تقارير وملفات إضافية

لماذا ذكر ترامب للأكراد معركة نورماندي؟.. يحاول تفنيد قصتهم الرومانسية التي أحرجته

بطريقة مثيرة للجدل يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفاعه عن قراره سحب قواته من شمال سوريا، والسماح لتركيا بالدخول إلى المنطقة لإنشاء منطقة آمنة لإيواء ملايين اللاجئين السوريين، ومنع العمليات الإرهابية عن أراضيها.

ففي معرض دفاعه عن القرار، قال ترامب إن الأكراد لم يقاتلوا إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية.

وقال الرئيس الأمريكي للصحفيين إن الأكراد «لم يساعدونا في الحرب العالمية الثانية، ولم يساعدونا مع نورماندي كمثال، لم يكونوا هناك».

وقال ترامب: «لقد أنفقنا مبالغ هائلة لمساعدة الأكراد.. إنهم يقاتلون من أجل أرضهم. عندما تقول إنهم يقاتلون مع الولايات المتحدة، نعم. لكنهم يقاتلون من أجل أرضهم».

وأضاف قائلاً: «إذا نظرنا إلى حجم النقود التي ننفقها على حلف الناتو ومقدار استفادة  دول أوروبا منه والتي تفوق استفادة أمريكا، فإن هذا يعد تحريفاً لكيفية عمل حلف الناتو».

كلمات ترامب جمعت بين السخرية والتلعثم، وعبرت عن أزمته في مواجهة هجوم النخب والصحافة الغربية والانتقادات والعرقلات الخفية لمسؤولي إدارته لقراره سحب قواته من شمال سوريا، وهو ما يعني السماح بدخول جيش تركيا، حليف بلاده القديم والتي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو والذي سبق أن حارب مع الأمريكيين في الحرب الكورية. 

حتى قبل أن يصبح ترامب رئيساً تعرَّض لهجوم الصحافة الغربية باعتباره يمينياً متطرفاً وهو ما زال مرشحاً.

وعندما تولى ترامب السلطة وتبادل السجال مع زعيم كوريا الشمالية ووصل الأمر إلى التباهي بأن حجم زره النووي أكبر من الذي يمتلكه الزعيم الكوري، اتهمته الصحافة الغربية بأنه يعرّض العالم لخطر حرب نووية مهلكة.

وعندما فتح باب التفاوض مع كوريا الشمالية اتهموه بالتنازل والسماح لبيونغ يانغ بالاحتفاظ بالسلاح النووي.

فسواء شن ترامب سياسات هجومية أو حاول إبرام صفقات، فإنه يتعرض للهجوم.

والآن يدور محور الهجوم على تخليه عن الحلفاء الأكراد.

يتجاهل خطاب النخب المتعاطف مع المقاتلين الأكراد أن تركيا حليف أقدم وأهم من الأكراد لأمريكا أكثر من الأكراد، وأن هناك تعهدات والتزامات أمريكية تجاه أنقرة أيضاً بحماية أمنها القومي في مواجهة التهديدات الإرهابية من حزب العمال الكردستاني الذي تسبب في قتل عشرات الآلاف من الأتراك، وآخر  هذه التعهدات موافقة واشنطن على إقامة مركز عمليات مشترك لتنسيق إقامة منطقة آمنة في شمال شرقي سوريا، لإيواء ملايين اللاجئين السوريين وحماية الحدود التركية من هجمات المقاتلين الأكراد.

كما تناسى من انتقدوا ترامب على ما يصفونه بأنه تخلٍّ عن الأكراد، تخلي الرئيس السابق باراك أوباما ودول الناتو عن تركيا عندما سحبوا صواريخ باتريوت في خضم أزمة أنقرة مع روسيا عام 2015، عندما تكررت الاختراقات الروسية للأجواء التركية.

ونتيجة لذلك وجدت تركيا نفسها في مأزق عندما أسقطت طائرة روسية اخترقت أجواءها عام 2015، وهو الأمر الذي دفع أنقرة إلى تغيير سياستها والتقارب مع موسكو بعدما خانها حلفاؤها الغربيون.

رغم عداء ترامب للنخب والصحافة فإنه يتأثر بهما.

فهذه الانتقادات تؤثر في الرئيس المزاجي المتقلب؛ وهو ما دفعه إلى التهديد الغريب بتدمير الاقتصاد التركي.

ولكن ترامب يحاول تنفيذ قناعاته كرجل أعمال بأن بلاده غير مستفيدة من التورط في صراعات الشرق الأوسط المستمرة منذ قرون، كما قال في وقت سابق إنها لم تعد تحتاج نفطه.

وهي قناعة بدأها باراك أوباما حينما تحدث عن تراجع الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط بالنسبة لأمريكا مقابل صعود أهمية شرق آسيا والمحيط الهادئ، وهو ما عُرف بعقيدة أوباما.

يحاول ترامب مثل أوباما الفرار من ثقب الشرق الأوسط الأسود، الذي جذب دوماً الأوساط الاستعمارية والسياسية والثقافية الغربية والروسية إلى الشرق الأوسط بصرف النظر عن أهمية المنطقة التي لا مراء فيها. 

جزء من حدة الانتقادات التي وُجهت إلى ترامب هو التعاطف اللافت من قِبل  النخب الغربية -لا سيما الأوروبيون- مع الأكراد.

جزء من إشكالية هذا التعاطف هو الخلط الواضح لدى هذه النخب بين الأكراد كشعب يضم ملايين -إن لم يكن عشرات الملايين- يمثلون جزءاً أصيلاً من مكونات المنطقة، والنخب والمسلحين الأكراد الذين يحتكرون الحديث باسم هذا الشعب العريق.

يفترض هذا الخطاب أن كل الأكراد يؤيدون المشروع السياسي الأيديولوجي لحزب العمال الكردستاني في تركيا والاتحاد الديمقراطي الكردي المنبثق عنه بسوريا.

يتناسى هذا الخطاب أن جزءاً كبيراً من الأكراد في تركيا يمنحون أصواتهم لحزب العدالة والتنمية الحاكم بتركيا والذي أسسه أردوغان، وأن رئيس وزراء تركيا السابق بن علي يلدريم كردي الأصل.

يتعمد هذا الخطاب تجاهل أن حزب العدالة منح الأكراد حقوقاً ثقافية، كان الحديث عنها بمثابة جريمة عظمى في تركيا العلمانية القومية قبل توليه السلطة.

كما يتجاهل أن حكومة حزب العدالة فتحت مفاوضات سلام مع حزب العمال الكردستاني، وعقدت معها هدنة استمرت سنوات قبل أن يفضَّها الأخير بعدما استغلها لتكديس السلاح.

أيضاً يتجاهل هذا الخطاب أن حكومة العدالة اهتمت بالتنمية في منطقة كردستان حتى أصبح جنوب شرقي تركيا خزاناً انتخابياً رئيسياً للحزب، في وقت تتراجع فيه شعبيته بمعقله التقليدي في إسطنبول. 

ويتجاهل هذا الخطاب كذلك حقيقة أن حزب العمال والاتحاد الديمقراطي الكردي يتبنيان أيديولوجيا يسارية قومية متطرفة، تحاول فرض نمط حياة مختلف على الأكراد المحافظين بطبيعتهم مثلما حاول الاتحاد السوفييتي فرضها على سكانه سبعين عاماً.

 يمثل مقاتلو حزب العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي الكردي السوري المنبثق عنه نخبة متعالية بأيديولوجيتها  اليسارية القومية التي تؤمن بأنه من حقها فرضها على السكان، الذين تراهم جهلة يجب تثقيفهم بهذا المنهج الأيديولوجي ولا بديل غيره، حسبما يشير تقرير لمركز كارنيغي.

توحي يسارية حزب العمال والاتحاد الديمقراطي الكردي برومانسية تدغدع مشاعر الليبراليين واليساريين الأوروبيين، وتذكِّرهم بنضال الأحزاب اليسارية السلمي ضد الرأسمالية والرجعية اليمينية في بلادهم.

يعزز ذلك مشهد المقاتلات الكرديات المتكرر وهن يحملن السلاح فيرون فيهم مقاتلين من أجل حرية المرأة ضد الرجعية الشرقية التي تظلمها.

لكن الواقع أن المقاتلين الأكراد بنظامهم العسكري المغلق الإرهابي أبعد ما يكونون عن  الأحزاب اليسارية التي ناضلت داخل شوارع العواصم الأوروبية وفي أروقة نقاباتها. 

بل هم أقرب إلى الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية التي استولت على السلطة خلال الأربعينيات، في انتخابات أُجريت تحت ظلال فوهات مدافع الدبابات السوفييتية وترهيب الميليشيات الشيوعية والأجهزة الأمنية التي سيطرت عليها.  

نعم، منحت الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي المرأة حريتها، وأعطتها فرصاً غير مسبوقة للعمل، ولكنها سلبت شعوب هذه المنطقة حرياتها وهويتها الدينية والثقافية، وفرضت نظاماً أمنياً قمعياً استمر نحو نصف قرن وسماه الغرب يوم الستار الحديدي.

وفي سوريا تحديداً، فإن ممارسات الإدارة الكردية لها تأثير مضاعف.

فهي تحتكر الحديث باسم أكراد سوريا، ولا تسمح لأي قوة أخرى بتمثيلهم.

وفي الوقت ذاته فإنها تُستخدم لفرض السيطرة على مناطق ذات أغلبية عربية، خالقةً حالة شاذة من الحكم الذي تقود فيه نخبةٌ كرديةٌ أغلبيةً عربيةً.

فالهياكل الديمقراطية التي تم تأسيسها في المنطقة ليست إلا مجالس شكلية يتحكم فيها المستشارون الأكراد للزعامات المنتخبة العربية والكردية على السواء.

لا شك في أن المقاتلين الأكراد لعبوا دوراً مهماً في مقاومة داعش والقضاء عليه.

ولكن ليس الأكراد فقط مَن حارب هذا التنظيم المتطرف.

فأول مَن حارب داعش ودفع الثمن مبكراً أمام التنظيم المتوحش هُم المعارضة السورية في شمال شرقي البلاد.

وهؤلاء غدر بهم الاتحاد الديمقراطي الكردي مرتين.

مرة عندما تركهم فريسة للنظام السوري الذي اضطهد الأكراد عقوداً، ورفض منحهم الجنسية.

حيث رفض الأكراد آنذاك الانضمام إلى المعارضة، وأصروا على العمل منفردين، وضمن ذلك التنسيقُ مع نظام الأسد رغم أن المجلس الوطني السوري الممثل للمعارضة آنذاك اختار رئيساً كردياً هو عبدالباسط سيدا.

والمرة الثانية عندما تركوا المعارضة يذبحها داعش، الذي دخل من العراق لسوريا عبر مناطق قريبة من مواطن الأكراد.

كما أن الحرب على داعش والقضاء عليه في المنطقة شاركت فيها قوى مختلفة مثل روسيا والنظام السوري والميليشيات الشيعية كحزب الله والحشد الشعبي، فهل حزب الله والحشد الشعبي حليفان لأمريكا!

كما شاركت تركيا في الحرب على داعش، وتعرض الجيش التركي لخسائر كبيرة بهذه المعارك.

والعكس، معظم القوى التي أسهمت في القضاء على داعش، فإن الأكراد كانوا الأكثر اضطراراً إلى قتال التنظيم المتوحش.

لأن داعش بعد أن قضى على المعارضة السورية في شرق البلاد بوحشية، كان هدفه التالي هو الأكراد.

وقد بدا هذا واضحاً في هجومه الشهير على عين العرب (كوباني) التي استبسل المقاتلون الأكراد في الدفاع عنها.

ولكن لم يكن يتحقق لهم الانتصار لولا الدعم الجوي الأمريكي، ولولا سماح تركيا لقوات كردستان العراق بالوصول إلى عين العرب ومساندة أكراد سوريا.

علماً أن الاتحاد الديمقراطي الكردي رفض في ذلك الوقت طلب أنقرة الانضمام إلى المعارضة السورية للتوحد ضد داعش ونظام الأسد.

كان المقاتلون الأكراد بالعراق يحتفظون في المخيلة الغربية بصورة رومانسية مشابهة لتلك المرسومة حالياً لقوات سوريا الديمقراطية.

وتجاهلت هذه الصورة الطابع العشائري والعائلاتي للنخب الكردية العراقية، لا سيما في الحزب الديمقراطي الكردستاني والتي انتقلت إلى حزب جلال طالباني، الاتحاد الوطني الكردستاني.

كما غضت النخب الغربية الطرف دوماً عن انتهازية القيادات الكردية العراقية التي تقلبت في تحالفاتها بين الاتحاد السوفييتي وإيران وأمريكا وصولاً للتحالف مع النظام العراقي الصدامي بعضها ضد البعض.

والنتيجة عندما تولت هذه القيادات الكردية الحكم في كردستان العراق، خلفت نظاماً فاسداً لا يختلف عن بقية نظم المنطقة، يعتمد على الريع النفطي ويسعى إلى التوريث السياسي مثل فعل طالباني ومسعود بارزاني في حزبيهما، بل استمر الأخير في رئاسة الإقليم بالمخالفة للدستور، ولا يُعرف هل يستمر في الرئاسة بعدما ورط الإقليم في مغامرة استفتاء الانفصال أم يحاول التوريث لنجله أو ابن أخيه؟

لا شك في أن الأكراد أحد الشعوب المظلومة بالمنطقة، ولكن إصرار القيادات الكردية في سوريا وتركيا والعراق بتشجيع من النخب الغربية، على عزل الأكراد عن محيطهم، أمر خطره على الأكراد يفوق خطره على دول المنطقة.

حماقة كبرى جعلُ الأكراد شعب صلاح الدين الأيوبي بمثابة إسرائيل الجديدة.    

واختصار الشعوب المحيطة بالأكراد من عرب وأتراك وإيرانيين باعتبارهم مجرد جلادين مغالطة تاريخية.

فهذه الشعوب ترتبط بالأكراد بعلاقات مصاهرة وتزاوج وتجارة وثقافة ودين عمرها مئات السنين إن لم يكن آلاف السنوات.

والأكراد كانوا شركاء في بناء كل دول المنطقة لقرون من عهد الخلافة العربية مروراً بالسلاجقة والمماليك وصولاً للدولة العثمانية، التي كان الفرسان الأكراد جنوداً مخلصين لها.

والغبن الذي تعرض له الأكراد في اﻷعوام المئة الماضية هو نتيجة سيطرة النخب القومية المتطرفة العسكرية على أقطار المنطقة والتي حاولت تشكيل دول أحادية اللون متأثرة بالنمط الغربي للقومية، خاصةً الفرنسي والألماني، متجاهلةً ميراث المنطقة الطويل من التنوع والتعايش بين الأديان والمذاهب والإثنيات.

قبل القرن العشرين لم تحاول أي دولة بالمنطقة فرض لغة أو ثقافة أو دين على الأكراد أو غيرهم من الأقليات. بينما دولة مثل فرنسا، تاريخها الداخلي هو عملية فرضٍ منظَّمة استمرت مئات السنين للكاثوليكية ثم العلمانية ومعهما لهجة باريس، على بقية البلاد بالقوة مع تسميتها اللغة الفرنسية.

فهل تقبل باريس بانفصال نورماندي أو بريتاني وغيرهما من الأقاليم وهي التي تقمع لغاتهما المحلية حتى كادت تندثر

ولماذا تصدى الاتحاد الأوروبي لمحاولة انفصال إقليم كتالونيا الإسباني وهو الذي يعتبر نفسه رائداً في الحريات والحقوق؟

فالحريات لا تعني تقسيم الأمم، بل تعني النضال لنيل الحقوق اللغوية والثقافية والدينية للجميع.

والأهم النضال لتحرر كل الشعب من نير الاستبداد، الذي طالما تحالفت معه القيادات المهيمنة على القرار الكردي بدلاً من أن تناضل لتحقيق الديمقراطية في الأوطان التي هم جزء أصيل  منها.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى