الأرشيف

كيف نربح رمضان ؟ … ٤. فلتكن أعمالنا كلها إيمانا واحتسابا .

إعداد :

محمد أبوغدير k

محمد أبوغدير المحامي

في بيان فضل صيام رمضان وقيامه وكونه سببا للمغفرة وردت ثلاث احاديت نبوية رواها الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه ،

الاول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صام رمضان إيمانا وإحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه ) ،

والثاني أنه صلى الله عليه وسلم قال : (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ،

والثالت قوله صلى الله عليه وسلم : (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) .

والناظر في هذه الأحاديث الثلاثة يرى أن كل حديث فيها قد تضمنت كلمتين هما ” ايـمـانـا ” و ” احـتـسـابـا ” .

ومعنى هذا أن طلب المسلم – الصائم او القائم – المغفرة من الله تعالى لما تقدم من ذنبه بصيامه أو بقيامه ، يستوجب أن تكون اعماله حال القيام بها ايـمـانـا واحـتـسـابـا ،

ومؤدى ذلك ان المسلم إذا اراد ان تكون سائر اعماله طيبة مثاب عليها من الله تعالى فليسعى جاهدا أن تكون ” ايـمـانـا ” و ” احـتـسـابـا ” .

الله

هيا بنا نعيش هذه المعاني في هذه السطور .

أولا : معني ايـمـانـا واحـتـسـابـا في الأحاديث المذكورة ، وشروط استحقاق المغفرة :

أ – معنى ايـمـانـا واحـتـسـابـا في الاحاديث المذكورة :

١ . معنى ايمانا :

جاء في فتح الباري أن المراد بـِ ” الإيمان ” :
الاعتقاد بحق فرضيته وصومه ،

وقال ابن الجوزي :
إيمانا : أي تصديقا بالمعبود الآمر له ، وعلما بفضيلة القيام ووجوب الصيام ، وخوفا من عقاب تركه .
وزاد على ذلك ابن بطال :
( إيمانا ) ؛ يريد تصديقا بفرضه وبالثواب من الله تعالى على صيامه وقيامه،

٢ . معنى احتسابا :

جاء في فتح الباري أن المراد بالاحتساب طلب الثواب من الله تعالى .
وقال الخطابي احتسابا : أي عزيمة ، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير كارهة له ، ولا مستثقلة لصيامه ولا مستطيلة لأيامه .
وقال ابن الجوزي : احتسابا أي علما بفضيلة القيام ووجوب الصيام ، وخوفا من عقاب تركه ، ومحتسبا جزيل أجره ، وهذه صفة المؤمن.

ب – شروط استحقاق المغفرة بالأحاديث الثلاثة :
١ . كمال الإيمان :

أن التأكيد على شرط “إيمانا” يكمن في تذكير المسلم بضرورة استحضار عبوديته لله تعالى في كل عبادة أو طاعة يؤديها له , واستحضار وجوب وفرضية هذه العبادة التي يؤديها , حتى لا تنقلب العبادة مع مرور الوقت والزمن إلى عادة .

٢ . إخلاص العمل وإحتساب الأجر :

وكلمة ” احتسابا ” تتوافق مع خصوصية الصوم وهي العبادة التي لا يطلع عليها أحد إلا الله ,فكان الإخلاص بلا شك من أهم شروطه ولوازمه , فلا بد أن يحتسب المسلم بصيامه رضا الله تعالى , ولا يلتفت إلى مدح الناس وثنائهم ، وبعيدا عن الرياء والسمعة والمفاخرة .

٣ . أن يجتنب الكبائر :

كما قال تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريما )
فإذا صام العبد رمضان وقامه كما ينبغي غفر الله له بصيامه الصغائر والخطايا التي اقترفها إذا اجتنب كبائر الذنوب وتاب مما وقع فيه منها ، وهذا ما يراه جمهور العلماء لأن الكبائر لا تكفرها الأعمال الصالحة ؛ بل لا بد لها من توبة .
ثانيا : فقه الايمان في حياة المسلم :

وهكذا كانت معاني “الإيمان والاحتساب” في شهر رمضان المبارك بها ينعم المسلمون بحياة روحية عجيبة ، تمتد مكاسبها التربوية وتتغلغل في النفوس إلى سائر الأوقات ومواسم العبادات على مدار العام والعمر كله ، ولتأصيل هذه المعاني نتحدث عن الإيمان بصفة عامة من حيث تعريفه ، وبيان أركانه ، وأسباب زيادته ، ثم فوائده وثمراته .

أ – تعريف الإيمان لغة واصطلاحًا :

١ . تعريف الإيمان لغة :

هو التصديق والاطمئنان .

٢ . تعريف الإيمان في الاصطلاح الشرعي :

هو قول باللسان ، واعتقاد بالجَنان ، وعمل بالجوارح والأركان ، يزيد بطاعة الرحمن ، وينقص بطاعة الشيطان .
وهو كذلك : الإيمان بالله ، والإيمان بملائكته ، والإيمان بكتبه . والإيمان برسله ، والإيمان باليوم الآخر ، والإيمان بالقدر خيره وشره .

ب . اركان الإيمان :

قال الإمام الشافعي: ” وكان الإجماع من الصحابة ، والتابعين من بعدهم ممن أدركنا : أن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزيء واحد من الثلاثة عن الآخر ” .

الركن الأول :اعتقاد القلب :

والأدلة على اشتراط اعتقاد القلب كثيرة نذكر منها ، قوله
تعالى :{ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم }( الحجرات : 14) ، ومنهاقوله تعالى : { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان } حيث جعل القلوب محل الإيمان وموطنه.
وهذا الركن يشمل أمرين اثنين لا بد من تحققهما :

الأول : إقرار القلب : وهو اعتراف القلب بأن ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم حق ، وأن ما حكما به عدل ، لا يخالط ذلك الاعتقاد شك ولا ريب .

الثاني : عمل القلب : وهو ما أوجبه الله عز وجل على العبد من أعمال القلوب كحب الله ورسوله ، وبغض الكفر وأهله وغيرها ، فكل هذه تدخل في عمل القلب .

الركن الثاني : فهو الإقرار باللسان :

الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما ، قال صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس ، حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها ) متفق عليه .
والمقصود بالشهادتين ليس مجرد النطق بهما ، بل التصديق بمعانيهما والإقرار بهما ظاهرا وباطناً فهذه الشهادة هي التي تنفع صاحبها عند الله عز وجل .

الركن الثالث : فهو عمل الجوارح :

وهو فعل ما أمر الله به ، وترك ما نهى الله عنه ، ومن ذلك قوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } ، الحجرات:15
وقوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } ، الأنفال:4 .

وقال صلى الله عليه وسلم 🙁 آمركم بالإيمان بالله وحده ، أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : شهادة ألا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وأن تعطوا من الغنائم الخمس ) متفق عليه .

ج – أسباب زيادة الإيمان :-

من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وإن من طاعة الله تعالى أن يبتعد الإنسان عن المعاصي ، والفتن ، وهذا بيان لعدد من الأحباب الآتي تؤدي الى زيادة الإيمان :

ا . معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته :

ذلك أن العلماء أعرف الناس بأسماء الله تعالى وصفاته ، قال ابن رجب : ” العلم النافع يدل على أمرين :
أحدهما : على معرفة الله وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة ، وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه وخشيته ومهابته ، ومحبته ، ورجاءه والتوكل عليه والرضاء بقضائه والصبر على بلائه ،
والأمر الثاني : المعرفة بما يحبه ويرضاه ، وما يكرهه وما يسخطه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال .
وإذا وصل العبد إلى عبادة ربه كأنه يراه لا شك أنه وصل إلى مرتبة عظيمة من الإيمان لأنه وصل إلى أعظم المراتب وهي الإحسان .

٢ . طلب العلم الشرعي :

ويدل عليه قول الله عز وجل : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}فالعلم طريق للخشية التي هي علامة لما وقر في القلب من إيمان وذلك يأتي بالعلم النافع كما تقدم ، ولذا يقول الأمام أحمد : ” أصل العلم الخشية ”
ولذا جعله النبي طريقاً إلى الجنة فقال : ” من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ” رواه مسلم .

٣ . التأمل في آيات الله تعالى الكونية ومخلوقاته :

ويدل على ذلك : قول الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} عمران: ١٩٠ وقوله تعالى : {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}الذاريات: ٢١ وقوله {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} يونس: ١٠١

٤ . قراءة القرآن وتدبره :

ويدل على ذلك قول الله عز وجل في وصف المؤمنين الصادقين : { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا } : الأنفال٢ ،
وكذلك قول الله تعالى : { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } محمد: ٢٤ .
قال ابن القيم رحمه الله : ” قراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى في حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن “

٥ . الإكثار من ذكر الله تعالى :

لقول الله تعالى : {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}الرعد: ٢٨ وقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي موسى : ” مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ” رواه البخاري .

٦ . تقديم ما يحبه الله ورسوله على هوى النفس :

ويدل على ذلك : حديث أنس قال صلى الله عليه وسلم : ” ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار” متفق عليه
وكذا مما يزيد الإيمان الحب في الله ، وكراهة الوقوع في الكفر فيبتعد عن كل ما يهوي به إلى ذلك .

٧ . حضور مجالس الذكر والحرص عليها :

ويدل على ذلك حديث حنظلة الأُسيدي قال : ” قلت : نافق حنظلة يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : ” وما ذاك ؟ ” قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة ، حتى كأنّا رأي عين ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ، نسينا كثيراً ، فقال صلى الله عليه وسلم : ” والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ” رواه مسلم
والضيعات : هي معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى : ” كان الصحابة رضي الله عنه يجتمعون أحياناً : يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون .

٨ . البعد عن المعاصي :

أن اقتراف المعاصي سبب في نقصان الإيمان والبعد عنها ومدافعتها سبب زيادته ، فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وإن من طاعة الله تعالى أن يبتعد الإنسان عن المعاصي ، والفتن ، فأي عبد أراد أن يعيش قلبه سليماً من الأمراض لا تضره ، وقد
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ” غض البصر يورث ثلاث فوائد : حلاوة الإيمان ولذته ، نور القلب والفراسة ، قوة القلب وثباته وشجاعته ” .

٩ . الإكثار من النوافل والطاعات :

ويدل على ذلك : حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل : ” وما يزال عبدي يقترب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ” .

١٠ . سؤال الله تعالى زيادة الإيمان وتجديده :

ويدل على ذلك : حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه و عبد الله بن عمر رضي الله عنه قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب ، فا سألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم ” رواه الطبراني ،
وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول : ” اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً ” رواه أحمد .

د – فوائد الإيمان وثمراته :

إن من حكمة الله الربانية أن جعل قلوب عباده المؤمنين تُحِسُّ وتتذوق وتشعر بثمرات الإيمان لتندفع نحو مرضاته والتوكل عليه سبحانه وتعالى ، وثمار الإيمان وثمراته وفوائده كثير قد بيّنها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم. فمن أعظم هذه الفوائد والثمار…

١ . الاغتباط بولاية الله الخاصة :

وهذه الولاية من أعظم ما تَنافسَ فيه المتنافسون، وتَسابقَ فيه المتسابقون، وأعظم ما حصل عليه المؤمنون، قال تعالى: ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) يونس:62 .

٢ . الفوز برضى الله ودار كرامته :

قال تعالى: { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ، التوبة:71-72.

٣ . يَدفع الله عن المؤمنين المكاره ويجنبهم الشدائد :

كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا…} الحج من الآية:38 ، أي: يدفع عنهم كل مكروه، يدفع عنهم شرّ شياطين الإنس وشياطين الجن، ويدفع عنهم الأعداء، ويدفع عنهم المكاره قبل نزولها، ويرفعها أو يُخفّفها بعد نزولها.

٤ . الحياة الطيبة في هذه الدار، وفى دار القرار :

قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:97].

٥ . ان الإيمان والإخلاص أساس الأعمال :

ولهذا يذكر الله هذا الشرط الذي هو أساس كل عمل، مثل قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ…} ، الأنبياء من الآية:94 .
وأما إذا فقد العمل الإيمان، فلو استغرق العامل ليله ونهاره فإنه غير مقبول قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} [الفرقان:23.

٦ . الإيمان يهدي الله إلى الصراط المستقيم :

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ…} [يونس من الآية:9]، وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ…} [التغابن من الآية:11].

٧ . سَيَجْعَلُُ الرَّحْمَنُ للمؤمنين وُدّاً :

وذلك ما ذكره الله بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} [مريم:96]، أي يُحبّهم الله ويجعل لهم المحبة في قلوب المؤمنين. ومن أحبّه الله وأحبّه المؤمنون من عباده حصُلت له السعادة والفلاح .

٨ . يرفع الله درجاتهم :

ومنها قوله تعالى: {…يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ…} ، المجادلة من الآية:11 .

٩ . حصول البشارة بكرامة الله وأمنه :

لقوله تعالى: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ..} البقرة من الآية:25 .
وقوله تعلى: {…فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } الأنعام من الآية:48

وكذلك قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } فصلت:30 .

١٠ . حصول الهدى والفلاح :

قال تعالى: { أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } البقرة : 5 فهذا هو الهدى التام ، والفلاح الكامل. فلا سبيل إلى الهدى والفلاح إلا بالإيمان التام بكل كتاب أنزله الله، وبكل رسول أرسله الله. فالهدى أجلّ الوسائل، والفلاح أكمل الغايات .
وهناك فوائد وثمرات اخرى الإيمان غير ما سبق يطول ذكرها .

ثالثا : الأحتساب في حياة المسلم :

يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ” أيها الناس : احتسبوا أعمالكم ، فإن من احتسب عملَه كُتبَ له أجر عملِه وأجر حِسْبته ”
فالاحتساب عبادة قلبية ثمنها الجنة ، وهومنقبة من مناقب الدعاة المخلصين ، يستهوي القلوب الحية ويدفع للعمل فيزيد الحسنات ويضاعف الدرجات ويقيل العثرات ويمحوا السيئات ويورث السعادة والطمأنينة في الدنيا قبل الآخرة ، وسنرى ذلك جليا من خلال تعريف الإحتساب ، وأنواعه ، ودوافعه ، وثمراته والآتي بيانه والآتي :

أ – تعريف الإحتساب لغة واصطلاحًا :

١ . الاحتساب لغة :
قال الجوهري : ” حاسبته من المحاسبة ، واحتسب عليه كذا إذا أنكرته عليه .
والإنسان الذي يقوم بما يتعلق بهذا الأمر يسمى ( محتسبا ) لأن الأصل فيه أن يحتسب أجره عند الله تعالى . ويوضحه قول الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه . متفق عليه .

٢ . الاحتساب في الاصطلاح :

قال ابن الأثر في النهاية : الاحتساب في الأعمال الصالحة وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر ، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو منها .

ب – أنواع الاحتساب :

من التعريف السالف للإحتساب يتضح انه ثلاثة أنواع بيانها كالتالي :

1- احتساب الأجر عند الصبر على المكاره :

وجاء عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة) رواه البخاري.

وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: (ما من مسلم له ولدان مسلمان يصبح إليهما محتسبًا إلا فتح الله له بابين، يعني من الجنة، وإن كان واحد فواحد).

2- احتساب الأجر عند عمل الطاعات :

عن أبي مسعود البدري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها، كانت له صدقة).
قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – : ( أيها الناس، احتسبوا أعمالكم ، فإن من احتسب عمله، كتب له أجر عمله وأجر حسبته ).

3- إحتساب الأجر عند التعرض للابتلاء :

وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (ما يصيب المسلم من نَصَب ولا وَصَب،ولا هم، ولا حَزَن، ولا أذى، ولا غم – حتى الشوكة يشاكها – إلا كفَّر الله بها من خطاياه).

ج – دوافع احتساب الأجر في كافة الأعمال :

من خلال الحديث عن الأحتساب بشأن الاحاديث الثلاثة السابقة يتضح أهميتة الفائقة بأعتبار انهما من شرائط قبولكم الأعمال والإثابة عليها ، ومن ثم يجب المسارعة لإكتسابها ولعل ما يدفع الى ذلك ما يأتي :

  1. سرعة مرور الوقت :

وهذا يعاني منه الجميع فاستغلّ الدقائق قبل الساعات وقد قيل: (أمسك الذي مضى عن قربه، يعجز أهل الأرض عن رده).

  1. موت الفجأة :

{قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجمعة:8)

3 . تغير الأحوال :

من صحة إلى مرض ومن غنى إلى فقر… ومن أمن إلى خوف… ومن فراغ إلى شغل… ومن شباب إلى شيخوخة… ومن حياة إلى موت… !

4 . استشعر التقصير والتفريط في جنب الله :

{أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} (الزمر:56).

5 . الخوف من الله :

لإن الخوف من الله دافع قوي للعمل الصالح عموما {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأنعام:51).

6 . الرغبة في حصول الأجر والثواب :

قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (العنكبوت:58).

د – ثمرات الاحتساب :

إحتساب الأجر في كل عمل هو قمة العبودية من المرء لله تعالى والإخلاص له سبحانه ومن ثم يجزل الله تعالى عطاءه بعباده المحتسبين ، وهذا بعض ثمرات الإحتساب :

  1. اكتساب محبة الله تعالى :

مثال ذلك قوله تعالى: “إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ” ” إن الله يحب المقسطين ” وكلما استشعر العبد محبة الله له في العبادة زاد من احتسابه لها وأدائها على الوجه المطلوب .

  1. الفوز بأجور العمل :

مثال ذلك قوله صلى الله عليهم وسلم ” إذا توضأ العبد المؤمن أو المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كلُ خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب ” [ رواه مسلم] “

  1. اكتساب مضاعفة الحسنات :

مثال ذلك قوله صلى الله عليهم وسلم ” إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك ، من همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة ، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة “[ رواه البخاري ]

  1. الفوز بالجنة ونعيمها :

مثال ذلك قوله صلى الله عليهم وسلم” من توضأ وأسبغ الوضوء ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية ” ” من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له به بيتا في الجنة “

  1. النجاة من النار والبعد عن أعمالها :

مثال ذلك قوله صلى الله عليهم وسلم ” ثلاثة لا ترى أعينهم النار ، عين حرست في سبيل الله وعين بكت من خشية الله وعين كفَّت عن محارم الله ”
وقوله صلى الله عليهم وسلم” ألا أخبركم بمن يحرم على النار أن بمن تحرّم عليه النار..؟ على كل قريب هين سهل ” ” أول من تسعر بهم النار .
كيف نربح رمضان؟

إعداد :

محمد ‫أبوغدير المحامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى