الأرشيف

كيف نربح رمضان ؟ … ٣ . نَتَلقىٰ رحمات الله فنتراحم ونتكافل

إعداد

محمد أبوغدير k

محمد ابو غدير المحامى

من رحمة الله بعباده ان يهل عليهم شهر رمضان بالطمأنينة والسكينة ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اذا كان اول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت ابواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت ابواب الجنة فلم يغلق منها باب ، وينادي مناد من السماء : ياباغي الخير اقبل ويا باغي الشر اقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ) ، روى الحاكم عن ابي هريرة
رمضان شهر الرحمة :
ومن الرحمة تنبعث الرقة والعطف والرأفة ، وتقوى القيم الإيمانية والأخلاقية ، فتتنامى المنافع وتتدافع الأضرار عند المسلمين ، فيتحقق التكافل الاجتماعى بينهم في الدنيا  ، ويفوزون بالرحمة والمغفرة والعتق من النار في الآخرة ، والحديث عن الرحمة في شهر رمضان يستوجب وبيان العناصر الآتية ،
اولا : معنى الرَّحْمَة لغةً واصطلاحًا ،
 ثانيا : مظاهر  رحمة الله بعباده في رمضان  :
ثالثا : مظاهر تراحم المسلمين وتكافلهم في رمضان ،
وبيان ذلك في الآتي :
اولا : معنى الرَّحْمَة لغةً واصطلاحًا :
أ – معنى الرَّحْمَة لغةً:
جاء في الصحاح للجوهري ان الرحمة : من رحمة يرحمه، رحمة ومرحمة، إذا رقَّ له ، وتعطف عليه ، وأصل هذه المادة يدلُّ على الرقة والعطف والرأفة ، وتراحم القوم : رحم بعضهم بعضًا.
وقد تطلق الرَّحْمَة، ويراد بها ما تقع به الرَّحْمَة، كإطلاق الرَّحْمَة على الرِّزق والغيث .

صوم
ورحمة الله : عطفه ، وإحسانه ، ورزقه .
ب – معنى الرَّحْمَة اصطلاحًا :
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان في تعريف الرحمن أنها : صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد ، وإن كرهتها نفسه ، وشقت عليها ، فهذه هي الرحمة الحقيقية .
وأرحم الناس بك من أوصل إليك مصالحك ، ودفع المضار عنك ، ولو شق عليك في ذلك ، فمن رحمة الأب بولده : أن يُكرهه على التأدب بالعلم والعمل ، ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره ، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره ، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به ، وإن ظن أنه يرحمه ، ويرفهه ويريحه ، فهذه رحمة مقرونة بجهل ، كرحمة بعض الأمهات .
وفي التحرير والتنوير لابن عاشور قيل أن الرحمة هي : رِقَّة في النفس، تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه .
ثانيا : مظاهر  رحمة الله بعباده في رمضان  :
١ . يحط الخطايا ويستجيب الدعاء وينزل الرحمة هي :
روى الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه انه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء ، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم الملائكة فأروا الله من أنفسكم خيرا فان الشقي المحروم من حرم فيه رحمة الله عز وجل ) .
٢ . يخصهم بخمسة أشياء من دون سالف الأمم :
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي :
أما واحدة : فانه إن كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله عز وجل إليهم ومن نظر الله إليه لو يعذبه أبدا ،
وأما الثانية :فان خلوف فم الصائم -حين يمسي-أطيب عند الله من ريح المسك
وإما الثالثة:فان الملائكة تستغفر لهم كل ليلة.
وإما الرابعة فان الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها :استعدي وتزيني لعبادي فانه يوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى دار كرامتي.
وإما الخامسة:فانه إن كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا فقال رجل من القوم : أهي ليلة القدر ؟ قال : لا ، الم ترى إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من إعمالهم وفوا أجورهم “
3 . أن الله تعالى أكرم عباده المؤمنين بليلة القدر :
وهي التي خصها الله سبحانه بمزيد من القدر والشرف ، فأنزل فيها القرآن، ورفعها بذلك فوق أقدار الزمان، وجعلها موسماً للعبادات، وميقاتاً للبر والخيرات ينتظرها الصائمون كل عام يُمَجِّدُونَ فيها القرآن ، ويستكثرون من الدعاء والطاعات في زلف منها، فهي ليلة خير من ألف شهر، من قام إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه .
ثالثا : مظاهر تراحم المسلمين وتكافلهم في رمضان  :
لما كان من سمات الرحيم – كما جاء بالتعريف السالف للرحيم – أن يوصل إليك مصالحك ، ويدفع المضار عنك ، فأن شهر رمضان مدرسة للمسلمين تنمي الإيمان في النفوس وتعمق التقوى والورع في القلوب فتتهذب الجوارح وترتقي الأخلاق ، وتوثق الصلات بين أبناء المجتمع فيتحقق التكافل الإجتماعي بينهم ، وبيان ذلك في الآتي :
أ –  الصيام وسيلة لتهذيب الجوارح  وإرتقاء الأخلاق :
في شَّهر رمضان تهجُّد وتراويح، وذكر وتسبيح، تلاوة وصلوات، وجود وصدقات، وأذكار ودعوات.
الصَّوم مدرسة لتهذيب الجوارح وتهذيب الأخلاق وتقوية للإرادة وتهيئة للمؤمن لمواقف البذل والعطاء ، وبيان ذلك في الآتي :
1. الصيام إخلاص وصدق مع الله تعالى  :
وذلك أنَّ الصِّيام سرٌّ بين العبد وربِّه لا يطَّلع على ذلك غيره، وحقيقته ترك حظوظ النَّفس وشهواتها الَّتي جبلت على الميل إليها لله عزَّ وجل.
حيث ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله : صلى الله عليه و سلم ، قال الله تعالى : ( كُلُّ عَمَل ابن آدم لَهُ إلاَّ الصومَ فإِنَّه لي وأنا أجزي بهِ …. ) .
ولمَّا صار الصِّيام دليل إخلاص العبد، وعنوانًا على نَبْذِ كلِّ رياء، ومعقد السِّرِّ بين العبد وربِّه في الدُّنيا، أظهره الله في الآخرة علانيَّة للخلق، ليشتهر بذلك أهل الصِّيام، ويعرفون بطيب ريحهم بين النَّاس، جزاءً لإخفائهم صيامهم في الدُّنيا
2. الصيام من أعظم أسباب التقوى :
قد أبان الله سبحانه وتعالى أن الصوم من أعظم أسباب التقوى قال جل وعلا” ( يأيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) البقرة: الآية 183.
ومن وجوه التَّقوى في هذه العبادة العظيمة:
ـ أنَّ الصَّائم يترك ما حرَّم الله عليه من الأكل والشُّرب وسائر المفطرات الَّتي تميل النَّفس إليها، متقرِّبًا بذلك إلى الله تعالى، راجيًا ثوابه.
ـ أنَّ الصَّوم يورث العبد الخشية في قلبه ، ويدرِّب نفسه على مراقبة الله تعالى في السِّرِّ والعلن ، ومن ثم تكثر طاعته ، يتوقَّى الوقوع في المنكرات ، ويتجنَّب ما يراه في مجتمعه من الآثام.
3. الصيام عصمة للمؤمن من الوقوع في المعاصي :
فمن رحمة الله تعالى بعباده أن جعل الصِّيام جُنَّة، يتوقَّى العبد به الآثام ويتستَّر به من النَّار، فإذا كفَّ العبد نفسه عن الشَّهوات في الدُّنيا كان ذلك ساترًا له من النَّار يوم القيامة.
رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله : صلى الله عليه و سلم ، قال الله تعالى : ( …. والصِّيامُ جُنَّةٌ فإِذا كان يومُ صومِ أحدِكم فَلاَ يرفُثْ ولا يصْخَبْ فإِنْ سابَّهُ أَحدٌ أو قَاتله فَليقُلْ إِني صائِمٌ ، والَّذِي نَفْسُ محمدٍ بِيَدهِ لخَلُوفُ فمِ الصَّائم أطيبُ عند الله مِن ريح المسـك ) .
فالتقرُّب إلى الله في حال الصَّوم بترك المباحات يورث العبد التقرُّب إليه بترك جميع المحرَّمات.
ب – وفي رمضان توثق الصلات ويتحقق التكافل الإجتماعي :
عندما تهذيب جوارح المؤمن بالطاعة في رمضان وترتقي أخلاقه بالصوم ، تقوى صلته بالأرحــام وذوى القــربى ويستشعر ألم الجوع والحرمان ، فيسعى في قضاء حوائج المسلمين فيكفل اليتيم ويعطي الفقير وإقامة التكافل بين افراد المجتمع من خلال الوسائل الآتية :
1 . رمضان سببا لتقوية صلة الأرحــام وذوى القــربى :
 في شهر رمضان يتم التزاور بين الأسر والعائلات والقبائل والعشائر بطرق ووسائل مختلفة لتقوية صلة الأرحــام وذوى القــربى ، وهذا يقوى من الروابط بينهما، ولقد أمرنا الله بذلك في رمضان وفى غير رمضان، فقال سبحانه وتعالى : ” وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ” ((الإسراء: ٢٦ )
وقوله صلى الله عليه وسلم: “ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك ,فإن  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذى الرحم اثنتان: صدقة وصلة” .
٢ .  السعى في قضاء حوائج المسلمين :
من أبواب الخير والبر في رمضان وفى غير رمضان هو السعى على قضاء  حوائج الناس، ولقد حث رسول الله على ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: “من مشى في حاجة أخيه فأتمها له كان كمن اعتكف عشر سنين )  متفق عليه ، وأجاز الفقهاء أن يخرج المعتكف من اعتكافه لقضاء مصلحة أخيه.
٣ . زكاة الفطر واثرها في تحقيق التكافل :
من المعالم المميزة لشهر الصيام أن المزكين يؤدون زكاة الفطر طهرة لأنفسهم من اللغو والرفث، وطعمة للفقير والمسكين، وأصل ذلك من القرآن الكريم قول الله تبارك وتعالى: ” وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ , لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ” (سورة المعارج -24-25  ),
٤ . وكذلك فدية وكفارة الصيام  :
أوجب الاسلام على من لا يستطيع الصيام فدية طعام مسكين، يقول الله تبارك وتعالى :” أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ” (البقرة: ١٨٤) .
 كما أوجب على من يفطر يوما عمدا  في رمضان كفارة الصيام وهى إطعام ستين مسكينا أو عتق رقبة أو صيام شهرين متتاليين ،
وتساهم فدية وكفارة الصيام في التوسعة على الفقراء والمساكين، وفي تحقيق التكافل الاجتماعى .
٥  . دور الهدايا في أيام العيد :
إن تبادل الهدايا المالية والعينية بين المسلمين بصفة عامة وفى مضان بصفة خاصة يساعد في تحقيق التكافل الاجتماعى وإلى إيجاد المجتمع المتضامن ، ولقد حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال: “تهادوا تحابوا” (رواه البخارى والبيهقى)  , وعن عائشة رضى الله عنها قالت :” كان رسول الله يقبل الهدية” (رواه البخارى)  .
٦ . كفالة اليتيم وتحقيق التكافل الاجتماعي :
  عندما يصوم المسلم يستشعر بألم الجوع والحرمان، وهنا يتذكر حال اليتيم الفقير الذى ليس عنده ما يكفيه وهذا يحثه  على كفالته ، أو على أضعف الإيمان يكفله معنويا ، ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما” (رواه البخارى) وهذا يقود إلى التكافل  الاجتماعي .
 خاتمة:
وهكذا يتبين بما لا يدع مجالا للشك ان رمضان الكريم  يحقق القيم الإيمانية في الصائمين الطائعين ، فيقيم الحب والأخوة والإيثار والتعاون التى غرسها  الصيام في المسلم ، ويساهم في تحقيق التكافل بين أفراد المجتمع ، ويوثق العلاقات الاجتماعية بين الناس على مستوى الأسرة والعائلة والعشيرة والقرية والمدينة والدولة وعلى مستوى الأمة الإسلامية، وبذلك يتحقق المجتمع المتكافل الفاضل.

محمد أبوغدير المحامي

في الاثنين, يونيو 06, 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى