كتاب وادباء

لستُ ملحدا؛ هكذا فهمتُ “نيتشه”

من روائع الأديب الكاتب

مهندس محمود صقر

23/07/2022

(مات الإله) .. (كان لزاما على الإله أن يموت، الإله الذي يرى كل شيء يجب أن يموت، فالإنسان لا يطيق أن يظل هذا الشاهد على قيد الحياة) .. (آخر مسيحي تم صلبه على الصليب).. (لقد مات المسيح ولم يُعرَف عنه غير دموع اليهودي وكآبته.) .. (لم يجد الكهنة طريقا للتعبير عن حبهم لربهم سوى “صلب الإنسان”.)
هذه بعض أقوال “نيتشه”.
فهل كان كافرا بالله، ومُنكِراً للمسيح.؟

“نيتشه” كان ضحية الموروث الغربي لعلاقة مغلوطة بين الله والإنسان، علاقة ورثها الغرب من فلسفة وأساطير الإغريق، تصور العلاقة بين الله والإنسان على أنها صراع يحاول فيه عالَمُ الآلهة قهر الإنسان ومعاقبته، صراع عاقب فيه الآلهة زميلهم “بروميثيوس”، لأنه سرق سِرَّ النار من السماء وهبط به إلى الأرض ليهديه للإنسان.

وكان ضحية لكهنة الكنيسة الغربية الذين تحالفوا مع المَلَكِية والإقطاع، ونافسوهم في الاستحواذ على الضِياع، وحملوا الصولجان وتيجان الذهب وهم يعظون الناس بفضيلة الفقر والجوع، وترك ما لقيصر لقيصر، وهجر مملكة الدنيا من أجل مملكة الآخرة.

كان “نيتشه” ضحية تعاليم تضعه بين خيارين لا يمكن الجمع بينهما: الدنيا أو الآخرة .. مملكة الأرض أو مملكة السماء .. الروح أو الجسد.

فاختار “نيتشه” الدعوة للإنسان الراقي، ذلك الإنسان الذي يقلب معادلة الصراع بين عالَم الآلهة وعالم الناس، ويقهر مملكة السماء، ويستحوذ على مملكة الأرض، ويدعو إلى موت ذلك الإله الذي يدعو للجوع والفقر والخنوع، بل يدوس في طريقه على الكهنة والأتباع الضعفاء الخانعين، ليمهد طريق الأرض لجيل المستقبل.

“نيتشه” لم يكفر بالمسيح، بل كفر بتعاليم الكهنة المنسوبة للمسيح.
فقال في كتابه (هكذا تكلم زرادشت):
( ولو بقي المسيح في الصحراء بعيدا عن الذين يشنعون عليه من الكُهان لربما تعلم كيف يحيا ويضحك ويحب الأرض.
لقد مات قبل الأوان، ولو أنه عاش حتى يكون في مثل سني لجحد تعاليمه، فقد كان فيه من النبل ما يؤهله لذلك الجحود.)

لم يكفر نيتشه بوجود الله، بل كفر بالصورة الموهومة عن الإله الذي يعادي البشر ويقهرهم ويسلبهم متعة الحياة.

يظهر هذا جليا في حوار أجراه في كتابه (هكذا تكلم زرادشت) بين الكاهن العجوز وزرادشت، قال فيه زرادشت: (أنا زرادشت الكافر الملحد.)
فقال له الكاهن العجوز: (أنت أتقى مما تظن يا زرادشت، رغم عدم إيمانك، إن إلها فيك قد هداك إلى جحودك.!)
(مهما حاولت أن تكون أشد الناس كفرا فإني أشم، وأنا بقربك، رائحة بخور خفية، أريج البركات التي منحتها زمنا طويلا.)

“نيتشه” لم يكفر بالإله الحق، بل كفر بصورة الإله القاهر للإنسان والداعي للحرمان من مملكة الأرض انتظارا لمملكة السماء، ولم يكفر بالمسيح، بل كفر بتصويره باكيا حزينا كئيبا.

كثير هم ضحايا الكهان من كل الأديان بلا استثناء، هؤلاء الذين يروجون صورة مغلوطة عن الله والإيمان والعلاقة بين الخالق والمخلوق.

حتى “ماركس” كان ضحية صورة “الدين أفيون الشعوب“، ولو علم أن الدين الحق ثورة على الظلم والطغيان والاستعباد والاستغلال والاستغفال، لما اتجه إلى الإلحاد.

وكاد “تولستوي” الأديب الروسي المعاصر لنيتشه أن يكون من هؤلاء الضحايا، ولكنه كان أكثر حكمة في معالجة قضية الإيمان، فقد مر بتجارب مماثلة لتجارب “نيتشه”، وتأرجح بين الكفر والإيمان، وكان كهنة الكنيسة سببا في فترات كفره، ثم وصل للنتيجة التالية التي ذكرها في كتاب اعترافاته:
(الاعتقاد بوجود الله ونفس مقدسة خالدة ومعرفة العلاقة بين المخلوق والخالق .. ؛ كل هذا ميراث خالد حصلت عليه الإنسانية بعد جهاد طويل، وبغير هذا الميراث لا يمكن أن توجد حياة.
وأدركتُ أن الأجوبة التي يقدمها الإيمان تحتوي على أنقى ينابيع الحكمة البشرية، وأنه لا يجوز أن أرفضها لمجرد تمرد عقلي عليها، فالإيمان وحده كفيل بحل قضية الحياة وجعلها ذات معنى.)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى