لماذا عليك ألّا تأخذ الحياة على محمل الجد؟ اقرأ رواية «حفلة التفاهة»

 في الأيام الأخيرة، صار الكل يتحدث عن
المحتوى الفارغ للويب المغربي خصوصاً، ويلعن في أصحابه، رغم أننا نجده في خانة
الأكثر مشاهدة، من يشاهده إذن؟! الكل أصبح يشارك روتينه، والذي فجأة أصبح غير
قاتل، والكل يشاهده أيضاً، في الوقت الذي يجب أن نتساءل فيه عن سبل لتحقيق شيء من
المعنى، آملين أن يتوجه شباب اليوم إلى قضايا الواقع وكذا مساءلتها ومقارنتها
بماضيها، وتحليلها مبتغين في ذلك تحرير أنفسهم وتحرير هذا الواقع من مشاكله، إلا
أننا لا نملك إلا أن نشتكي من التفاهة، ستشعر بسخرية عارمة، وبحرج مطلق، وأن الوجه
ما عاد به ماء لكي يُحفظ، وأنت تقرأ مثلاً كتاب الجابري وتحاول أن تجيبه عن سؤاله
الذي طرحه في كتابه بنية العقل العربي: «لماذا لا نملأ ساحتنا الثقافية بقضايا من
تراثنا لها علاقة مباشرة باهتمامات شعوبنا، اهتمامات النخبة والشباب والجماهير،
قضية اللغة… العقيدة وأنواع الأغلال الفكرية والسياسية الملصقة بها، أضف إلى ذلك
قضايا التاريخ والأدب والفلسفة التي يزخر بها تراثنا»، قد لا نملك جواباً مقنعاً،
وفي ظل سلطة المحتوى الفارغ، كيف سنقنع الآخرين بالأدب أو بالفلسفة؟ كيف نستطيع أن
نُفتح أعينهم على أغلال سياسية أو فكرية، وهم يستشعرون حريتهم في محتواهم التافه،
وهم يعتبرونه حرية في التعبير، وإذا ما تجرأ واحد منا بانتقاد هذا الوضع نعتوه
بالشخص المختلف العميق، مع العلم أن مفهومي الاختلاف والعمق غالباً ما ارتبطا في
تداولهما بالفلسفة خصوصاً والفكر عموماً، فأصبح الخطاب الفكري خطاباً هزلياً
غارقاً في السخرية في لغة المتداول.

فهل يمكن أن نستفيد من هذا المحتوى؟ فنعرف بالتالي
ماذا ينتج التافهون، وفيمَ يفكرون، وإن كانت هذه قاعدة وضعها عباس محمود العقاد
عندما سُئل عن رأيه في الكتب والكتابات التافهة، فقال: «ليس هناك كتاب أقرأه ولا
أستفيد منه شيئاً جديداً، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته أني تعلّمت شيئاً
جديداً هو: ما التفاهة؟ وكيف يكتب الكتاب التافهون؟ وفيمَ يفكرون؟»، ولا ندري هل
نطبقها على الواقع كما نطبقها على الكتب؟!

ونحن نرصد أحداث واقعنا المتتالية، نستحضر صدق ما
تحدث عنه العظيم علي الوردي في كتابه «مهزلة العقل البَشري»، حيث اعتبر أن العقل
البشري هو نتاج صناعة المجتمع له، وهو ينمو في ظل القالب المجتمعي الذي يصنع له،
كما أن العقل يسير وفق المعايير والمقاييس السابقة التي وضعت له، وهذا ما جعل
العقل البشري غير قادر على إدراك حقائق الكون الكبرى، فهو ذو أفق ضيق لا يفكر سوى
في الأمور المألوفة التي توجد في محيطه الضيق. هذا إذن ما يعاني منه العقل البشري
عموماً، فماذا ننتظر من العقل المغربي، في ظل المضمون الضيق والتافه للواقع اليوم؟
ربما عزاؤنا الوحيد لن نجده إلا عند الأديب والفيلسوف العظيم ميلان كونديرا.

فهل يمكن أن نفهم التفاهة كما كونديرا؟ لمَ لا نراها من زاوية أعمق؟

لا يمكن أن ننكر أن وسائل التواصل الاجتماعي
والتطبيقات الإلكترونية الآن صارت ذات سلطة أيديولوجية كبرى، قد لا يستوعبها
مستخدموها مما أدى إلى ابتعادنا عن أنفسنا، وعيشنا لحيوات مبتذلة ذات اللامعنى،
أحداث مثل هذه تدفعنا لانبثاق تساؤلات وجودية صرفة، طرحها كونديرا في روايته «حفلة
التفاهة» la fête de l’insignifiance،، هذه الرواية التي يمكن أن نقول عنها إنها لم تكتب ليقرأها
الجميع، خصوصاً إن كان أحدهم من عشاق الروايات التقليدية التي تتضمن وحدة في الحدث
أو في الحديث عن الشخصيات ووصف الأماكن، فهذه الرواية ليست مناسبة له، اللهم إن
كنت تبحث عن جرعة مكثفة من فلسفات الحياة.

 لأنك عندما تقرأ هذا
العمل ستقدس التفاهة.. فيقول كونديرا: «التفاهة يا صديقي هي جوهر الوجود.. إنها
معنا على الدوام وفي كل مكان.. إنها حاضرة حتى في المكان الذي لا يريد أحد رؤيتها
فيه.. في الفظائع.. في المعارك الدامية وفي أسوأ المصائب.. وهذا غالباً ما يتطلب
شجاعة للتعرف عليها في ظروف درامية للغاية ولتسميتها باسمها ولكن ليس المفروض
التعرف عليها فقط وإنما يجب أن نحبها… يجب أن نتعلم حب التفاهة».

إنه لمن الغريب حقاً أن يغيب
كونديرا بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من التوقف عن الكتابة لكي يعود من أجل أن
يوصينا بتقديس التفاهة. كوننا لسنا إلا مجرد كائنات تسيّرها إرادة الكون حسب شوبنهاور الذي
يستدعيه كونديرا،  فيخبرك أنك أتيت الى العالم دون أن تريد ذلك ولا في الوقت
ولا الزمان ولا المكان الذي تريده، ولذلك لا يجب أن تأخذ العالم على محمل الجد.
ليشير إلى أن التفاهة: ستظل تتخلل كل العصور بإرادة من يمتلك روح الدعابة والمرح؛
لأنها تحول الناقم علي الحياة إلى شخص أكثر جاذبية، إنها موجودة دائماً.. ليست شيئاً
عارضاً أو طارئاً تطلب أن نخجل منها.. فهي ليست نقصا في معدل الذكاء يمكن الشفاء
منه.. هي حاضرة في كل مكان.. في فكر الحمقى.. كما في فكر العباقرة… فهي جزء لا
يتجزأ من الطبيعة البشرية.

صحيح أن التفاهة موجودة دائماً في المجتمع
الإنساني.. ولكن الفرق الكبير بين الدول في نسبة وجودها وشيوعها.. فكلما كانت
الدول متقدمة ومتحضرة قلَّت التفاهات.. والعكس صحيح.

ستظل تدور عجلة الحياة ويأتي البشر بذات الطريقة
مهما عاش كل منا يسيطر عليه إحساس وجوده الخاطئ ومهما حمل من بُغض لبعض الشخصيات؛
لأنه بالنهاية لا يوجد على الأرض ملائكة.

«أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا
العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. لم يكن ثمة
سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألّا نأخذه على محمل الجد».

يعد هذا الاقتباس هو الاقتباس الأشهر من رواية
الكاتب ميلان كونديرا، وهو يعكس جوهر الرواية، والذي يتجلى في زيف العلاقات
الإنسانية وما يحفّها من هشاشة مدهشة تسخر من عهود الصداقة ووعود الحب، حتى في
القرارات التي تتحكم في مصائر أمم، وربما العالم، والتي تنعقد بين الحكام، عند
إزاحة الستار تتبدى لنا التفاهة، التفاهة التي تقرر مصائر الملايين من البشر بين
أحوال مزاج الزعيم المتقلب، قرار بسيط على ورقة تافهة يجري سن القلم كنصل حاد
ليسيل على الورق حبراً وعلى الأرض دماً.

فيقف الموت في كل لحظة ليؤكد بصرامة ولا مبالاة أن الحياة البشرية شيء تافه.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى