تقارير وملفات إضافية

لماذا أخافت صواريخ إيران التي استهدفت القاعدتين الأمريكيتين دول الخليج رغم أنها لم تصب أحداً؟

هل يؤدي مقتل قاسم سليماني إلى نهاية الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط أم سبباً لمزيد من التورط للأمريكيين بالمنطقة، وما هو هدف الحقيقي الذي كان وراء الهجوم الإيراني على القاعدتين الأمريكيتين بالعراق؟

مقال للكاتب البريطاني ديفيد هيرست رئيس تحرير موقع The Middle East حاول رصد التغييرات التي التي تحدث في المنطقة بعد مقتل سليماني، والهجوم الإيراني على القاعدتين الأمريكيتين بالعراق.

يقول الكاتب في الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء 8 يناير/كانون الثاني، أعطت طهران الإشارة للضغط على زر الإطلاق.

أطلق الحرس الثوري الإيراني 13 صاروخاً على قاعدة «عين الأسد»، ثاني أكبر قاعدة جوية أمريكية في العراق، بالإضافة إلى عدد من الصواريخ الأخرى على قاعدة في أربيل.

وصرَّح قائد القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإيراني، العميد أمير علي حاجي زادة، بأنه كان هناك عدة مئات من الصواريخ الأخرى الجاهزة للإطلاق.

وبينما كانت التقارير تفيد بأنَّ طائرات أمريكية تقلع من قواعد جوية في دولة الإمارات العربية المتحدة، حاول وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، التأكيد على جدوى الهجمات الصاروخية من خلال تغريدة أعلن فيها انتهاء رد طهران على اغتيال الجنرال قاسم سليماني.

لكن في وقتٍ لاحق، أعلن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، أن الضربة الصاروخية الإيرانية كانت مجرد «صفعة على وجه» الولايات المتحدة، وستتبعها ردود أخرى.

كانت مطارات طهران الدولية تعمل كالمعتاد طوال ذلك الوقت. ومن ثمَّ، كان هناك العديد من الطائرات المدنية تحلق فوق سماء العاصمة وما حولها تحسباً للرد الأمريكي.

وعلى الرغم من المأساة التي حلَّت بالرحلة «PS752» التابعة للخطوط الجوية الدولية الأوكرانية، يتضح جلياً أن إيران تصرفت بقدرٍ كبير من ضبط النفس رداً على مقتل ما اعتبرته أعظم أبطالها الحربيين في العصر الحديث، حسب هيرست.

يقول هيرست: أولاً، حذرت إيران العراق من تلك الضربة الوشيكة، كما أخبرتني عدة مصادر إيرانية مطلعة. هذا يعني بالتأكيد أن وزراة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) كان لديها تحذير مسبق وكانت قادرة على إعداد الأهداف بناءً على ذلك.

ثانياً، زعم ​​التلفزيون الرسمي الإيراني أن عشرات الجنود الأمريكيين، الذين قُتلوا وأُصيبوا جراء القصف الصاروخي، كانوا يُنقلون إلى إسرائيل والأردن على متن تسع طائرات عسكرية طراز C-130، لكن حقيقة أنه لم يكن هناك أي إصابات تعنى أن الحرس الثوري تَعمَّد (أو حتى اتفق مسبقاً مع الولايات المتحدة) عدم إصابة الهدف.

لم «تتراجع» إيران عن المواجهة مع الجيش الأمريكي، كما زعم ترامب يوم الأربعاء، بل العكس هو الصحيح.

الجيش الأمريكي هو مَن تراجع والتزم الهدوء. فلم تحاول الولايات المتحدة إسقاط الصواريخ الإيرانية القادمة، على الرغم من أن خمسة منها ربما قد أخطأت أهدافها.

لا يوجد أدنى شك في أنه لو كان الحرس الثوري يعتزم إلحاق خسائر كبيرة في صفوف الجيش الأمريكي، لكان قادراً على فعل ذلك.

قال حاجي زاده يوم الخميس 9 يناير/كانون الثاني: «لم نكن بصدد قتل أحد، على الرغم من أن عشرات الجنود الأمريكيين قد قتلوا وأصيبوا في هذه العملية».

وتابع أن إيران لو كانت تريد قتل القوات الأمريكية، «كانت ستخطط لعمليات ينجم عنها مقتل 500 رجل عسكري أمريكي في المرحلة الأولى ومن 4 آلاف إلى 5 آلاف آخرين في المرحلتين الثانية والثالثة خلال 48 ساعة».

وفي ضوء ذلك، يتَّضح أن القصف الصاروخي الإيراني كان له غرض آخر.

أرادت إيران توصيل رسالة إلى أقرب حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج -المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين- نفس الدول التي شجعت فكرة إنشاء تحالف عسكري ضد إيران يُعرف باسم «الناتو العربي».

إذا لم تكن الرسالة قد وصلت من تفجير سفن تجارية قبالة ميناء الفجيرة الإماراتي باستخدام ألغام بحرية، أو عندما تعطَّل الإنتاج مؤقتاً في منشآت نفطية تابعة لشركة «أرامكو» السعودية في حقلي بقيق وخريص بسبب قصف جوي بطائرات بدون طيار، فقد وصلت بالفعل هذا الأسبوع.

كانت رسالة إيران مفادها: «إذا لم يستطع البنتاغون حماية قواعده وقواته من صواريخنا، من المؤكد أنه لن يستطيع حماية قواعدكم وجنودكم. فكل قواعدكم وموانئكم وخطوط أنابيب النفط التابعة لكم معرضة للخطر. فاحذروا».

لم تنجح أربعة عقود من العقوبات وثلاث سنوات من حكم دونالد ترامب في تركيع إيران. إذ بدا واضحاً أن قوتها الصاروخية تعمل على نحوٍ جيد بما فيه الكفاية فجر يوم الأربعاء لتثبت قدرتها  على الردع في ما تعتبرها ساحتها الخلفية.

وفي بيان صدر مباشرةً بعد الهجوم، هدَّد الحرس الثوري الإيراني جميع الدول التي تستضيف قواعد أمريكية بأنها ستتعرض للاستهدف إذا انطلق منها هجمات ضد إيران.

هذا يعني نهاية مبكرة لمشروع الناتو العربي، حسب الكاتب.

في المقام الأول، لا يستطيع جهاز أمني خليجي تبنَّت الولايات المتحدة تشكيله مثل «الناتو العربي» أن يحمي نفسه، حتى لو حظي (وأنا لست متأكداً من ذلك) برئيس أمريكي مستعداً بما يكفي لقيادته.

أحيت الهجمات أيضاً فكرة إنشاء بنية جديدة للأمن الإقليمي يمكن تنفيذها في الوقت الذي يُقلّص فيه الجيش الأمريكي وجوده العسكري في الخليج. طرحت إيران مبادرة هرمز للسلام (تحالف الأمل)، ولكن هناك صيغ أخرى لنفس الفكرة، مثل الصيغتين الروسية والصينية.

وقد حظيت مبادرة «تحالف الأمل» بترحيب مفاجئ من كبار المسؤولين من العراق وقطر وعُمان وباكستان والصين في مؤتمر للدبلوماسيين نظّمته وزارة الخارجية الإيرانية في طهران هذا الأسبوع، وحتى الدبلوماسيون الغربيون الحاضرون لم يرفضوها.

وقد قال ظريف نفسه مراراً وتكراراً في مؤتمرات مماثلة انعقدت في الدوحة وروما خلال الأشهر القليلة الماضية، إنه لا ينبغي لأي دولة في المنطقة أن تنخدع وتظن أنها تستطيع شراء أمنها من الخارج، فلن تستطيع أي دولة ضمان أمنها إلا بضمان أمن جارتها.

من المؤكد أن صواريخ هذا الأسبوع لم تكن الخطوة الأخيرة للجمهورية الإسلامية في الرد على مقتل سليماني.

تخطَّى سليماني بموته مكانته العسكرية بصفته جنرال فيلق القدس التابع للحرس الثوري، إذ وصل إلى مكانة البطل المحارب وسط بقية الأبطال الآخرين ممن سبقوه إلى هذه المكانة في تاريخ يمتد لثلاثة آلاف عام مثل البطل الأسطوري الفارسي، رستم بن زال، حسب هيرست.

أصبح وجه سليماني موجوداً على كل لوحة إعلانية في طهران، وعلى كل مكتب وفي مدخل كل فندق. يظهر مبتسماً بملابسه المدنية كأنه يقول لكل إيراني إنه رجل مؤمن وأخلاقي وعفيف اليد. تحوَّل سليماني، من خلال موته واستشهاده، إلى متنفس وبوصلة لمصير إيران ونضالها.

لهذا السبب، وليس لسببٍ آخر، لن تدع إيران مقتل سليماني يمر مرور الكرام، ولن يستطيع ترامب الآن أن يفعل مع إيران ما حاول فعله مع كوريا الشمالية. لن يلتقي بعد الآن أي زعيم إيراني وجهاً لوجه مع مسؤول أمريكي. ولم يعد مطروحاً على طاولة النقاش محاولة البحث عن صيغة تقنع ترامب بالعدول عن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي.

أي قراءة للخطابات والبيانات الصادرة مؤخراً عن زعيم حزب الله، حسن نصر الله، وخامنئي وقادة الحرس الثوري تؤكد أن الضربات الصاروخية التي وقعت هذا الأسبوع كانت مجرد «نقطة البدء لعملية كبيرة».

ستعتبر طهران الأفراد العسكريين الأمريكيين أهدافاً مشروعة أينما كانوا في الشرق الأوسط، في العراق وشمال سوريا ولبنان ومصر وجميع أنحاء الخليج. لم يؤخذ بعد ثأر أبومهدي المهندس، نائب رئيس قوات الحشد الشعبي العراقية.

في العراق، تستعد حكومة تصريف الأعمال برئاسة عادل عبدالمهدي لتنفيذ دعوة البرلمان إلى انسحاب القوات الأمريكية من البلاد. ومع ذلك، لا تعتبر هذه الدعوة ملزمة للحكومة، ويعود الأمر لعبدالمهدي ليقرر الوسائل اللازمة لتنفيذ هذا الاتجاه السياسي الجديد والمدة اللازمة لذلك.

أكد وكيل وزير الخارجية العراقي، مؤيد صالح، عمق الصداقة بين واشنطن وبغداد، وأن العراق يريد الحفاظ على هذه الصداقة على المدى الطويل.

لكنَّه أضاف أن البرلمان قد حسم الأمر بشأن أن «العراق يجب أن يحظى بالاحترام وتكون لديه القدرة على الدفاع عن سيادته وأمنه». وتابع: «لا بديل عن تحقيق إرادة البرلمان، لكن وسائل تنفيذ تلك الإرادة قد تكون مختلفة».

وعندما سئل ما إذا كان يقصد وجوداً أمريكياً غير عسكري في العراق، قال صالح: «لقد اكتفينا من الحرب في العراق. نحن حقاً لا نريد المزيد».

لم تسارع الجهات الفاعلة الرئيسية في المنطقة إلى تأييد المطالبة العراقية «بانسحاب القوات الأجنبية». حتى القوى الإقليمية، التي تتحرك بعيداً عن مدار واشنطن مثل تركيا، تشعر بالقلق. إذ يبلغ عدد القوات التركية في العراق ما يقرب من ضعف عدد القوات الأمريكية الموجودة هناك ولن تقتنع أنقرة بسحب تلك القوات في أي وقت قريب.

يشعر حلفاء آخرون للولايات المتحدة بالقلق الشديد ومن بينهم الأكراد، حيث أدَّى إجراء ترامب إلى إحداث شقاق بينهم وبين حلفائهم من السياسيين الشيعة.

ومع ذلك، كثيراً ما تُذكّر إيران الأكراد في شمال العراق بأن سليماني ذهب إلى أربيل للدفاع عنهم عندما كان تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على بعد 20 كيلومتراً، وحينها كان مقاتلو البيشمركة الأكراد قد استنجدوا أولاً بالولايات المتحدة وتركيا ولم يتلقوا أي استجابة.

المتغير الآخر في كل ذلك هو الشخصية المزاجية المضطربة غير الموثوق بها للقائد الأعلى في الولايات المتحدة، دونالد ترامب، والتي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه ليس أهلاً للمنصب الذي يشغله.

يتعرّض عدد من أعضاء الكونغرس لضغوط من الجماعات المؤيدة لإسرائيل والحركة الإنجيلية من أجل إتمام المهمة ضد إيران.

لكن ما لا تدركه تلك الجماعات، وكذلك ترامب نفسه، أن شمس الهيمنة الأمريكية المطلقة في الشرق الأوسط قد بدأت بالغروب بغض النظر عن حالة الحرب أو السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى