أن الأرض قد لا تكون مستديرة، ولكنها قد تشبه شكل ثدي
المرأة، وأن تكون الحلمة قبة سماوية.

وعن ذلك
يوضح ويلسون: «أعتقد أنه في بعض الأحيان يُخطئ عديدون على مدار التاريخ
ويظنون أن كولومبوس هو الذي أدرك أن الأرض كانت مستديرة».

ويضيف:
«وبرغم أنه في بعض الأحيان كان يعتقد ذلك، فكثيراً ما كان لديه سبب للشك في
ذلك. حتى إن اعتقاده حول شكل العالم قد تغير باستمرار: تارة ظن أنه كالكمثرى وتارة
كالثدي، وما إلى ذلك».

جانب آخر
مذهل من شخصية كولومبوس كما أوضحها ابنه، هو الوعي الذي يبدو أن كولومبوس كان
يتمتع به حول مدى أهمية السرد واللغة. 

من
الأمثلة مثلاً؛ كان يعلم أن تسمية المواقع التي اكتشفها بأسماء إسبانية سيجعلها
تتعلق بإسبانيا أكثر وبالسكان الأصليين أقل، وهو ما كان يسترعي انتباه الملوك
الكاثوليك في حقبة طرد اليهود واستعادة الأندلس، رغم أن الأدلة تشير إلى أنه كان
رجلاً حاصلاً على قليل من التعليم النظامي.

لكن
كولومبوس كان يتمتع -حسبما كان يحب أن يوصف به- بأنه مصباح، وهو نوع من الضوء
الداخلي الذي يمكن أن نسميه اليوم إلهاماً، سمح له بسرد رحلاته إلى العالم الجديد
وكل ما حدث هناك بطريقةٍ وجدها الناس آسرة بشكل رائع، وفق ما قاله ويلسون.

لكنه
أشار إلى أنه في بعض الأحيان كان متكلّفاً ومسرحياً بعض الشيء.

إذ طلب
أن يُدفن بالسلاسل نفسها التي وصل بها من رحلته الثالثة مكبَّلاً إلى أوروبا، في
واحدة من أعظم لحظات الفشل بحياته.

كان هذا
تصرّفاً درامياً للغاية.

يجيب
ويلسون: «أعتقد أن هذا تطوَّر على مدار حياته. لدينا سبب وجيه لاعتقاد أن
كولومبوس، مثله مثل عديد من التجار الإيطاليين الآخرين، كان يبحث عن طريق بديل
للتجارة التي كانوا يخسرونها في شرق البحر الأبيض المتوسط مع صعود نجم
الإمبراطورية العثمانية، التي نمت وتوسعت وانتزعت منهم الموانئ التجارية.

ولكن
عندما بدأ رحلاته واكتشف عالماً لم يصل إليه أحدٌ قبله، تغيرت رؤيته وتحوّل من فعل
شيء للمقايضة وكسب المال إلى شيء أصبح واحداً من أهم الأحداث في التاريخ.

وحينها
أصبح ينظر إلى نفسه أكثر فأكثر، على أنه رجل يطمح إلى أمور عظيمة، وبدأ بمقارنة
نفسه مع نبي الله نوح، وهو يبحر في الفيضان.

وأعتقد
أن الشيء نفسه كان يحدث مع فرديناند؛ إذ بدأ مجموعته من الكتب، لأنه أحبَّ الكتب،
ولكن كان مقتنعاً طوال حياته بأن الهدف من وجوده هو بناء آلة هائلة للمعرفة، وهو
ما بدا له واحداً من أعظم إنجازات البشرية».

ورثها
ابن أخيه دييغو (الابن الشرعي لكريستوفر كولومبوس)، لكنه لم يكن يريدها، لذا ذهبت
الكتب إلى أحد الأديرة، حيث استخدمها الراهب الإسباني بارتولومي دي لاس كاساس
لكتابة كتابه الشهير Historia de las Indias (تاريخ جزر الهند).

ثم نُقلت
إلى كاتدرائية إشبيلية، حيث ظلت مخفيّة عن الأنظار، لأن محاكم التفتيش سادت في ذلك
الوقت، وكانت فكرة وجود مثل هذه المكتبة الفريدة والمتنوعة مشبوهة للغاية. وهناك
نُسيت وأُهملت قروناً.

واليوم
لا تزال جزءاً من الكاتدرائية، ولكن يمكنك زيارتها فقط إذا كنت أكاديمياً أو في
مناسبات معينة.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى