كيف يفكر المجتمع المصري وكيف تتكون نفسيته؟ الإجابة في روايات عز الدين شكري

هذا الصداع اللعين وأين ذهب عمال الإنقاذ؟! هل هو أنا الذي يصحو ويغفو؟!

أم أني قد سقطت سقطتي الأخيرة؟!
أيكون هذا هو الموت؟!

صداع وظلام وانعدام إحساس بالجسم
وانتظار!

كان تلك السطور المنقضية في الصفحة
الرابعة والثمانين في رواية «غرفة العناية المركزة» للكاتب المصري عز
الدين شكري فشير أبرز ما استوقفني عند قراءة الرواية للمرة الأولى عام 2014.

لم أرَ وصفاً مهيباً إبداعياً للموت
ومفاجئاً لي كقارئ مثل هذا، وصف الموت كأنه صداع وانتظار.

سألت نفسي كيف برع فشير في التوغل
إلى النفس بهذا القدر، كيف استطاع وصف الموت هكذا بكل بساطة على أنه صداع وانتظار.

إنه وصف يجعلك تغمض عينيك وتفكر بأن
تستحسن وجودك محل الضابط أحمد بيه كمال الذي أتى على لسانه هذا الوصف بالرواية.

فشير وخلق الحبكة والتشريح النفسي
والاجتماعي على مستوى الحدث والشخصيات

عز الدين شكري فشير أستاذ في أن يسرق
انتباهك، أفكارك تفاصيل وملامح وجهك كي يورّطك في روايته.. حين قرأت «غرفة
العناية المركزة» ظننتها عملاً احترافياً عابراً.

لكن حينما غرقت حتى أنفي ومن ثم أطلت
الغرق كلي كاملاً في روايات عز الدين شكري من أبوعمر المصري إلى مقتل فخر الدين
مروراً بكل هذا الهراء وباب الخروج، علمت تماماً أن فشير لم يكن كاتباً عادياً،
فشير وُجد كأديب على الساحة كي يورط قُراءه في رواياته.

لقد خلق سلسلة مترابطة من الشخصيات
والأحداث في «غرفة العناية المركزة» لم تنتهِ حتى كل هذا الهراء.

إسقاطات سياسية ذكية على المجتمع
المصري في حراكه الاجتماعي والسياسي.

هل كان فشير متعمداً أن يورطنا بكل
هذا الارتباط بسلسلة رواياته أن يجعل صلة تعاطف وشفقة وقلق وصمت وتحفيز تجاه كل
الشخصيات في روايته.

إنهم جميعاً مرتبطون ببعضهم البعض..
ليس وجوداً نمطياً، إنه وجود يجعلك تصفق بيديك وأنت تقرأ من الإعجاب، من الصياح
دهشة وأنت في زاوية كافيه محلي، وأنت تقرأ «كل هذا الهراء» التي يقصها
ابن فخر الدين على صديقته المؤقتة، وتجد في السرد عمر فارس الذي مات فجأة في رواية
«مقتل فخر الدين»، وفخر الدين البطل الذي جسّد مأساة طويلة لمواطن مصري
كان مع فكرة الثورة وخالة فخر الدين وأمه التي ماتت في رواية «أبو عمر
المصري».

ليست روايات متفرقة، وإنما عمل درامي
مكتمل، مسلسل ربما من عدّة أجزاء لكن على الورق.

رغم أن تلك الروايات خرجت على سنوات
متفرقة، فإن عز الدين شكري فشير كان متقناً لكافة التفاصيل الاجتماعية والسياسية
والنفسية التي ضمنها في روايته من خلال الشخصيات والأحداث والربط المتين المهيب
بينهم دون خلل.

وصف فشير للشخصيات يجعلك ترتبط بها
ارتباطاً وثيقاً تعيش حالتها النفسية تماماً بكل عوائقها وهزائمها وانتصاراتها
البسيطة وحتى نشواتها العابرة.

لذا مثلاً حين ذكر شخصية أم عمر في
رواية «كل هذا الهراء» على لسان ابنها عمر، سيطل الحنين إلى قلبك مباشرة
إلى إعادة رواية «أبو عمر المصري» إلى تفاصيل قصة الحب المثيرة التي
جمعت بفخر الدين وأم عمر، إلى سوءة هذه العلاقة وعدم مشروعيتها إلى تفاصيل المشهد
السياسي القاتم بالبلاد وتدرج غضب فخر الدين.

وهكذا دواليك في كل روايات عز الدين
شكري فشير المرتبطة ببعضها البعض. 

هل أنهى فشير سلسلة رواياته مؤرخاً
للهزيمة أم ترك الباب مفتوحاً للتساؤل والتغيير؟

أتم فشير هذه السلسلة بهذه المقدمة
في رواية «كل هذا الهراء»

نداء لأصحاب القلوب الضعيفة
والأحاسيس الخُلقية والدينية والوطنية المرهفة ألَّا يقرأوا هذه الرواية. قراءة
هذه الرواية ليست عملاً إجبارياً، بل اختيار من القارئ. ومن ثَم، يتحمل القارئ
مسؤولية أية خدوش أو أضرار قد تصيبه.

فشير كان مرهقاً ربما وهو يكتب هذه
المقدمة وهذه العبارات كان غاضباً، كان مندفعاً في حنقه على مصر وأراد أن يضع جُل
الخلاصة الصادمة في هذه الرواية لينهي السلسلة تماماً.

فشير كان غاضب حقاً بين سطورها، لكنه
غضب ممتع للقارئ رَسم للقارئ الصورة النهائية من ثلاثة أجيال أو جيلين في هذه
السلسلة من الروايات بدأت بالرغبة في التغيير مع فخر الدين وانعطافاته النفسية
والفكرية المتعددة، ومن ثم انتهت الروايات بهزيمة فخر الدين وعمر فخر الدين وهروب
أمل وموت عمر فارس وانتكاسات ضباط الأمن المصري.

انتهي في «كل هذا الهراء»
بهزيمة تجعلنا نتماشى نفسياً مع الهزيمة الثورية التي تعيش بها البلاد بعد أن تقصى
الحالة الثورية من أقصاها إلى أقصاها في هذه الرواية خاتمة سلسلته الخاصة بقضية
فخر الدين ومن معه.

شرّح فخر الدين جيل السبعينيات
والثمانينيات والتسعينيات وما بعد الألفية الثانية تشريحاً خاماً.

سَرب الغضب، الحب، المشاعر، السوءات،
الشهوات، الذنوب، الأفكار المثالية الثورة والثورة المضادة، الثورة والميدان.

الثورة وكبواتها التي صاحبتها منذ
البداية، الثورة وأفول نجمها سريعاً، الثورة في الميزان العسكري القمعي.

والثورة حين هزيمة أصحابها
والمتورطين بها.

في شخصيات رواياته تلك ووضعنا أمام
صورة كاملة للهزيمة الاجتماعية والنفسية والثورية كي نغرق في صمت طويل في فكرة
تقرير المصير، في النهايات المفتوحة التي تركتها لنا الرواية وللمساحة الأكبر كي
نفكر في دواخل أنفسنا بعدما تركته فينا من آثار كبرى كقرّاء.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى