ثقافة وادب

«لسنا سفهاء وعقولنا ليست قاصرة».. دفاعاً عن كتب الشباب في معرض القاهرة

يقولون إن الأطفال يُقلِّدون الكبار،
يراقبون أفعالَهم، ويحاولون الانشغال بالأشياء ذاتها التي تشغلهم، ومعظم الكبار
مشغولون بهواتفهم الذكية، كل واحد منهم يُطالع هاتفه أكثر مما يتحدث مع مَن
يجاوره، يتواصل مع مَن يُطلون عليه من خلف شاشته أضعاف تواصله مع المحيطين به في
العالم الواقعي.

والطفل يُقلِّد، يطلب هاتفاً ذكيّاً
مثل الكبار، وما إن يحصل عليه حتى يصبح عالمه كُلّه، بالتدريج يجد فيه نافذته التي
يطل على العالم من خلالها. ولعالم الهاتف الذكي بتطبيقاته المختلفة نجوم وروّاد، والطفل
يكبر وهؤلاء أمامه، يتابع أخبارهم أولاً بأول، ربما أكثر مما يعرف أخبار أقربائه
من دمه، فيتعلق بهم ويُحبهم، ويجد فيهم ما لا يجده حوله غالباً في واقعه، ومعهم
يبدأ وعيه بالعالم في التشكُّل، وتبدأ مفاهيم مثل الشعور بالتحقق والقبول والنجاح
تنمو داخله ببطء؛ تبعاً لمَن يتابعهم من خلال منصات التواصل المختلفة.

الطفل يكبر، ومعه تكبر اهتماماته
التي تشكَّلت بعيداً عن إدراك الكبار. أطفال الأمس أصبحوا قُرّاء اليوم، وبمرور
الوقت يبدأ الكبار في إدراك ما جرى، فيلومونهم بالتسفيه والتقليل من قدر عقولهم،
ويتهمونهم بترويج التفاهة.

تُرى، مَن المُجرم هنا؟

«محمد حسن خليفة»، اسم
عادي لشاب عادي، واحد من آلاف الشباب الحالمين في القاهرة المزدحمة بالموهوبين،
وأصحاب الأحلام المُحطمة على بوابات كهنة المعابد الثقافية.. «محمد»
قاصّ موهوب، لن تحتاج كثيراً لتعرف هذا وأنت تقرأ له، الموهبة تُثبت حضورها دون
مجهود، لكنه -للأسف- شاب عادي، لم يجد طريقه للشِّلل المتحكِّمة في خيوط اللعبة،
واللعبة لا ترحم مَن لا يعترف بقواعدها.

ومات «محمد»..

مات في زحام التدافُع في جناح إحدى
دور النشر الحكومية، التي تبيع الإصدارات ذات الثمن المخفض «للعاديين»،
مات كفردٍ في زحام من العاديين، وبعد موته قدَّر الله أن تفتح أحد سدنة المعبد
دفاترها، وتُخرِح للنور ما يدينها، وتنشر رسائل متبادلة بينها وبين الأديب الشاب،
الذي اصطفاه الله لجواره مُبكراً، رسائل يحاول فيها القاصّ أن ينشر ما يكتب خلال
إحدى النوافذ التي تتحكم فيها الكاهنة، التي عاملته بالجفاء والتجاهل المعتاد،
هوجمت «الكاهنة» وتلقّت بعضاً ممّا تستحق من تعليقات مَن قرأوا، لكن هذا
جزء بسيط من مشهد كبير.

في مطلع تسعينيات القرن الماضي كانت
ظاهرة «روايات الجيب» تشق طريقها نحو القِمّة، بنجمين ساطعين تصدَّرا
المشهد سريعاً: «نبيل فاروق» و «أحمد خالد توفيق»، وللثاني
مكانة خاصة جداً في نفوس أجيال متتابعة.

مكانة لم يكتسبها إلا لاهتمام شديد
من الكاتب الراحل بالوصول لأجيال متعاقبة من النشء، ظلَّ يكتب لهم قرابة ربع قرن
حتى رحل، لم يتعالَ عليهم، لم يُقلل من حقّهم في قراءة ما يُسليهم، ومع التسلية
وضع لمسته الخاصة، بذوراً هنا وهناك تجعل مَن يقرأ يرغب في البحث عن أسماء لكبار
الكُتّاب، مثل خيري شلبي ونجيب محفوظ وتشيخوف، بالإضافة لحشد هائل من المعلومات
التاريخية والطبية الموضوعة بعناية الكاتب الموهوب، في سياق سرد أدبي شديد التشويق.

على مدار سنين، صنع «أحمد
خالد» إمبراطوريته الخاصة من المعجبين والمريدين، تتلمذ على يده مَن أصبحوا
نجوماً في مختلف الفنون الإبداعية فيما بعد، وهو مَن قدّم معظمهم في مطلع تجاربهم،
وقدَّم لهم كل ما يملك من أشكال الدعم، خصوصاً الكُتّاب منهم. لم يكن مجرد كاتب
موهوب، لأنه نجح أن يجعل من سلاسل إصداراته، خاصةً «ما وراء الطبيعة»،
منهجاً تربوياً يغرس القيم الإنسانية الأساسية في نفوس جمهور قرائه الذي أخذ يمتد
في الوطن العربي على اتّساعه.

بعد رحيله، فوجئت شريحة المثقفين
المنعزلة عن الشباب وعالمهم، وأظهروا دهشتهم تجاه تظاهرة الحب الجارف التي ودَّعه
قراؤه بها، وحتى اليوم لا تزال المحبة مستمرة تفيض في كل مكان، حتى إن بعضهم لا
يزال محافظاً على طقس زيارة قبر الراحل في «طنطا». الدهشة مفهومة، لغياب
فهم الدور الذي لعبه الراحل عن عَمد، دور «الكاتب المُربّي» الذي يتلقّف
الشاب القارئ في بداية رحلته، فيهذب ذائقته، ويفتح له دروباً للمعرفة، ويترك له
حرية اختيار الخوض فيها متى يشاء، وكل هذا دون أن ينسى جانب التسلية والإمتاع،
والأهم أنه فعل هذا باحترام حقيقي للعقول التي كان يكتب لها، على حداثة سن معظمهم
وقتها.

ورحل الكاتب الجميل، وظلَّ مكانه فارغاً.

في إحدى طُرقات معرض القاهرة الدولي
للكتاب ناداني باسمي، فتى يافع يودع مراهقته ويخطو نحو مرحلة شبابه، صافحني بودّ
وهو يخبرني أنه يتابع ما أكتب، ثم مدَّ لي يده بروايتي يطلب توقيعاً مني عليها،
قبل أن يلفت نظري أنه يحمل في يده الأخرى كتاباً نال ضجة وهجوماً وسخرية شرسة على
منصات التواصل منذ انطلاق فعاليات المعرض.

خُضنا حديثاً طويلاً حيث وقفنا،
ناقشته في كل شيء يخص المعرض والكتابة، وما يحب ومَن يتابع، لفت نظري عقليته
المُبشّرة بالنسبة لحداثة سِنّه، وأحزنني ما لمست في حديثه من قطيعة كاملة بينه
وبين معظم روافد الثقافة العربية، كل ثقافته مرتبطة إما بمصادر معرفية أجنبية، أو
من خلال مَن يتابعهم على منصات التواصل المختلفة، بالإضافة لثقافته السينمائية
الجيدة جداً.. لم أستغرب انقطاعه عن إحداثيات ثقافتنا العربية، مَن يهتم به أصلاً؟
مَن مِن كبار الأساتذة الذين يهاجمون أبناء جيله وما يقرأون، اهتمَّ بالوصول إليه؟

ولماذا قد يهتم المرء بمَن لا يستهدفه من الأساس؟

سألته عن الكتاب الذي يحمله، الكتاب
المثير للضجة إياها، فكان رده عن سبب اقتنائه له بسيطاً: «بتابعه من سنين،
وكان عندي فضول أعرف لما عمل كتاب، كتب إيه، عادي ممكن ميعجبنيش، بس مش فاهم ليه
الناس مُعتبرين إن أي حد هيشتري الكتاب ده، أو أي كتاب زيه خلاص يبقى حمار وبيدمر
الثقافة.. طبيعي أبقى مهتم بقراية اللي أحس إنه مهم ليا، مش مهم لغيري وعايز
يقنعني إنه مهم ليا!»

معظم السادة «كبار
الكُتّاب» يخوضون الآن حرباً شرسة، وهجوماً على ظاهرة الكتب الشبابية الخفيفة المطروحة في معرض الكتاب بالقاهرة، مندهشين
من الزحام والإقبال الشديد من بعض فئات الشباب على بعض مشاهير العالم الافتراضي..
محتوى الكتب خفيف يميل للرداءة بالفعل، لكن مَن قال إن الكتابات الرديئة لم تكن
موجودة في كل زمان؟ حتى في زمن العمالقة الراحلين.

الكتابة الحقيقية تجد طريقها لتعيش،
هكذا يُثبت التاريخ كل يوم، أمّا كتابات الموضة فهي مثل كل «موضة»، تأخذ
وقتها وتندثر وتغيب للأبد.

لكن الأزمة ليست في رداءة بعض
المنشور، الأزمة والكارثة الحقيقية تكمن في عُزلة يعيشها الكثير من متصدري المشهد
الثقافي في مصر عن ملايين الشباب المصري، أجيال كاملة تنضج بعيداً عن أي أطر
تربوية واضحة، معظم الأهالي مشغولون بكل شيء يخص أطفالهم إلا تنشئة وعيهم، يكتفون
بمنحهم التغذية والتعليم الجيد، فقط، ويتركون باقي المَهام للهواتف الذكية. نعم
تطبيقات الهاتف الآن هي مَن تتولى التربية، «التيك توك» له دور في حياة
بعض المراهقين أكثر من أي مؤسسة أخرى في البلد! والسادة المثقفون مشغولون غالباً
بتقسيم غنائم المشهد الثقافي وتوزيع المكاسب والجوائز، لكن تنشئة وعي ملايين من
رجال ونساء الغد، هذا متروك للحظ والصدف، والمحتالين من كل نوع.

معظم كبار الكّتَّاب -للأسف الشديد-
يُشجعون مَن يكتبون ما لا يهم إلا دائرتهم الضيقة، ثم يستنكرون تجاهل أجيال الشباب
الصاعدة لحضورهم.

الراحل «محمد حسن خليفة»
ليس إلا اسماً طفا بالموت على سطح المشهد من زحام كثير يشبهه، يحاولون إيجاد مكان
لأنفسهم من خلال نوافذ الكبار، الذين لا يمدون يد العون إلا لمَن تنطبق عليه قواعد
اللعبة، والشِّللية، بعد أن يوفي نذور الطاعة، بحضور الندوات، واجتماعات المقاهي،
ولا يمتنع عن التصفيق وقت اللزوم، ولا يتكاسل عن ضع الكثير من التعليقات على كل
منشور للسادة «الكبار» على حساباتهم على «فيسبوك»!

ملايين الشباب في مصر الآن ينضجون،
ويتفتّح وعيهم في غياب لأي دور توعوي حقيقي يجذبهم نحو ثقافتهم المصرية والعربية،
كأن الجميع غير مهتم بهم إلا في المحافل الكُبرى، كي يسبونهم ويتهمونهم بترويج
وإنجاح مَن لا يستحقون.

هل يمكنك أن تلومهم على إنجاح مَن
اهتموا بالوصول لهم، حتى لو من خلال تقديم محتوى فارغ المضمون؟

ونعود لنسأل: تُرى مَن المُجرم
الحقيقي في هذا المشهد؟

أحمد مدحت هو خريج كلية التجارة جامعة الإسكندرية، عمل كاتباً حراً في عدة صحف ومنصّات عربية مختلفة.. مُهتم بالكتابة في المجالات الأدبية المختلفة، خاصة مساحات العلاقات الإنسانية على تنوعها.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني: [email protected]

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى