تقارير وملفات إضافية

كيف وصل الآلاف للمنطقة الخضراء في بغداد ولماذا لم يقتحموا السفارة الأمريكية؟

مشهد محاصرة آلاف العراقيين للسفارة الأمريكية في بغداد وحرق إحدى بوابات محيطها الخارجي يطرح العديد من التساؤلات، أهمها عن كيفية وصول كل هؤلاء للمنطقة الخضراء ولماذا لم يقوموا بالفعل باقتحام السفارة وما هو الدور الإيراني فيما يحدث وأين تقف الحكومة العراقية مما يجري على أرض العراق؟

تجمع آلاف المحتجين ومقاتلي جماعات الحشد الشعبي وقياداتهم السياسية والعسكرية اليوم الثلاثاء 31 ديسمبر/كانون الأول أمام البوابة الرئيسية لمجمع السفارة الأمريكية في بغداد، مهددين باقتحامها ومطالبين بإغلاق البعثات الدبلوماسية الأمريكية في العراق وطرد السفير والعاملين.

الاحتجاجات جاءت رداً على الضربات الجوية التي شنها الجيش الأمريكي ليلة أمس الإثنين 30 ديسمبر/كانون الأول، واستهدفت مقرات تابعة لكتائب حزب الله العراقي أحد فصائل الحشد الشعبي وأدت لمقتل 25 وإصابة العشرات، وتقول واشنطن إن الضربات رد على قيام الميليشيات بتوجيه 11 هجوماً صاروخياً ضد قواعد عسكرية أمريكية في العراق، أدى آخرها الأسبوع الماضي لمقتل متعاقد مدني أمريكي.

السر وراء تبادر هذا السؤال للذهن هو ما يشهده العراق منذ أكثر من شهرين من ثورة شعبية سقط خلالها أكثر من 600 شهيد ونحو 20 ألف مصاب، وتتركز المطالب حول استبعاد الطبقة السياسية التي تحكم العراق منذ الغزو الأمريكي والإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003.

طوال مدة التظاهرات كان الهدف الرئيسي للمتظاهرين هو الوصول إلى المنطقة الخضراء في بغداد، حيث مقر الحكومة العراقية، وسقط الآلاف منهم بين شهيد ومصاب دون أن يتمكنوا من عبور الجسور على نهر الفرات وصولاً إلى تلك المنطقة الحصينة والتي يوجد بها مقار البعثات الأجنبية ومقار الحكومة والبرلمان والرئاسة العراقية.

لذلك كان لافتاً وصول كل تلك الأعداد الغفيرة من ميليشيات ومنتسبي الحشد الشعبي وقياداتهم أيضاً مثل قيس الخزعلي زعيم ميليشيا أهل الحق وهادي العامري زعيم ميليشيا بدر وغيرهما، حيث من الواضح أن القوات الأمنية العراقية لم تحاول منع ذلك الحشد من العبور إلى المنطقة الخضراء والوصول إلى محيط السفارة الأمريكية، بل واقتحام وتحطيم إحدى البوابات مثل بوابة الاستعلامات الخاصة بالسفارة وهو ما يعني أن المحتجين أوشكوا بالفعل على اقتحام مبنى السفارة نفسه.

أصدر المعتصمون في ساحة التحرير في بغداد بياناً باسم الحراك الشعبي العراقي قالوا فيه أنهم لا علاقة لهم بما يجري في ساحة السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، واصفين ما يجري هناك بأنها أحداث لا علاقة لها بالشأن الداخلي العراقي.

والواقع أن ما يجري اليوم في العراق لم يكن بحاجة لبيان الحراك الشعبي حتى يتم تفسيره، فمن ناحية الشكل كان لافتاً غياب العلم العراقي عن المشهد أمام السفارة الأمريكية بينما ارتفعت أعلام الحشد الشعبي المدعوم إيرانياً، أما من ناحية المضمون فإن التصعيد ضد الوجود الأمريكي في العراق ومحاولة اقتحام السفارة يمثل طوق نجاة للطبقة السياسية في العراق وميليشيات الحشد الشعبي، من ناحية التشويش على الحراك الشعبي الوطني.

الواقع أن تفاصيل المشهد تثير الريبة وتطرح تساؤلات أكثر مما تقدم إجابات عن هدف الأطراف الفاعلة في أحداث اليوم الثلاثاء في العراق. الحكومة العراقية على لسان رئيسها المستقيل عادل عبدالمهدي أصدرت تصريحاً قالت فيه إن أي محاولة لاقتحام السفارة ستكون غير قانونية وستتم معاقبة من يقوم بها.

اللافت أن هذا التصريح – رغم أنه بديهي ولا جديد فيه – لم يصدر عن عبدالمهدي عندما بدأ توافد المحتجين، بل صدر بعد ساعات طويلة وبعد أن أصبحت السفارة محاصرة تماماً، وعبدالمهدي هو القائد العام للجيش والقوات الأمنية في العراق، فلماذا لم يصدر أوامره بمنع وصول المحتجين إلى المنطقة الخضراء كما فعل منذ اندلعت الاحتجاجات الشعبية؟

السفير الأمريكي، وبحسب مسؤولين في وزارة الخارجية العراقية لرويترز، كان داخل مبنى السفارة وتم إجلاؤه وموظفين آخرين من السفارة في ظل تصاعد الاحتجاجات خارجها، أي أنه غادر لأسباب أمنية.

لكن الفيديوهات التي نقلتها عدسات القنوات التليفزيونية ووكالات الأنباء ووسائل التواصل الاجتماعي أظهرت جنوداً أمريكيين داخل مبنى السفارة ينظرون إلى من يقومون بتصويرهم والهتاف «أمريكا الشيطان الأكبر» وهم يبتسمون ولا يبدو عليهم التوتر على الأقل.

المشاهد التي تم بثها على مدار ساعات طويلة أظهرت وجود الآلاف من ميليشيات الحشد الشعبي المسلحين في محيط السفارة الأمريكية، دون أن يكون هناك أي تواجد لقوات الجيش العراقي أو القوات الأمنية، وبدا واضحاً أن اقتحام مبنى السفارة نفسه مسألة وقت، لكن ذلك لم يحدث وبدلاً من ذلك تم نصب خيام والإعلان عن الاعتصام حتى طرد السفير الأمريكي وإغلاق السفارة.

المشهد الآخر اللافت هو ظهور قوات الأمن العراقية وبدء العمل على تفريق المتظاهرين وإبعادهم خارج محيط السفارة، ثم توالي التصريحات عن مفاوضات لمنع الاعتصام، وظهر أخيراً الجانب الأمريكي في صورة تصريحات للرئيس دونالد ترامب عبر تويتر يحمل إيران المسؤولية عن اقتحام السفارة ويطالب الحكومة العراقية بحمايتها.

يمكن تفسير ما حدث في العراق اليوم على أنه سيناريو مثالي لنزع فتيل التوتر الخطير الذي نتج عن الضربات العسكرية الأمريكية أول أمس، فسقوط العدد الكبير من القتلى من ميليشيات حزب الله لم يكن ليمر دون رد فعل تصعيدي من جانب الحشد الشعبي أو بالأدق من جانب إيران، لكن أي تصعيد عسكري كان من المستحيل ألا ترد عليه واشنطن – في ظل دخول ترامب عام الانتخابات – وبالتالي يمكن أن يكون ما حدث اليوم بمثابة طوق النجاة.

إيران، من ناحية، أظهرت أن بمقدورها اقتحام السفارة الأمريكية كما حدث قبل أربعين عاماً في طهران، وميليشيا الحشد الشعبي حرقت الأعلام الأمريكية وأثبتت عملياً أنها أقوى من الحكومة والجيش وأن بمقدورها الوصول للمنطقة الخضراء أو أي مكان آخر كما تشاء.

ولابد هنا من التوقف عند رسالة قيس الخزعلي من أمام السفارة الأمريكية، حيث قال مشيراً إليها: «هذا المكان هو سبب الخراب في العراق وهذا المكان هو الذي يدعم المخربين»، والإشارة هنا للحراك الشعبي بالطبع.

الحكومة العراقية، من ناحيتها، وجدت هي الأخرى طوق النجاة للهروب من الأزمة الداخلية التي تواجهها بالهروب إلى الأمام كما يقال بالتركيز على نزع فتيل الأزمة بين الحشد الشعبي وأمريكا، وقد توجه وزير الداخلية بنفسه إلى محيط السفارة وتبعه وزير الخارجية لمحاولة إقناع المحتجين بعدم الاعتصام.

في ظل هذا الموقف، لا يبدو أن هناك حاجة لتصعيد عسكري آخر، على الأقل حالياً، وهذا لم يكن الموقف أمس الإثنين حيث كانت التوقعات والتحليلات تصب في اتجاه المزيد من التصعيد العسكري.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى