الأرشيفتقارير وملفات

كيف يستقيم الظل … والعود أعوج…!؟.

من روائع الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى

* حكمة بالغة قليلة في كلماتها وحروفها , لكنها غنية فى معناها , ثرية فى مغزاها, عميقة قوية في فحواها . تلك الحكمة تقول ” كيف يستقيم الظل والعود أعوج..!؟” . نعم .. لايمكن للشجرة المائلة المعوجة الآيلة للسقوط أن يستقيم ظلها . لأن الصورة تكون مطابقة للأصل . ولا يمكن أبدا أن يكون المرء مستقيما واعيا قائما على أصوله لا يفرط فى حقه ولا يتنازل عنه ويكون ظله مائلا ومعوجا . كذلك  لايمكن أن يكون أي شعب على وجه هذه الأرض مستقيما قويا مطالبا بحقوقه , ويكون ظله معوجا ومائلا . لأن الشئ من معدنه لايستغرب . فالشعوب القوية الواعية كالشجرة المستقيمة السامقة الشاهقة أصلها ثابت وفرعها فى السماء . أما الشعوب التي ارتضت العبودية والذل والهوان ورفعت راية الخنوع والاستسلام , فهي كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار . إن الشعوب التي ارتضت الهوان وفرطت فى حقها من حرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية , كالقيعان لا ينبت مرعاها ولا يثبت ثراها , فهي أرض سبخة ولو أسقيتها بماء الورود , فلن تنبت إلا الشوك والحنظل المر .
* إن هناك شعوبا تخلت عن حريتها طواعية مقابل لقمة العيش وكسرة الخبز . فلاهي نالت حريتها , ولاهي شبعت ونالت حقها فى حياة حرة كريمة . فعاشت تلك الشعوب ردحا من الزمن تلحس التراب فى حظيرة العبودية تحت أقدام الطغاة المستبدين . لايمكن لكسرة الخبز أن تكون بديلا عن الحرية , وإلا لعاشت البشرية عيشة حيوانية بهيمية غير إنسانية . فالأنعام تآكل وتشرب وتملأ بطونها غير أنها ليست حرة . فهى تعيش تحت لهيب الكرباج ونار السياط . يقول الشاعر :

الذليل بغير قيد مقيد.. كالعبد إن لم يسد بحث له عن سيد .

فالذليل قيد نفسه وإن لم يقيده أحد لأنه تعود أن يعيش عبدا مملوكا لسيده كالعبد الآبق الذي لايقدر على شئ . كذلك الشعوب التي عاشت فى ظلام كهف العبودية تشعر بالدوخة والدوران والشعور بالتقئ والإسهال أن أشرقت شمس الحرية فجأة على حين غفلة منها .
* إن العبودية ليست قدرا مقدورا على الشعوب . كما أنها ليست مصيرها المحتوم التي يجب أن تؤمن به وترضخ له .
نعم.. العبودية ليست قدرا مكتوبا على جبين الشعوب العربية والإسلامية , عليها أن تؤمن بها وأن تجعلها الركن السادس من أركان دينهم الحنيف . لأن الإسلام إنما جاء لمحو آثار الجاهلية الأولى , وهل هناك جاهلية أشد وأكبر من العبودية لغير الله..؟  دخل معبد بن خالد الجهني, وعطاء بن يسار على الحسن البصري, وهو يحدث الناس في مسجد البصرة فسألاه: ” ياأبا سعيد, إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين , ويأخذون الأموال, ويفعلون, ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله” , فأجابهما الحسن قائلا: ” كذب أعداء اللهنعم.. لأن الناس خلقهم الله أحرارا , والطغاة المستبدون ليسوا قدرهم المحتوم حتى يرفعوا لهم راية الاستسلام ويعبدونهم من دون الله . ويقولون ليس فى الإمكان أحسن مما كان .

* إن  ” سوهارتو ” حكم اندونيسيا 32
  “وسياد برى” حكم الصومال 21 عاما . ” وزين العابدين ” حكم تونس 24  عاما . ” وعلى صالح ” حكم اليمن 34 عاما . ” والقذافى حكم ليبيا  42 عاما . ومبارك حكم مصر 30  عاما . وشاوشيسكو حكم رومانيا 25  عاما . وغيرهم من الطغاة المستبدين الذين حكموا أوطانهم بالحديد والنار . ولكن الحديد ذاب ولان , والنار انطفأت عندما استيقظت الشعوب من سباتها العميق وفهمت أن الحرية حق لها وليست منحة من طاغية لها يمنحها وقت مايشاء ويمنعها وقت مايشاء . فى لحظة واحدة سقط كل هولاء الطغاة سقوطا مدويا ولم تنفعهم شفاعة الشافعين ولا أجهزتهم القمعية المتخصصة فى إذلال وتعذيب الملايين . استقامت الشعوب على الطريقة فأسقاها الله عز وجل الحرية ماء غدقا …!؟. إن الشعوب هى ” العود ” ولو استقام هذا العود لكان الظل أكثر استقامة . وعى الشعوب والحرية توأمان متلازمان لاينفصلان , إذا فقد أحدهما فلا تسأل عن الآخر, بل أقم عليه مأتما وعويلا .

* من أصعب الأمور التي يحار العقل البشري في فهمها : أن يعيش الحيوان الأعجم مستمتعا بحريته أكثر من الإنسان الناطق نفسه . فهل كان نطقُه شؤماً عليه وعلى سعادته وحريته ؟ يحلق الطير في الجو بحرية كاملة، ويسبح السمك في البحر بحرية كاملة، ويهيم الوحش في الأودية والجبال بحرية كاملة. إن شعوبا كثيرة فى القارة السوداء قد نالت حريتها واسترددت كرامتها ولم يعد بمقدور طاغية أو حاكم أن يتلاعب بحاضرها أو مستقبلها أو يمنعها أو يمنحها حريتها .  أما الإنسان العربي ولاسيما المصري فيعيش رهين السجن والاعتقال من المهد إلى اللحد  من مولده حتى مماته .فمتى يؤذن لفجر الحرية فى وطني بعد ما طال ظلام ليل الظلم والقهر والعبودية..؟ . لابد لشعبنا أن يفيق ويستفيق من غيبوبته السريرية الدماغية حتى يعلم أن الحرية شرط كل شئ ولا شرط للحرية . الحرية هى الطريق للنهضة والتقدم والرقى . والديكتاتورية هى المستنقع الآسن الراكد الذي تتكاثر فيه كل جراثيم الفساد تبيض فيه وتفرخ وتتكاثر ..!؟.

* يقول الراحل مصطفى أمين رائد الصحافة العربية “ إن الحياة لا تتوقف أبداً .. إنما تتجدد دائماً , كل شيء فيها يتغير ويتبدل البشر يولدون ويموتون ..الأبنية تشيد وتنهار .. الزهور تتفتح وتتبدل الدول تقوم وتسقط .. كل شيء يتغير .. كل شيء يتبدل إلا معاني بعض الكلمات .. الحرية تبقى دائماً حرية  , الطغيان يبقى دائماً طغيان,  العدل يبقى دائماً عدلاً  , الظلم يبقى دائما ظلماً. ويجيء العادلون والطغاة ويذهبون , ويظهر أنصار الحرية وأعوان الاستبداد ويختفون , وتشرق شمس الديمقراطية وتغيب , ويجثم ظلام حكم الفرد ثم يطل نهار حكم الأمة, ويعلق الأحرار في المشانق ويجلس الظالمون في مقاعد السلطان كل شيء يتغير , يولد ويموت , يكبر ثم يتضاءل . ولكن الشعب دائماً لا يموت ”

* نعم .. سيموت كل الطغاة , سيموت كل المستبدين , سيموت كل الظالمين . لكن ستبقى الشعوب حية مابقى الزمان . وستبقى الشعوب حرة قوية كريمة ماتمسكت بحقها فى الحرية والحياة الحرة الكريمة . نحن نريد الحرية , ولانريد غير الحرية . نريد حرية العقيدة , حرية الرأى , حرية تكوين الأحزاب . حرية النشر والكتابة والتأليف . حرية الاجتماعات . حرية عقد المؤتمرات دون اقتحامها . حرية تنفس نسمات الهواء السياسي الطلق غير المشروط أو المربوط . لقد خلقنا الله أحرار ولن نعيش إلا أحرارا بعد اليوم بعز عزيز أو بذل ذليل . الحرية أثمن وأغلى شئ فى الوجود ومن ينزعها منا فقد نزع أرواحنا من أجسادنا وجهز لنا أكفاننا وحفر لنا قبورنا  ولن يكون ذلك إن شاء الله تعالى . لايمكن لشعب يعشق الحرية ومستعد للتضحية فى سبيلها بكل غال ورخيص أن يعيش مستعبدا ذليلا تحت أقدام الطغاة . إذا استقامت العود وهو الشعب , استقام الظل ونالت الشعوب حريتها . وبسطت ردائها على أنحاء المجتمع ونفذت أشعتها لتمحو كل آثار الظلم والبغى والعدوان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى