“لا توجد عصا سحرية”.. البلدة التي كافحت ضد الإيدز تستعد لمعركة كورونا بنفس الطريقة

في دفاتر الزوار التي تملأ الفنادق وبيوت الضيافة في بلدة إيشو،
يكتب السياح عن “ركن من جنات عدن”، مستمدين الإلهام في وصفهم للبلدة من
حقول قصب السكر الخضراء والأشجار المزهرة.

بيد أن ثمة سبباً آخر يعرف به السكان المحليون والمتخصصون هذه
البلدة الصغيرة، التي تقع بين التلال المنحدرة الممتدة على طول الساحل الشرقي
لجنوب إفريقيا. 

بينما يسلط العالم تركيزه في الوقت الراهن على فيروس كورونا،
العدوى الجديدة والمرض الذي يُحتمل أن يكون قاتلاً، يوجد أمل بأن المعركة الطويلة
التي خاضتها جنوب إفريقيا ضد جائحة ظهرت قبل ذلك وهي مرض الإيدز -والأمراض المعدية
الأخرى- يمكن أن تقدم أفكاراً للوصول إلى الحلول الممكنة والتمسك بالأمل، بحسب
تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

لا تزال جنوب إفريقيا مركز جائحة فيروس نقص المناعة البشرية، الإيدز وأشارت التقديرات
في عام 2019 إلى أن حوالي 8 ملايين شخص كانوا يعيشون وهم مصابون بفيروس نقص
المناعة البشرية، ويتضمن هذا العدد أن واحداً من
بين كل خمسة أشخاص من هؤلاء المصابين، يتراوح عمره بين 15 و49 عاماً
. تعد محافظة كوازولو ناتال
الأكثر تضرراً من هذه الجائحة في البلاد، وتأتي بلدة إيشو ضمن المجتمعات الأشد
تضرراً داخل هذه المحافظة.

ولكن حتى في إيشو، يوجد إيمان متزايد بمستقبل يخلو من فيروس نقص
المناعة البشرية.

قالت ساثاندوا باثيليزي، عاملة البلدية التي فقدت
أبويها وابنتها وثلاثة من أخواتها بسبب إصابتهم بفيروس نقص المناعة البشرية:
“أعتقد أنه في يوم ما لن تكون هناك أي إصابة بفيروس نقص المناعة البشرية هنا،
ولن يكون هناك أي تمييز، وسيكون أبناء إيشو أحراراً وأصحاء تماماً”.

يقول المسؤولون المشاركون في الكفاح ضد الفيروس
في جميع أنحاء جنوب إفريقيا إنهم أكثر تفاؤلاً من ذي قبل. قال يوجين بيلاي، نائب
المدير العام في وزارة الصحة بجنوب إفريقيا: “إننا في موقع أفضل بكثير… إنها
جهود تضمنت العديد والعديد من الأشخاص. لا توجد عصا سحرية هنا… تحتاج في نهاية
المطاف إلى نظام صحي قوي ويجب عليك العمل مع المجتمعات”.

تروي حكاية ساثاندوا القصة التي عاشها مجتمعها،
وتقدم لمحة عن قصة جنوب إفريقيا، حيث أُبلغ عن أولى الإصابات بفيروس نقص
المناعة البشرية في عام 1982،
عندما كانت في التاسعة من
عمرها.

إذ قالت وهي تتذكر ما مضى: “كانت إيشو جميلة
جداً. وكانت الحياة جميلة بالنسبة إليّ عندما كنت صغيرة. كان لديّ عائلتي،
وأخواتي، وأبواي، وكنيستي”.

تغير كل شيء على مدى العقد التالي. بحلول منتصف
تسعينيات القرن الماضي، تسبب الظلم وسلسلة من الإخفاقات الكارثية للإرادة السياسية
وسوء الفهم، في إعاقة استجابة جنوب إفريقيا لوباء نقص المناعة البشرية، وكان المرض
ينتشر بسرعة.

بدأ الأمر بإصابة أخت ساثاندوا الكبرى بالمرض. ثم
أصيبت أمها، وبعدها أصيب أبوها، وبعدما أصيبت أختان أخريان. ولما كانت العائلة
فقيرة ومريضة بشدة، عانت من تجاهل وظلم هائل.

تذكرت ساثاندوا قائلة: “كان الناس خائفين من
أي شخص مصاب بنقص المناعة البشرية. كانت أختى معلمة في مدارس الأحد، لكنهم أخبروها
أن تبتعد. لم يحبنا الأطباء ولا الممرضين. وكانت أختي مريضة. ذهبت إليهم متوسلة
وباكية. فقالوا: “لا نستطيع مساعدتكم”، وأخبروني بأن أصطحبها إلى المنزل
وأعطيها الخضراوات والعصير. حتى أبي قال إنه كان سحراً. ولذلك السبب كانت عائلتي
مريضة”.

لم يكن متاحاً في إيشو خلال هذا الوقت الحصول على
مضادات الفيروسات القهقرية المنقذة للحياة، التي تسمح للأشخاص المصابين بمرض نقص
المناعة البشرية العيش حياة مديدة معافاة، من خلال خفض حدة المرض ليتحول إلى حالة
يمكن التحكم فيها مثل داء السكري أو ارتفاع ضغط الدم، وفي الوقت ذاته تمنع كذلك
استمرار انتقال العدوى
.

شكك تابو إيمبيكي، رئيس جمهورية جنوب إفريقيا بين
عامي 1999 و 2008، في العلاقة بين فيروس نقص المناعة البشرية وبين التثبيط
المناعي، مشيراً إلى أن عوامل أخرى يمكن أن تكون مسؤولة عن ارتفاع معدلات الوفيات
بين من يعيشون حاملين الفيروس. وقد أشارت تقديرات الخبراء إلى أن المستوى المرتفع
من المعارضة السياسية تجاه توزيع مضادات الفيروسات القهقرية كلّف ما يصل إلى 300
ألف شخص فقدان حياتهم.

يبدو التباين صارخاً بين نهج إيمبيكي وبين
الاستجابة السريعة القوية الشاملة تجاه فيروس كورونا من الرئيس الجنوب الإفريقي
الحالي سيريل رامافوزا، ووزير الصحة النشيط زويلي مخيزي.

قال الدكتور ريتشارد ليسيلز، أخصائي الأمراض
المعدية المستقر في مدينة دوربان، وهي أكبر مدن محافظة كوازولو ناتال:
“الاستجابة الأولية تناقض تماماً بكل وضوح نظيرتها لجائحة فيروس نقص المناعة
البشرية”.

توفيت أم ساثاندوا بسبب السل، وهو مرض قاتل شائع
بين المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. وتسببت المخاوف غير المبررة من العدوى
المحتملة في جعل أفراد العائلة منبوذين اجتماعياً. فعندما ماتت أخت ساثاندوا
الكبرى، رفض القائمون على مراسم الجنازة والأقارب المساعدة في دفن جثتها. 

قالت ساثاندوا: “لم يُسمح لنا حتى أن نتكلم
عن فيروس نقص المناعة البشرية. لم يريدوا أن يسمعوا شيئاً”. والفشل في توفير
مضادات الفيروسات القهقرية، الذي يمنع نقل العدوى من الأم الحامل إلى أطفالها، كان
يعني أن ابنة ساثاندوا ولدت حاملة فيروس نقص المناعة البشرية، وماتت في عام 2011
وهي في سن المراهقة.

قالت ساثاندوا، التي جاءت نتيجة اختبار إصابتها
بالفيروس إيجابية في عام 2006: “بدأت (ابنتي) العلاج، ولكن متأخراً
جداً”.

غير أن هناك تغييراً حاصلاً. قبل حوالي 15 عاماً،
بدأت حكومة جنوب إفريقيا دعم توزيع مضادات الفيروسات القهقرية، بمساعدة من تمويل
قادم من الولايات المتحدة بموجب خطة لمكافحة فيروس نقص المناعة في إفريقيا طرحها
الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش.

ففي العام الذي توفيت فيه ابنة ساثاندوا، بدأت
منظمة أطباء بلا حدود الدولية غير الحكومية مشروعاً تجريبياً في إيشو يهدف إلى
تثقيف المجتمع بشأن فيروس نقص المناعة البشرية وحشد السكان المحليين لمكافحة المرض
بأنفسهم.

تضمنت المبادرات توزيع كميات ضخمة من الواقيات
الذكرية مجاناً، والترويج لختان الذكور البالغين، ومخططاً للمدارس، والتواصل مع
قادة المجتمع وممارسي الطب التقليدي، وانتشار عربات اختبار متنقلة، ونشر أعداد
ضخمة من العاملين في مجال الصحة المجتمعية.

يُسترشد في الوقت الحالي بتجربة مكافحة جائحة
فيروس نقص المناعة البشرية في المعركة ضد مرض كوفيد-19.

إذ إن الدرس الرئيسي من مكافحة فيروس نقص المناعة
-ومرض السل- يقول إنك إذا لم يكن المجتمع معك، فلن تشهد النتائج المرجوة. 

قال الدكتور ليسيلز: “إنهم يحاولون أن
يفعلوا هذا مع الأشخاص، ليس عن طريق إخبارهم بما يجب أن يفعلوه وحسب… كانت هناك
حملة إعلامية ممتازة واسعة النطاق. واستثمروا فعلياً في الاتصالات”. 

يجري الآن إعادة تعديل الموارد الأخرى المستخدمة
في مكافحة الأمراض المعدية بجنوب إفريقيا؛ من أجل مواجهة عدو جديد. ومن المأمول أن
ما يقرب من 200 آلة كانت تُستخدم
للكشف عن مرض السل
، سيكون من الممكن تحويلها الآن لتستخدم في
مكافحة مرض كوفيد-19، على سبيل المثال، وإن كان مجموعة أدوات الاختبار والمواد
الكيماوية المهمة ربما لا تزال ناقصة.

تمتلك جنوب إفريقيا كذلك شبكة متطورة من العاملين
في مجال الصحة المجتمعية، وكثير منهم يجري إعادة نشرهم الآن لمواجهة التهديد
الجديد. إضافة إلى أن كثيراً من المبادرات التي جرى تجربتها في إيشو، اعتُمدت في
أماكن أخرى عن طريق سلطات الصحة الوطنية.

ولكن لا يشكك أحد في التحديات الباقية في المعركة
ضد فيروس نقص المناعة البشرية أو مرض كوفيد-19. فقد كان المشروع في إيشو ذا موارد
كثيفة جداً، ولا يمكن استنساخه في أماكن أخرى.

مع أن جنوب إفريقيا تحصل على مساعدة دولية ضخمة وتستطيع
البلاد كذلك الاستفادة من النطاق الضخم لبرنامجها من أجل خفض التكلفة الباهظة
لأدوية  مضادات الفيروسات القهقرية، كان العبء المالي ضخماً، حتى قبل النفقات
الهائلة التي تسببت فيها أزمة فيروس كورونا. غير أنه لا يمكن إنكار تحقيق تقدم
هائل.

قالت ساثاندوا، التي أنجبت ولداً يبلغ من العمر
الآن 11 عاماً ولا يحمل فيروس نقص المناعة البشرية: “لقد تغير الأمر كثيراً.
إنني متفائلة لولدي. ولكن لا يزال هناك الكثير الذي يتوجب القيام به”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى