منوعات

لهذه الأسباب المباني الخشبية قد تكون حلاً لمقاومة التغير المناخي

اعتمادنا على الخرسانة والصلب في بناء كل شيء من البيوت إلى الملاعب الرياضية، يتسبب في ضرر حاد للبيئة، فالخرسانة مسؤولة عن 4-8% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO2)، وهي ثاني أكثر المواد استخداماً على الأرض بعد الماء وهي سبب 85% من عمليات التعدين وذو علاقة وطيدة بالتحذيرات حول نفاد رمال العالم. وينتج العالم من الخرسانة سنوياً ما يكفي أن يغطي إنجلترا بالكامل، بحسب ما نشره موقع BBC البريطاني

لذلك يؤيد بعض المعماريين العودة إلى استخدام الخشب كمادة البناء الرئيسية. إذ يخزن خشب الغابات غازات ثاني أكسيد الكربون بدلاً من انبعاثها فبينما تنمو الأشجار، يمتصّ الخشب ثاني أكسيد الكربون من الهواء. وتقول القاعدة العامة إن متراً مكعباً من الخشب يحتوي على طن من ثاني أكسيد الكربون -يزيد أو ينقص حسب نوع الأشجار- وهو مماثل لما يحويه 350 لتر بنزين.  

لا تقلل الأخشاب نسبة ثاني أكسيد الكربون من الهواء عبر نموها وحسب، بل إنها باستبدالها للمواد الغنية بالكربون مثل الخرسانة والصلب، تضاعف من مساهمتها في تقليل نسبة ثاني أكسيد الكربون. 

وورد في تقرير حديث إلى الحكومة البريطانية حول استخدامات «الكتلة الحيوية في اقتصاد منخفض الكربون» أن «أعلى معدلات انخفاض نسبة الغازات الدفيئة من الكتلة الحيوية تأتي من استخدام الخشب في مواد البناء.. إذ يمتص الكربون ويستبدل مواد غنية بالكربون مثل الإسمنت والطوب والصلب».

تستخدم من 15% إلى 28% من المنازل حديثة البناء في بريطانيا سنوياً إطاراً خشبياً للبناء، ما يساعد على امتصاص أكثر من مليون طن ثاني أكسيد الكربون سنوياً نتيجة لذلك. وذكر التقرير أن الاستخدام المتزايد للخشب في البناء قد يزيد النسبة إلى ثلاثة أضعاف، وأن «الحفاظ على هذا القدر يظل ممكناً في القطاعات التجارية والصناعية بالاستفادة من أنظمة جديدة للخشب الصناعي، مثل ألواح الخشب المتقاطعة المثبتة بالصمغ CLT».

على الرغم من حقيقة اختراع النمسا لألواح الأخشاب المتقاطعة CLT، إلا أن شركة ووه للممارسات المعمارية في لندن Waugh Thistleton كانت أول من استخدمها لتشييد مبنى متعدد الطوابق. يقول مالك الشركة أندرو ووه إن مبنى Murray Grove، وهو عمارة سكنية رمادية اللون تسببت في: «صدمة ورعب في النمسا» بعد بنائه في 2009. 

كانت الأخشاب المتقاطعة تُستخدم فقط لبناء «منازل صغيرة وبسيطة ذات طابقين»، حيث كانت المباني الأطول تتجه إلى استخدام الخرسانة والصلب. لكن بالنسبة لمبنى Murray Grove، يتكون الهيكل كاملاً بداية من الطابق الأول من الألواح الخشبية المتقاطعة، كل الجدران والألواح الأرضية ووسط المبنى من الخشب، كما لو كانت قرص نحل.

ألهم المشروع المئات من المعماريين لبناء مبانٍ طويلة من الألواح الخشبية المتقاطعة CLT، من مبنى Brock Commons Tallwood House بطول 55 متراً في فانكوفر بكندا، إلى مبنى ‘HoHo Tower’ بطول 84 متراً ولا يزال تحت الإنشاء، في فيينا بالنمسا.

وتوجد نداءات لغرس أشجار على نطاق واسع لامتصاص ثاني أكسيد الكربون والحد من تغير المناخ. بينما تعد الأشجار الصغيرة بالوعات كربون ذات كفاءة وفعالية، لا يعد هذا الأمر صحيحا للأشجار الناضجة مكتملة النمو. 

إذ تحافظ الأرض على دورة متوازنة للكربون، الأشجار (مع نباتات أخرى وحيوانات) تنمو باستهلاكها للكربون، وبعد أن تذبل وتموت، ينبعث الكربون من جديد. انقلب هذا التوازن رأساً على عقب حين اكتشف الإنسان مستودعات كربون قديمة على هيئة الفحم والنفط، التي نتجت من دورات كربون سابقة، وبدأ في حرقها، فانبعث الكربون إلى هوائنا أسرع بكثير من قدرة دورة الكربون الحالية على استيعابها. 

تحتاج العديد من أشجار الصنوبر في الغابات، مثل شجرة التنوب الأوروبية، إلى حوالي 80 عاماً حتى يكتمل نموها، وتمتص خلال تلك الأعوام ثاني أكسيد الكربون، ولكن بمجرد اكتمال نموها، ينبعث منها تقريباً نفس مقدار ما امتصته عبر سقوط أوراقها وأغصانها. 

وكما كان الحال في النمسا في التسعينيات، فإن الانخفاض الهائل في الطلب على الورق والخشب تسبب في إهمال مساحات شاسعة من الغابات. بدلاً من العودة إلى الحياة البرية الأولية، تغطي أوراق شجر الصنوبر الحمضية وفروعها الميتة الغابة. وعلى سبيل المثال، انبعثت من أكبر غابات كندا كربون أكثر ما امتصته منذ 2001، بفضل الأشجار مكتملة النمو، التي لم تسقط بعد. 

تعد العودة إلى البرية وحماية الغابات التي لم يمسّها بشر أمراً أساسياً. ولكن الأشجار خارج نطاق الإدارة لا تساعد أحداً، إذ تمتلئ الأرض بأوراق شجرة الصنوبر الجافة وهي أيضاً مصدر حرائق الغابات، وهو أمر يحدث في أمريكا الشمالية وأنحاء عدة في العالم سنوياً. يساعد الحصاد المتحكم فيه على تقليل تلك المخاطر. 

لم تفوّت السلطات في الولايات المتحدة هذه المزايا. تشرح ميليسا جينكينز، التي تعمل في إدارة الغابات الأمريكية، خلال اجتماع حديث لمركز بحوث البيئة والطاقة (EESI) أن: «لدينا غابات مكدسة، لو اندلع حريق فيها، يزداد لهيب هذه الحرائق وتحترق الغابات أسرع وتحتاج لمجهودات أكبر لإخمادها.. لو نتمكن من بناء أسواق لتلك المنتجات الخشبية، سيتمكن مُلاك الأراضي من إدارة مستدامة لأراضيهم أو من تخفيف تكدّسها». وشددت على أن ألواح الخشب المتقاطعة CLT بالتحديد لديها الإمكانيات لتقليل: «مخاطر اندلاع حرائق الغابات ودعم تنمية الاقتصاد الريفي والوظائف».

ويبدو أن السوق متحمّس للفكرة، إذ إنه في أقل من 5 سنوات من وصولها إلى الولايات المتحدة، يوجد الآن مشاريع ألواح الخشب المتقاطعة CLT جديدة قيد الإنشاء في غالبية أنحاء الولايات المتحدة. 

والأكثر أهمية، على عكس بريطانيا التي تستورد كل متطلبات تقنية CLT، تستثمر الولايات المتحدة في تصنيع محلي لألواح الخشب المتقاطعة CLT، في مصانع تقع في مونتانا وأوريغون وممنهجة أكثر في مين ويوتاه وإلينوي وتيكساس وولاية واشنطن وألاباما وأركنساس. شُيد مركز أمازون التقني الجديد في منيابولس من ألواح الخشب المتقاطعة والمثبتة بالمسامير (تشبه CLT ولكن تستخدم المسامير بدلا من الصمغ). شملت  Timber Innovation Act في 2018 أحكاماً للبحث والتطوير بشأن الكتل الخشبية.

تشييد المباني التي تستخدم المواد الخشبية يكون أسرع وأسهل، وبالتالي يقلل تكاليف العمالة، ووقود النقل، والطاقة المستخدمة في موقع البناء. يستشهد أليسون رينج، مدير شركة Aecom، شركة بنية تحتية، بعمارة سكنية بُنيت بألواح الأخشاب المتقاطعة CLT وبها قرابة 200 شقة بأنها: «بُنيت في 16 أسبوعاً فقط.. في حين إنه لو بُنيت بالطرق التقليدية بالخرسانة، لاحتاجت إلى 26 أسبوعاً على الأقل». وبالمثل، يقول ووه إنهم يعملون على مبنى قيد الإنشاء بمساحة 16 ألف متر مربع: «كان يحتاج إلى قرابة 1000 شحنة أسمنت للإطار فقط، ولكن بفضل استخدام ألواح الأخشاب المتقاطعة CLT احتجنا إلى 92 شحنة فقط».

تتحول دول أخرى إلى استخدام الخشب في البناء أيضاً. أرسلت لي مونيكا ليبينشنيك، مهندسة مبيعات تعمل لدى شركة Ledinek Engineering، هي شركة نمساوية سلوفينية، تعمل مع مصانع CLT، طلبات شراء تعود إلى 2013. 

تبدأ بالقليل من الطلبات من النمسا وإسكندنافيا، ولكن من 2017 وصاعداً، يوجد إقبال مفاجئ من اليابان وفرنسا وأستراليا ولاتفيا وكندا. وتشرح مونيكا: «تترواح القدرة السنوية من 25 ألف متر إلى 50 ألف متر مكعب (من ألواح الأخشاب المتقاطعة CLT)». وتفترض البيانات أن 1000 متر مكعب من ألواح الأخشاب المتقاطعة CLT يساوي حصد حوالي 500 شجرة، ما يعني أن إنتاج 50 ألف متر مكعب من المصانع يحتاج إلى قطع 25 ألف شجرة تحتوي على الكربون سنوياً.

تتوافر مميزات لبعض الدول مثل اليابان فترفع من جاذبية المواد لها، إذ اكتُشف أنها تمتاز بالثبات في اختبارات الزلازل. إذ بنى فريق بحثي إيطالي ياباني مبنى من ألواح الأخشاب المتقاطعة CLT من 7 طوابق واختبره على «طاولة الهزات» (تجربة رائعة ولكنها مخيفة، يوجد فيديو على موقع Youtube). وجدوا أن المبنى يمكنه تحمل مستوى زلزال 1995 في كوبه باليابان، الذي دمر أكثر من 50 ألف مبنى. وللمصادفة، يقول ووه: «غرست أمريكا الكثير من الأشجار في اليابان كجزء من مشروع مارشال، الذي كان منذ أكثر من 60 عاماً، واقتربت الأشجار من اكتمال نموها».

وعلى عكس المتوقع، فإن ألواح الأخشاب المتقاطعة CLT تقاوم الحرائق جيداً. إذ صممت لتتحمل درجات الحرارة العالية حتى 270 سلزيوس قبل أن تتفحم، التفحم في الخارج سيعمل كطبقة حامية بسبب كثافة الخشب خلفها. وعلى النقيض، في درجات حرارة مماثلة، قد تتصدع الخرسانة ويصبح الصلب ليناً.

ويقول دوغ كينغ، المهندس المعتمد ومستشار استدامة المباني: «لا يوجد ضمان أنه بنهاية الدورة الكلية سنحصل على استفادة إيجابية للمجتمع إذا كنا ننوي التخلص من المواد الخشبية بنهاية دورة حياتها». وقدر بحث سابق تابع إلى Arup في 2014 أن نصف أعمال البناء الخشبية سينتهي بها الحال في مكب النفايات، وسيتم إعادة تدوير 36% منها، والنسبة الباقية 14% ستُحرق من أجل طاقة للكتلة الحيوية».

برغم كل تلك القضايا، لا يزال ووه طموحاً. إذ يبلغ متوسط حياة المبنى 50 إلى 60 عاماً، وهذا، كما يؤمن هو، كافٍ تماماً للمعماريين والمهندسين للعمل على عمليات إعادة الاستخدام والتدوير. التحول إلى الفحم الأحيائي قد يبدو ممكناً. صُممت مباني ووه بطريقة تسهل استخراج أي جزء منها لإعادة استخدامه بواسطة الأجيال المقبلة له. 

وأندرو مقتنع بصورة أساسية، مع مجموعة معماريين دوليين، أن التبني الجماعي للتقنية، سلاح هام في مقاومة التغير المناخي. ويقول لي بينما ننهي جولتنا واستنشق هواء الغابات داخل مبناه الذي يقع شرقي لندن: «إنها ليست بدعة أو موضة، فأكبر مطور تجاري في بريطانيا اشترى لتوه هذا المبنى، بالنسبة لي، هنا حيث تريد أن تتواجد.. أريد لهذا النمط أن يكون سائداً. علينا جميعا البناء بهذه التقنية».

وأعود إلى سؤالي الأساسي: هل من الممكن فعلاً أن نعود إلى الخشب باعتباره مادة البناء الأساسية؟ فيجيب ووه: «ليس واقعياً وحسب، بل حتمياً ويجب أن يحدث ذلك. في العمارة تعود دائماً إلى الرسم الأولي: والرسم الأولى هنا هو التغير المناخي». 

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى