منوعات

لماذا لا تستخدم الدول اللون الأرجواني في الأعلام الوطنية؟ إليك الأسباب

نادراً ما نرى اللون الأرجواني في الأعلام الوطنية للدول، وهذا يدفعنا إلى التساؤل عن السبب في هذه المصادفة الغريبة، فالعَلَم من أهم ما يميز البلدان، ويعكس ثقافة الدولة بتصميمه وألوانه التي تحمل دلالات معينة. ولكن اللون الأرجواني واحد من أندر الألوان استخداماً في الأعلام، ولهذا أسباب نتعرف عليها: 

هناك ستة ألوان كانت الأكثر استخداماً في أعلام دول العالم، وهي الأحمر والأبيض والأزرق والأخضر والأصفر والأسود، وذلك لأن العين البشرية تميز هذه الألوان أكثر من غيرها، وتستطيع رؤيتها عن بعد.

يأتي اللون الأحمر في المرتبة الأولى، حيث استخدم في 148 علماً، بنسبة 77%، ويرمز إلى البطولة والتضحية، وأحياناً يرمز للمساواة والإحسان، وبعض الدول اختارته لقيمته الجمالية وتعبيره عن الحب.

يليه مباشرة اللون الأبيض، فيوجد في 140 علماً، بنسب 72.72%،  ويرمز إلى السلام والصفاء، كما حمل دلالات دينية في بعض الدول.

أطلق على هذا اللون «الأحمر الملكي»، أو «الأرجواني الإمبراطوري»، وكان يرمز للثروة الفاحشة، وذلك لأن الرطل الواحد من صبغة الأرجوان كان يُباع قديماً بسعر يبلغ ثلاثة أضعاف رطل الذهب تقريباً، أو ما يُعادل مبلغ 65 ألف دولار بقيمة الأموال اليوم. 

اختار الرومان اللون الأرجواني كعلامة للقوّة، وكانت سترة الجنرال المنتصر باللون الأرجواني، وفي عهد الملك نيرون فرضت عقوبة الإعدام مع مصادرة الممتلكات على أولئك الذين يرتدون اللون الأرجواني الإمبراطوري.

وفي القسطنطينية، كانت غرفة نوم الإمبراطور تُرسم باللون الأرجواني، وكان ابنه الذي يولد في هذه الغرفة يُلقب «porphyrogenitus» أي «ولد في الأرجوان».

أيضاً، الملكة إليزابيث كانت قد أصدرت أوامرها بمنع عامة الشعب من ارتداء اللون الأرجواني، واقتصاره على الأفراد المُنتمين للعائلات الملكية والنبيلة.

المثير للدهشة أن بعض الملوك لم يكونوا قادرين على تحمّل تكلفة الثياب المصبوغة باللون الأرجواني، حتى إن الإمبراطور الروماني «أوريليون» منع زوجته من شراء شال حريري مصبوغ باللون الأرجواني، لأن ثمنه كان باهظاً للغاية.

لك أن تتخيل كم كان سيكلف أن تُصبغ قطع قماشية باللون الأرجواني لتُستخدم كأعلام  قديماً؟! نعم تكلفة باهظة.

من الصعب أن نتخيل اليوم أنه من المحتمل أن أسلافنا لم يروا قط فاكهة أو زهرة أو حيواناً باللون الأرجواني. اللون الأرجواني نادر نسبياً في الطبيعة، وبالتالي يعتبر اللون الغريب مقدساً.

حصل اللون الأرجواني purple على اسمه من الموريكس Lapillus Purpura، وهي أصداف حلزونية تنتشر على سواحل البحر الأبيض المتوسط. 

 تفرز هذه الأصداف عصارة ضئيلة شبيهة بالصديد، تتجمع في غدة داخل مثانة صغيرة مجاورة للرأس. 

تشير الأدلة الأثرية إلى أن هذه الصبغة جاءت من مدينة صور الفينيقية التجارية (لبنان حديثاً) حوالي 1900 قبل الميلاد. كانت هناك حاجة إلى اصطياد كمية لا تصدق من الحلزونات لإنتاج كمية صغيرة من الصبغة. 

فمن أجل الحصول على غرام واحد فقط من مادة «الأرجوان» كان ذلك يتطلّب اصطياد 10 آلاف حلزون.

كان الصيادون يتحمّلون مشاق صيد الحلزون النادر كريه الرائحة، واستخراج مادة «الأرجوان» في سبيل بيعه مقابل ثروة كبيرة، تفرز هذه الحلزونات رائحة كريهة لإبعاد عدوها عنها.

أقام الفينيقيون مصانع لهذه المادة النادرة، تمتد على الساحل بأسره، خاصة في صور وصيدا. 

كانت هناك دقة في استخراج مادة التلوين وطرق صباغة الأقمشة، ولذلك تمتّع النساجون الفينيقيون بمكانة اقتصادية وتجارية، وكانت السفن الفينيقية تُحمل بالملابس الملونة والأقمشة.

في عام 1856، كان البريطاني ويليام هنري بيركن طالباً في الكلية الملكية للكيمياء، وكُلّف بمهمة إيجاد طريقة قليلة التكلفة لإنتاج مادة الكينين، التي تستخدم في علاج مرض الملاريا. 

بدأ بيركن بخلط المكونات لكنه فوجئ بتكون مادة جديدة، ذات قوام سميك ولونٍ غامق، وعندما حاول مسحها وجد أنها تركت لوناً أرجوانياً جميلاً، وكانت هذه هي أول صبغة اصطناعية تستخدم في تلوين القماش في العالم.

منذ ذلك الحين بدأت تكلفة الصبغة الأرجوانية تنخفض شيئاً فشيئاً مع ازدياد عرضها في السوق. وأصبح بمقدور الجميع تقريباً شراء واقتناء عناصر قماشية ملوّنة باللون الأرجواني، ولم يعد اللون مرتبطاً بفئة الأثرياء من المجتمعات. لكن حتى حلول هذا الوقت، كانت معظم دول العالم قد ظهرت بالفعل وظهرت أعلامها الوطنية، وكانت معظم هذه الأعلام خالية من اللون الأرجواني.

ولا يوجد علم وطني حالي يكون اللون الأرجواني مكوناً رئيسياً فيه، إلا أن بعض الدول حديثة المنشأ اعتمدت هذا اللون في مساحات بسيطة من أعلامها.

على سبيل المثال، في عام 1978، اعتمدت دولة دومينيكا الحديثة علماً يُزيّن ببغاء سيسرو (رمز الدولة)، وصدره  البارز الملوّن باللون الأرجواني. 

أيضاً، علم دولة (نيكاراغوا) الذي اعتمد في سنة 1971 يتضمن قوساً من الألوان المتعددة مع شريط بنفسجي واضح.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى