تقارير وملفات إضافية

كيف يهدد كورونا طموحات السعودية السياسية.. إلغاء الحج لن يكون له تأثير اقتصادي فقط، بل هو بمثابة زلزال سياسي

في
أواخر شهر فبراير/شباط علقت المملكة العربية السعودية فجأة كل تأشيرات العمرة،
التي تستمر على مدار العام إلى مكة. في حين تجذب فريضة الحج نحو 8 ملايين زائر
للمملكة سنوياً.

واليوم،
فالمدينتان الأكثر قدسية في المملكة وهما مكة والمدينة، ومنهما يأتي لقب العاهل
السعودي “خادم الحرمين الشريفين”، في حالة إغلاق كامل. ويُحظر حتى على
المواطنين السعوديين زيارة الحرم. على الأرجح ستلغي السلطات السعودية لأول مرة منذ
أكثر من قرنين من الزمان الحج، الذي سيحل العام الجاري في أواخر شهر يوليو/تموز
المقبل. (على الرغم من عدم إعلان إلغاء الحج رسمياً، يحث وزير الحج السعودي الناس
على الإحجام عن حجز رحلات الحج، قائلاً إن إعلاناً رسمياً سيكون وشيكاً. لم ترد
وزارة الحج والعمرة على الفور عن سؤال بشأن موعد الإعلان النهائي)، بحسب تقرير لمجلة Foreign Affairs الأمريكية.

كان
تحرك الرياض في مواجهة جائحة فيروس كورونا أسرع من دول أخرى ذات أغلبية مسلمة
ومؤسسات دينية. فلم يعلن الجامع الأزهر في مصر إلا في أواخر مارس/آذار أن صلاة
الجمعة ستكون اختيارية. فيما بدأت دول ذات أغلبية مسلمة مثل ماليزيا والمغرب
مؤخراً فقط إغلاق مساجدها.

على
الرغم من المنافع التي ستعود من وراء إلغاء الحج والعمرة على الصحة العامة، ستتكبد
السعودية خسائر هائلة من وراء حذرها هذا. يجلب الحجيج مليارات الدولارات إلى البلد
سنوياً، لذا سيعاني الاقتصاد السعودي ما دامت الأزمة قائمة. هناك خسارة أخرى أقل
قابلية للقياس لكنها بالأهمية نفسها: الحج يظل أحد أهم أدوات القوة الناعمة
للمملكة، بعد عقدين تردَّت خلالهما الصورة العامة للمملكة. وباعتراض تدفق آخر عابر
لحدود المملكة لطالما كان يعتبر أمراً مسلماً به، يكشف فيروس كورونا المُستجد
تضاؤل نفوذ السعودية في العالم الإسلامي. في الشرق الأوسط، مثلما هو الحال في
أماكن أخرى، تُسرع الجائحة الاتجاهات التاريخية القائمة: في هذه الحالة، نهاية
مسعى السعودية لقيادة الدولة الإسلامية متوحدة وظهور عالم إسلامي متعدد الأطراف.

منذ
ستينيات القرن الماضي، كانت السعودية تحاول تشكيل العالم الإسلامي ليكون جزءاً من
صورتها. كان الملك فيصل الذي كانت تشغله قضايا العالم، والذي حكم في الفترة بين
1964 و1975، رائداً في انتهاج سياسة خارجية مدفوعة بالتضامن الإسلامي، وهو طموح مجازف لأمة متضامنة ظهر فقط عام 1932. على مدار
العقود القليلة التالية، خصص مختلف أصحاب السلطة في المملكة موارد هائلة للدعوة في
أنحاء العالم الإسلامي. وكانوا يدعون إلى صورة ترعاها الدولة السعودية من المذهب
الوهابي المحافظ.

وصل
المشروع السعودي العالمي إلى أوجه أثناء الحرب الباردة، عندما رأت الولايات
المتحدة أن السعودية ستكون مفيدة لها في تنافسها مع الاتحاد السوفيتي. دعمت
الولايات المتحدة بمساعدة سعودية حرب العصابات التي كان يقودها المجاهدون الأفغان
في الحرب الأفغانية-السوفيتية في ثمانينيات القرن الماضي، التي جذبت مقاتلين من كل
أنحاء العالم.

لكن
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بدت الدعوة السعودية فجأة قوةً خطيرة، كانت
منبعاً مخيفاً للإرهاب. نعم استمرت آلية الدعوة من عصر “ذروة الدعوة” في
الفترة بين 1973 إلى 1990، تجوب في هدوء أكثر من 24 دولة، عبر المنافذ التعليمية،
والملحقين الدينيين التابعين للسفارة، والمنظمات الخيرية التي توفر الإغاثة أوقات
الحرب في بلدان مثل البوسنة وكوسوفو. لكن في ظل رقابة دولية أكبر مسلطة على
التدفقات المالية للمملكة، فقدت هذه الأماكن كلاً من الموارد والنفوذ.

أشار
كل من يتلقون تمويل الدعوة من السعودية في إندونيسيا، وكوسوفو ونيجيريا إلى وجود
انخفاض في التمويل بعد عام 2001. إذ جعلت السعودية منظماتها الخيرية عُرضة لتحقيق
خارجي. واضطرت إلى طرد كل موظفيها تقريباً. والآن يدير فرع الرابطة في نيجيريا
نفسه بنفسه.  

كافحت
الرياض أيضاً مع انخفاض عائدات النفط في العقد الثاني من القرن الجاري، الذي بلغ
ذروته في 2014 مع انهيار أسعار النفط. تضاءلت الطموحات العالمية للسعودية مع بدء
الدول الإسلامية في الترويج لصورتها الخاصة من الإسلام. وتركيا خير مثال على هذا
النهج، التي تعتمد صورتها الخاصة من القوة الناعمة على روابطها التاريخية مع
الأراضي التي كانت تابعة للخلافة العثمانية في البلقان، وعلى نحوٍ متزايد في ربوع
أخرى نائية مثل وسط آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وإيران بالمثل، إذ تُبقي
منافذ قوتها الناعمة منخفضة النشاط ومنصبة على الثقافة الفارسية في عشرات البلدان،
بما في ذلك إندونيسيا، والبوسنة، إلى جانب دعمهما الأكثر شهرة لجماعات مسلحة
بعينها في الشرق الأوسط.

على
الرغم من تراجع قوة الدعوة السعودية في السنوات الأخيرة، جعلت إلزامية الحج من
الفريضة ورقة رابحة في جيب المملكة، حتى مع تقلص قوتها الناعمة بثبات. فعلى سبيل
المثال، تمنح السعودية أكبر حصة سنوية من الحجيج في العالم والتي تبلغ 230 ألف شخص
لإندونيسيا. وزيادة هذه الحصة هي بند دائم ضمن أولويات جدول أعمال المسؤولين
الإندونيسيين في العلاقات الثنائية مع الرياض، وأحياناً على حساب الاستثمارات
الاقتصادية الفعلية. نادراً ما تمتعض جاكرتا من جهود الدعوة السعودية في العقود
الماضية لأنها لا ترغب في تعريض صحتها من الحجاج للخطر.

لكن
تدخل الرياض في نزاعات إقليمية حديثة بدأ في تسييس كل شيء بما في ذلك الحج. دعا
أئمة في ليبيا وتونس إلى مقاطعة الحج بحجة تدخل السعودية في الحرب الأهلية في
اليمن.

يأتي
الإلغاء المحتمل للحج العام الجاري في أعقاب هذه الخلافات. على الرغم من أن عدة
جوائح، وحصارات، وحروب تسببت في اضطراب الحج إلى مكة في الفترة بين القرنين الثامن
والتاسع عشر، لم يُلغ الحج كلياً منذ العام 1798، عندما جعل غزو نابليون للمنطقة
الأمر مستحيلاً. قد يكون للآثار الممتدة لجائحة فيروس كورونا المُستجد أثر على
استئناف الحج العام المقبل وربما السنوات التالية. 

يهدد
اضطراب الحج وسفر المسلمين من وإلى المملكة قوائم السياسة الخارجية للسعودية
الموجودة منذ أمد. كان الحج والتبادلات الشخصية في المملكة دوماً رئيسيين لجهود
الدعوة السعودية في ثلاث قارات. فعلى سبيل المثال، كسب محمد ناصر الأب المؤسس
المنبوذ لإندونيسيا الذي كان زائراً دائماً للسعودية ود الملك فيصل، وفي عام 1967
أنشأ مجلس الدعوة الإسلامي الإندونيسي الذي كان قناة للتمويل السعودي.

قد
تؤثر الإغلاقات من جراء جائحة “كوفيد-19” أيضاً على تبادل الطلاب، وهو
سلاح آخر مهم لجهود الدعوة السعودية. تعتمد طموحات الجامعة الإسلامية بالمدينة
المنورة، التي كان الهدف من افتتاحها عام 1961 هو تحويل الطلبة الأجانب إلى دعاة
سلفيين، على السفر. أصبحت رابطة خريجي الجامعة مؤثرة في كوسوفو ما بعد الحرب، حيث
أوجد هؤلاء الخريجون فئة جديدة من العلماء السلفيين في غضون عقدين، وفي نيجيريا.
درس جعفر آدم، أكثر السلفيين النيجيريين تأثيراً في هذا القرن، في الجامعة
الإسلامية بالمدينة المنورة، وكان تلميذه الأشهر محمد يوسف – مؤسس المجموعة
المعروفة الآن باسم بوكو حرام. يجمد إغلاق الحدود السعودية حركة الدعوة الدينية
والأيديولوجية.

ربما
تكون الرياض قادرة على تقبل الخسارات التي ستصاحب دون محالة إلغاء الحج واضطراب
حركة السفر الأخرى. تحاول المملكة الابتعاد عن مشروعها الديني العالمي الذي يعود
لأواخر القرن العشرين. لا تعتمد “رؤية 2030″، وهي خطة رئيسية أطلقها ولي
العهد السعودي محمد بن سلمان لتجديد المملكة، على الدين، إذ يُذكر الدين في برنامج
واحد فقط من برامج الرؤية الثلاثة عشر. قال مسؤولو وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة
والإرشاد في العام الماضي إن الوزارة تلقت موارد أقل منذ تولي ولي العهد منصبه.

مع
تراجع الجهود السعودية، تدفع دول إسلامية أخرى ببرامجها الدينية الخاصة. فقط أصبح
مجال الدعوة في منطقة الخليج أكثر اكتظاظاً في الوقت الحالي، إذ تشارك دول مثل
الكويت، وقطر والإمارات العربية المتحدة في جهود الدعوة النشطة على طريقتها
الخاصة. مولَت الإمارات ولا تزال تمول جماعات ومؤسسات سلفية خارج حدودها، فيما
كانت تدعم قطر جماعات الإسلام السياسي. ويتكون الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين،
الذي تأسس عام 2004، ومقره في الدوحة من 90 ألف عالم يروجون لفقه إسلامي وفتاوى
وسطية. في أثناء ذلك، تنظم الإمارات مؤتمرات دولية لشيوخ سلفيين معروفين مثل الشيخ
الموريتاني عبدالله بن بيه. وفي البلقان، تدعم رئاسة الشؤون الدينية في تركيا
-المعروفة باسم Diyanet- ترميم المواقع الدينية وتُنظم رحلات الحج لجميع مسلمي المنطقة
تقريباً.

لن يكون لأي من هذه المبادرات التي تدعمها الحكومات التأثير المُغير نفسه
للمشروع السعودي الذي يعود للقرن العشرين، والذي رسخ مكاناً للسلفية، وبث المشاعر
المعادية للشيعية والصوفية، وزرع بذور الجهاد السلفي في العديد من البلدان. في عهد
ما بعد جائحة “كوفيد-19″، سيكون من الصعب للغاية لأي دولة ذات أغلبية
مسلمة إتاحة القدر الضروري من التبادل الدولي الذي سهل نجاح السعودية في القرن
العشرين.

يوضح فيروس كورونا تراجع مكانة المملكة العربية السعودية في العالم
الإسلامي وضعف سيطرتها عليه في صورته السابقة. بعد ستة أسابيع من تعليق العمرة،
وما صاحبه من صور لا يمكن نسيانها للحرم المكي الخاوي من زواره، لم تسر دول
إسلامية عدة على خطى السعودية. ففي إندونيسيا، لا يزال من المقرر عودة كثيرين
لقضاء إجازة عيد الفطر، وهو ما قد يعني عودة ما يصل إلى 20 مليون شخص في
مايو/أيار. وفي باكستان، يواصل الناس الصلاة في تجمعات كبيرة في المساجد. وبدلاً
من توحيد العالم الإسلامي، تُظهر جائحة “كوفيد-19” تَفرُقه ومدى صعوبة
أن تكون السعودية أو أي دولة أخرى قدوة. 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى