تقارير وملفات إضافية

لماذا يعد 17 مارس يومياً تاريخياً لنتنياهو؟ 3 خيارات أمام رئيس وزراء إسرائيل للخروج من الكارثة

لقد بات الأمر رسمياً: بعد خمسة عشر يوماً من
الانتخابات، وبعد يوم واحد من أداء اليمين الدستورية الثالثة والعشرين للكنيست،
سيمثُل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام جلسة استماع رسمية في
المحكمة، في مستهل محاكمته إزاء تهم رسمية بالفساد، وسيجري هذا في 17
مارس/آذار

المقبل في محكمة القدس المركزية.

 وحتى لو خسر نتنياهو انتخابات 2 مارس/آذار لصالح زعيم تحالف
“أزرق أبيض” بيني غانتس، فإنه سيظل رئيساً للوزراء حتى اليوم الأول من
محاكمته، إذ لن تتشكل أي حكومة جديدة في غضون هذين الأسبوعين. وهكذا سيصبح هذا
اليوم تاريخياً. وستكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي سيُحاكم فيها
رئيس وزراء في السلطة بسبب اتهامات موجهة بحقه بالرشوة والاحتيال وانتهاك الثقة،
بحسب تقرير لموقع Al-Monitor
الأمريكي.

من المتوقع أن يكون الحدث غريباً لا سيما أن محكمة
القدس المركزية تقع في القدس الشرقية، وهي منطقة مكتظة بالسكان الفلسطينيين. حتى
اسم الشارع الذي يقع فيه مقر المحكمة له مغزى رمزي: صلاح الدين، الزعيم المسلم
الذي هزم الصليبيين في معركة حطين عام 1187م. وهكذا سيُجبر رئيس وزراء إسرائيل،
الذي يعد أحد أكثر الشخصيات حراسة وتأميناً في العالم، على الظهور في محكمة مزروعة
في قلب القدس الشرقية الفلسطينية. 

سيقتضي الأمر فرقاً معززة من الحراس لتأمينه، وذلك
دون أن نحسب وسائل الإعلام المحلية والإسرائيلية التي ستفرض حصاراً محيطاً بمقر
الحدث لنقل أخباره. وفي ضوء هذه العوامل، هناك احتمالات كبيرة بأن تقرر إدارة
المحكمة نقل موقع المحاكمة إلى موقع آخر أقل صخباً حيث يمكن إجراء الحدث التاريخي
في ظل ظروف معقولة.

اتخذت رئاسة محكمة القدس المحلية القرارَ المتعلق
بموعد إطلاق المحاكمة في 18 فبراير/شباط، وما لبثت أن هيمنت الأخبار الخاصة
بالقرار على أجندة وسائل الإعلام المحلية على الفور. ومع ذلك، فلم يُقبض على
نتنياهو. فبعد الإعلان عن القرار، دعا رئيس الوزراء منافسَه بيني غانتس إلى مناقشة
عامة. وكانت هذه محاولة من جانب نتنياهو لاستعادة زمام الأمور وتحويل الرأي العام
عن محاكمته، لكن غانتس لم يقع في الفخ، وكتب معلقاً على تويتر: “لقد فزعت… هل لذلك تقوم بتلك
المناورة؟”. وفي تعليقات لعضو بارز في تحالف “أزرق أبيض”، صرّح بها
لموقع Al-Monitor، شريطة عدم الكشف عن
هويته، قال: “نتنياهو تنتظره مواجهة مع المدعي العام في محاكمته. وهو لم يعد
أهلاً لمنصبه بعد الآن. ولا يستطيع الاستمرار في قيادة البلاد. لن نسمح للتستر على
هذه الحقيقة من خلال الاستجابة لدعوة وهمية للنقاش”.

يسمح القانون الإسرائيلي لرئيس الوزراء بالاستمرار
في عمله على النحو القائم، حتى ولو جرى توجيه اتهامات رسمية إليه. ويُجبر رئيس
الوزراء على الاستقالة فقط بعد صدور حكم نهائي في محاكمته. ومع ذلك، يصعُب تخيل
موقف يظهر فيه رئيس الوزراء كل صباح في محكمة المقاطعة محاطاً بعشرات من حراس
الأمن، ليقضي بعض الوقت هناك حتى ساعات الظهيرة في حين يدير في الوقت نفسه إحدى
أكثر الدول تعقيداً على وجه الأرض، في دور يبدو حساساً وصعباً وقابلاً للتفجُّر.
على الجهة الأخرى، يدَّعي نتنياهو أنه سيفعل ذلك بسهولة، فقد قال نتنياهو هذا الأسبوع
في مقابلة
أجراها مع إذاعة الجيش
في 18 فبراير/شباط: “أنا أعمل من 16 إلى 17 ساعة من كل 24
ساعة؛ لذا سأعمل 15 ساعة لتعويض الوقت”.

يتصرف رئيس الوزراء كما لو أن انطلاق المحاكمة أمر
لا علاقة له به؛ إذ يتابع المُضي قدماً بحملته في أقصى سرعة ونجح في تأمين 30
مقعداً أو أكثر من مقاعد الليكود في صناديق الاقتراع. على الناحية الأخرى، لم ينجح
تحالف “أزرق أبيض” في تقديم فرق حقيقي بينه وبين الليكود، وهذا التأزم
السياسي يمثل عقدة حقيقية. 

وفي الوقت نفسه، فقد الجمهور أي ثقة في إمكانية
النفاذ من خلال هذا الطريق المسدود وتجاوزه. والحقيقة أن نتنياهو يستمر في إملاء
أجندة السياسات العامة، وجعل من شرائح كبيرة من الجمهور الإسرائيلي تنسى الشبهات
الإجرامية لرئيس وزرائهم، على الرغم من رفع ثلاث لوائح اتهام رسمية ضده. وفي حين
يُنظر إلى كل هذا على أنه نموذج الخداع المثالي لنتنياهو لصرف النظر عن القضايا
الحقيقية، فإن الغشاوة ستنقشع عن الأعين في النهاية وسيفهم نتنياهو أن اللعبة قد
انتهت، وأنه محاصر بإمكانية حقيقية في الحكم بالسجن ضده في سجن معسياهو، حيث أمضى
رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت أكثر من عام.

تظل استراتيجيات هروب نتنياهو من القانون محدودة.
وخياراته آخذة في التقلص شيئاً فشيئاً. وقد بات خيار الحصانة مستبعداً منذ أن سحبه
وامتنع عن التقدم به أمام الكنيست الحالي. يدعي محامو نتنياهو أن بإمكانه طلب
الحصانة مرة أخرى، لكن احتمال حدوث مثل هذا السيناريو يقترب من الصفر.
الشيء الوحيد المتبقي لنتنياهو هو محاولة الفوز في الانتخابات. وهناك ثلاثة
احتمالات هنا: إما أنه سيفوز وإما سيخسر، أو ستظل العقدة الانتخابية على حالها ولن
تفوز أي كتلة بأغلبية الكنيست.

الخيار الأسوأ من وجهة نظر نتنياهو هو الخسارة أمام غانتس، الذي
سيشكل حينها حكومة بدونه. وفي ظل هذه الظروف، سيحاول نتنياهو المساومة على التماس
لتجنب المحاكمة. لكن الفرص ليست كبيرة في أن يوافق المدعي العام أفيخاي ماندلبليت
على ترك نتنياهو ليفلت دون قضاء بعض الوقت في السجن. إذ ما أن يصبح نتنياهو خارج
مجلس الوزراء، لن تعود البلاد كلها في قبضة يده. ويدرك الرأي العام أن ماندلبليت
سيأبى إلا أن يقضي نتنياهو بعض الوقت خلف القضبان، حتى وإن لمدة رمزية.

أمَّا في حالة فوز نتنياهو بالانتخابات، فإنه سيحاول استغلال إنجازه غير المعقول للحصول
على كل شيء ممكن منه: ومن سيحاول تجميع ائتلاف يميني متشدد متطرف من شأنه أن يشرّع
القانون “الفرنسي” الذي يمنح حصانة سيادية لرئيس الوزراء من المحاكمة
حتى انتهاء فترة ولايته. أو ربما يخلق وضعاً يسمح له بأن يطلب من الكنيست الحصانة
مرة أخرى، على الرغم من وجود قانون يحظر ذلك. أمَّا إذا عجز عن ذلك، فسيصر نتنياهو
على العمل رئيساً وزراء بالتزامن مع قضيته، وسيطلب من المحكمة إعفاءه من التواجد
في المناقشات الفعلية للقضايا، وسيضغط بشدة على النظام القانوني، ويعين وزيراً
للعدل يتقيد بأقواله ويستبدل بالنائب العام نائباً آخر يعمل لصالحه. باختصار،
سيبذل نتنياهو كل ما في وسعه لتسريع عملية التدمير الذاتي للمنظومة بأكملها. وينظر
قطاع يسار الوسط الليبرالي إلى هذا السيناريو باعتباره
كارثة
ستحل
بالبلاد.

ولكن ماذا سيحدث إذا جرى سيناريو أكثر منطقية؟
مأزق انتخابي آخر [دون حسم للأغلبية سواء لتحالف نتنياهو أو لتحالف “أزرق
أبيض”]؟ لا أحد يعرف. إذا كان التفوق لتحالف “أزرق أبيض” بفارق
ثلاثة أو أربعة مقاعد، فقد يطالب نتنياهو بالتخلي عن إصراره على تولي رئاسة
الوزراء أولاً في صفقة تناوب ضمن حكومة موحدة. وقد أخذ مطلب نتنياهو هذا يعيق
النظام السياسي برمته بعد انتخابات سبتمبر/أيلول 2019. وفي حال رفض نتنياهو التخلي
عن مطلبه، سيحاول غانتس وتحالفه تقويضَ الكتلة اليمينية المتطرفة وسحب ثلاثة أو
أربعة من أعضاء الكنيست إلى جانبهم، أو حزب واحد متشدد، من أجل خلق أغلبية من 61
مقعداً في الكنيست تتيح لهم تشكيل حكومة.

إذا كان سيناريو التأزم السياسي وعدم تحقيق أغلبية
هو السيناريو الأرجح، فقد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى الدخول في حملتها
الانتخابية الرابعة على التوالي. عندئذ سيصبح هذا السيناريو الكابوسي حقيقة واقعة
في ظل رئيس وزراء حاكم لم يكسب ثقة الجمهور ولا ثقة الكنيست منذ عام 2019، لكنه مع
ذلك يواصل قيادة الدولة الأكثر تعقيداً في العالم.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى