لايف ستايل

لماذا ينجذب مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي إلى نشر الكذب؟

منح موقع Dictionary.com الأمريكي، مؤخراً، لقب «كلمة العام» إلى كلمةMisinformation، التي تعني «تضليل» أو «معلومات كاذبة». وذُكر أن الانتشار المتفشي للأخبار الزائفة على مواقع التواصل الاجتماعي والدور الذي اضطلعت به في الانتخابات السياسية بمختلف دول العالم كانا من الأسباب الرئيسية لتقدُّم هذه الكلمة إلى القمة.

بحسب التقرير المنشور في موقع مجلة Psychology Today الأمريكية، كتب الروائي الأمريكي هيرمان ميلفيل، مقولته الشهيرة بمقال نُشر عام 1850: «أن تفشل في الابتكار أفضل من أن تنجح في التقليد».

يقع تفضيل الابتكار في قلب ممارساتنا لإنتاج المعرفة. على سبيل المثال، تُظهر دراسة أُجريت بجامعة أوكسفورد 2014، أن الابتكار من متطلبات النجاح في اختبارات شهادة الدكتوراه في العلوم عبر التخصصات والمجالات المختلفة.

تختص الأبحاث التي تفتح آفاقاً جديدة بالحصول على المِنح وأحقية النشر والوظائف والترقيات، مقارنة بالأبحاث التي تتناول المسائل المألوفة. فلا يريد أحد أن يموّل مشروعاً يخبرنا بما نعرفه مُسبقاً.

ولكن ثمة عواقب غير مقصودة لهذا البناء المحفز لإنتاج المعرفة: فهو يشجع ما هو جديد وغير معتاد، ويفضله على ما هو حقيقي.

فمثلاً تُعزى «إشكالية التكرار» في العلوم الاجتماعية جزئياً إلى النظام الذي يُقدِّر الاكتشاف على حساب التوثيق. وفي الدراسة التي يُشار إليها كثيراً، لم يتمكن الباحثون إلا من تكرار ثلث النتائج المبتكرة الواردة في ثلاث دوريات علم نفس عالية التقييم. ففي طريقهم لبذل الجهد من أجل أن يقولوا شيئاً جديداً، يبدو أن الباحثين يضحون بالحقائق.

وثمة بناء محفز مشابه في عملية استهلاك المعلومات عبر الإنترنت، إذ ينجذب البشر تجاه الجديد غير المعتاد، ونتيجة لذلك فإن المنشورات والتغريدات ذات المحتوى المبتكر لها احتمالية أكبر في أن تلاحَظ وتُقرأ. يجري تجاهل المعتاد والمألوف، في حين تقابَل الأخبار الجديدة أو المدهشة، بالقبول من خلال الإعجاب والمشاركة وإعادة التغريد.

وكما هو الحال في العلوم الاجتماعية، يؤدي تفضيل ما هو جديد على ما هو حقيقي إلى إشكالية معرفية.

نظرت دراسةٌ حديثةٌ إلى انتشار الأخبار الحقيقية والزائفة على الإنترنت بالنظر في متتاليات الأخبار بموقع تويتر، وهي سلسلة غير منقطعة من إعادة التغريد لتغريدة معينة ولها مصدر مشترك. وتوصلت إلى أن الكذب والتزييف كان ينتشر أسرع وأكثر وعلى نطاق أوسع من الحقيقة في كل فئات المعلومات.

على سبيل المثال، بلغت متتاليات الأخبار الكاذبة ما بين 1000 و100 ألف شخص، في حين أن الأخبار الحقيقية نادراً ما وصلت إلى 1000 شخص. إضافة إلى أن الوقت المستغرق كي تصل الأخبار الحقيقية إلى 1500 شخص، بلغت ستة أضعاف الوقت الذي استغرقته الأخبار المضللة.

من المهم ملاحظة أن من ينشرون الأخبار المغلوطة على الإنترنت لديهم عدد متابعين أقل، ويتابعون عدداً أقل من الأشخاص، وأقل نشاطاً على موقع تويتر بصورة ملحوظة.

ولذا فإن متتاليات الأخبار الكاذبة ليست أقوى من الحقيقية بسبب من ينشرونها؛ بل نظراً إلى أن المحتوى الذي يُنشر يكون هو القوة المحركة.

في كل الجوانب المتصلة، تتسم الأخبار الكاذبة بأنها جديدة وغير اعتيادية أكثر من الأخبار الحقيقية. تثير الأخبار الكاذبة أيضاً قدراً أعظم من تفاعلات الدهشة أو الاشمئزاز لدى المستخدمين، في حين تثير الحقائق تفاعلات من الحزن أو الترقب أو الفرح أو الثقة.

على سبيل المثال، تعرضت ضحية إطلاق الأعيرة النارية في مدينة ثاوزند أوكس بولاية كاليفورنيا لنظرية مؤامرة، تزعم أنها ممثلة أزمات وأنها ظهرت أيضاً بمدينة أورلاندو وفي مدينة لاس فيغاس. برغم حقيقة أن الصور الثلاث التي يُزعم كونها للشخص نفسه لم تكن تشبه بعضها، شارك آلاف من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي نسخاً من هذا الزور، وعبروا عن إعجابهم بالمحتوى المرتبط بها على مواقع تويتر وفيسبوك وإنستغرام ويوتيوب.

تظهر الفروقات بين متتاليات الأخبار الكاذبة والحقيقية بوضوح في السياسة خصوصاً. وصلت الأخبار السياسية الزائفة إلى أكثر من 20 ألف شخص بسرعة تفوق ثلاثة أضعاف سرعة وصول كل أنواع الأخبار الأخرى إلى 10 آلاف شخص فقط.

يثير هذا مشكلة مُلحّة. ففي الوقت الذي يروَّج خلاله للكذب -خصوصاً في السياسة- بطرق فريدة، يؤدي ولع البشر بما هو جديد وغير معتاد إلى إشكالية معرفية بدرجات غير مسبوقة.

يستخدم الرئيس دونالد ترامب مثلاً موقع تويتر بطرق لم نشهدها سابقاً من أي قائد سياسي، وجاء في التقارير أنه يخبر بنحو 8 كذبات تقريباً يومياً في حياته العامة منذ تولية الرئاسة. وأبرز مقال نُشر بموقع شبكة CNN الأمريكية أكثر 36 زعماً صادماً قالها ترامب في حوار واحد

وفي ظل الموقع الذي يحظى به رئيس الولايات المتحدة، بالإضافة إلى طبيعة تغريداته الصادمة في كثير من الأحيان، نجد أن لدينا المكونات اللازمة لما يمكن أن يوصف بـ «عاصفة متكاملة» ضد الحقائق: يغرد ترامب بالكذب. 

وبسبب محتواها الجديد غير المعتاد، ينجذب إليها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، فيتلقّونها ويعيدون تغريدها. ومن المحتمل أن يجري تجاهل المنصات الإخبارية التي تصحح المعلومة، أو أن يُغطى عليها بسبب طبيعة بياناتها المعتادة والمألوفة. وفي هذا الوقت، تكون الكذبة المشوقة التالية قد نُشرت بالفعل، لتأسر انتباه السواد الأعظم من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.

المثير للمفارقة الساخرة أن مصدر الإشكالية التي تواجه مستخدم الإنترنت هو النظام نفسه الذي وُضع لإنتاج أبحاث بأعلى جودة. يهدف تحفيز اكتشاف الجديد إلى تشجيع الكشف عن حقائق جديدة. غير أن طرافة الأشياء تسير جنباً إلى جنب مع الزيف في كثير من الأحيان.

وما يحتاج إجابة حقاً هو: كيف يمكن إيقاف دورة الدمار المعرفي في مواقع التواصل الاجتماعي؟

مع أن «إشكالية التكرار» كانت موضوعاً لكتابات كثيرة، يعمل علماء العلوم الاجتماعية على حلها عن طريق إحداث إصلاح في عملية النشر. يمكن تحفيز نوعية العمل المهم والضروري، من أجل توثيق النتائج وكشف الأخطاء -وذلك عن طريق الاهتمام والنشر والتثبيت الوظيفي- مثلما يحدث مع الأبحاث الجديدة غير المعتادة.

ويمكن بذل جهود مشابهة في مواقع التواصل الاجتماعي. لا يحتاج المستخدمون سدَّ آذانهم، ليتجنبوا غواية نداء الابتكار.

بدلاً من ذلك، يمكن تحفيز المنشورات التي توثق وتدعم الحقائق، لا تلك التي تثير الدهشة، عن طريق المشاركة وإعادة تغريدها. يمكن أن يكافَأ تأخير إطلاق الأحكام بحصوله على الإعجاب والتعليقات، ويمكن أن يستهدف تضخيم المنشورات التي تتحقق من الحقيقة، على المستوى الفردي والجمعي.

ويمكن أيضاً أن تعمل شركات مواقع التواصل الاجتماعي على تخفيف حدة المشكلة.

في وقت مبكر من عام 2018، أطلقت شركة جوجل مبادرة جوجل للأخبار، للحد من الأخبار الزائفة. وكانت إحدى استراتيجيات المبادرة تستند إلى تشجيع الصحافة الدقيقة عن طريق إبراز الأخبار الحقيقية، خصوصاً في أوقات الأحداث المهمة والأخبار العاجلة. تعد هذه أداة تحفيز عملية، بإمكان المنصات الأخرى استخدامها لتحذو هذا الحذو.

تجب السيطرة على قنوات التواصل، وليس فقط القنوات التي يملكها من يتكلم، بل أيضاً التي يملكها من يستمع. من خلال تسخير قوتنا الخاصة، بوصفنا مشاركين في مواقع التواصل الاجتماعي، يمكننا أن نفرض معايير ذات حساسية تجاه ما هو حقيقي، وليس تجاه ما هو جديد.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى