كتاب وادباء

لستم ” مطرقة ” ولسنا ” مسامير.!؟

لستم ” مطرقة ” ولسنا ” مسامير.!؟

بقلم الكاتب

السعيد الخميسى

السعيد الخميسى

* يقول أحد الفلاسفة ” إذا كانت المطرقه هي الأداة الوحيدة معك فستعامل كل الأشياء و كأنها مسامير…!؟.” هذه الحكمة القليلة فى عدد كلماتها وحروفها , العظيمة فى معناها ومغزاها تنطبق على واقعنا اليوم فى مصر , صورة طبق الأصل. لقد عاملت أجهزة الطاغية المخلوع شعب بمصر وحتى اليوم بمنطق سياسة الذراع الطويلة التى تقبض بيدها الحديدية على مطرقة فولاذية صلبة , وفى نفس الوقت تنظر لشعب مصر على أنهم مجموعة مسامير هشة ضعيفة , من يرفع منهم رأسه بسبب أو بلاسبب , دقت على رأسه دقا شديدا وحطمته وكسرت رأسه وأدخلته فى الحائط فلا شمسا يرى ولاقمرا , فتحولنا أمام ضربات تلك ” المطرقة الفولاذية ” إلى مسامير بلا رأس ودفنا رأسنا فى عرض الحائط طوعا أو كرها . فكيف يتصرف الجسد وهو بلا رأس..؟ بل كيف يحيا من الأصل..؟ وكيف ينعم بحياة آمنة مطمئنة والمطرقة فوق الرؤوس..؟

* إن استنساخ” مطرقة الخمسينات والستينات ” للتعامل مع الشعب المصرى اليوم هو نوع من العبث السياسى والجنون العقلى والانحراف التصورى لمكونات وجينات الشعب المصرى بعد ثورة يناير التى حطمت على الأقل رأس تلك المطرقة..! . لن يقبل الشعب المصرى بعد أن ذاق حلاوة الكرامة والحرية أن يتجرع من جديد مرارة الإستبداد والعبودية . ولن يقبل الشعب المصرى من جديد بعد أن استنشق عبير الحرية أن توضع على صدره أثقال وصخور الرجعية والقهر والذل والمهانة ليعود من جديد وكأنه يصعد فى السماء من شدة الإختناق والضيق وحبس أنفاسه فى صدره وكتم نبضاته فى قلبه . فأنتم لن تكونوا ” مطرقة ” ونحن لن نقبل أن نكون مسامير ُتضرب فوق رؤوسها من جديد بيد من حديد..! ؟ .

* إن اليد التى كانت تقبض بالمطرقة فى الزمن القديم وتطرق بها على رؤوس الشعب لايمكن أن تستنسخ اليوم من جديد بنفس آليات ذلك العهد البئيس التعيس. فالشعب غير الشعب , والزمن غير الزمن , والثقافة غير الثقافة , والوعى والإدراك اليوم غير الوعى والإدراك بالأمس البعيد. والذين نصحوا باستخدام تلك المطرقة والدق بها على رؤوس الشعب وكسر رأسه وتحطيم إرادته وإدخاله فى بيت الطاعة , خانتهم ذاكرتهم التى شاخت وكبرت وعجزت بل فشلت فى فهم الواقع الجديد . ويبدوا أن صروف الزمان قد مرت على أجسادهم النحيفة فزادتهم كبرا وملأت وجوههم تجاعيد ومنحيات كمطبات الطرق الوعرة فانحنت ظهورهم ولانت عظامهم وشابت رؤوسهم , لكن للأسف عقولهم مازالت أسيرة تلك الحقبة البائسة  فى عصر الإنحطاط السياسى والتصحر الأخلاقى . فورطوا من نصحوهم بل ورطوا مصر كلها فى مشاكل مستعصية وأغرقوها فى موج كالجبال من الإضطرابات والفتن التى مزقت شمل الوطن.

imagesF98EID07

* لن يقبل شعبنا الأبى الكريم أن يحنى رأسه مرة أخرى لأى مطرقة تدق فوقها وتدمر خلايا عقلها ومراكز تفكيرها تحت أى حجة واهية داحضة . فمن يستطع أن يضحك على الشعب بعض الوقت , لن يستطيع الضحك على الشعب كل الوقت . وقد نزفت رؤوس الشعب كثيرا من الدماء وقدمت كثيرا من التضحيات مقابل الحريات. ومن يدفع الثمن ينتظر المقابل , والمقابل هنا ليس مالا يدفع من جيب أحد لإرضاء أحد , ولكن الشعب مصمم على التمتع بحريته كاملة غير منقوصة , هذا حقه القانونى والدستورى وليست الحرية منحة من حاكم إن رضى عن الشعب منحه إياها , وإن غضب عليه وسخط سحبها منه , لأن من يملك المنح يملك المنع . والشعب المصرى ليس أجيرا يعمل بالأجر اليومى عند صاحب العمل لأنه صاحب الأرض وصاحب المال وصاحب الحق .

* لقد سجد الشعب المصرى سجدة الحرية, عنوان العزة والكرامة . وحطم محراب العبودية لغير الله عز وجل . إنها السجدة العلوية التى ارتقت بالشعب المصرى إلى أعلى عليين ولن يقبل مرة أخرة أن يقبع فى الدرك الاسفل من الإهانة والمهانة والحقارة التى يريدها له أعداء هذا الشعب . لن نسمح بأن يكون مستقبلنا رهانا خاسرا للمقامرين اللاعبين بمقدرات الوطن ومستقبل الدولة . ان الفساد فى مصر قد وصل الى الإجنة فى بطون أمهاتها قبل أن تولد , وإن ولدت فستولد مشوهة البدن متخلفة العقل لأن الفساد قد بلغ مبلغه على هذه الأرض حتى الحيتان فى قاع البحر قد وصلها طبقات دخان هذا الفساد السميك الذى عبر من البر إلى البحر . ولن يفيد أبدا الضرب على الرؤوس بالفؤوس…! .

* إن تعليمات المرور لاتفيد العمى الذين أصيبوا بانفصال فى الشبكية . كما أن قطار الحياة السريع وهو ينطلق على رصيف الحياة مطلقا صفارات الإنذار لايقف كثيرا عند محطات الأمم اللاهية الكسيحة العرجاء لكى يلحقوا به . وإن أمتنا أمامها خياران لاثالث لهما : إما أن تلحق بركب الحياة المعاصرة الحديثة  فتنطلق , وإما أن ترقد على رصيف الحياة تتسول , أعطاها من أعطاها ومنعها من منعها. الطريق الأول يحتاج إلى سلطة مسؤولة واعية وطنية مخلصة لاتبحث عن مجد شخصى وسمعة ذاتية ومكاسب فردية . وشعب واع مدرك لمتطلبات المرحلة وماله وماعليه أما الطريق الآخر فهو طريق الندامة والخسران وفقدان الوعىولايحتاج غير سلطة متسلطة وشعب غير مدرك غير واع لا لحقوق له ولا لواجبات عليه .

* قال الرشيد لأعرابى : بم بلغ فيكم هشام بن عروة هذا المنزلة ..؟ قال : بحلمه عن سفيهنا , وعفوه عن مسيئنا , وحمله عن ضعيفنا , لامنان إذا وهب  , ولاحقود إذا غضب . رحب الجنان , سمح البنان , ماضى اللسان . قال فأومأ الرشيد إلى كلب صيد كان بين يديه وقال : والله لو كانت هذه الصفات فى هذا الكلب لاستحق بها السؤدد ..! ؟ . والسؤال هو : من فى مصر اليوم  يتصف بصفات هشام بن عروة..؟ إن ألسنة نار الغضب والحقد والثأر إندلعت اليوم فى كل بيت , وكل شارع , وكل حى , وكل قرية وكل مدينة . ورخصت الدماء وسالت حتى ملأت أودية القرى والمدن . وصارت لغة الثأر والانتقام هى اللغة الرسمية للبلاد , وصارت طلقات الرصاص هى تحية الصباح والقنابل المسيلة لدموع وآمال الشعب هى تحية المساء .

* لن تستطيع أى سلطة فى مصر اليوم أو غد أو بعد غد  أن تجعل اللغة الرسمية للتعامل مع شعبها هى لغة ” المطرقة ” تدق بها على رؤوس من يعارضها أو يخالفها فى الرأى والحجة لأننا لم نعد نقبل أن نتحول إلى مجرد مسامير حقيرة واهية بطرقة واحدة نختفى بين طبقات الجدران السميكة , لايرانا بعدها إنس ولاجان , ولاطير ولاحيوان , ببساطة , لأن الإنسان المصرى اليوم لم يعد هو إنسان الأمس الذى يرفع شعار ” الحيطة لها آذان ” . ولن يستسلم الشعب أو يلين تحت سياط جلاديه حتى يلين لضرس الماضغ الحجر , لأن الشعب هدم الجدار وقطع الآذان ولن يرضى إلا أن يعامل على قاعدة إنه إنسان عاقل بلاغ راشد يستحق الإحترام والاكرام ويأبى الذل والهوان فافيقوا يرحمنا ويرحمكم الرحمن .

 

 

 

 

.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى