تقارير وملفات إضافية

كيف عزز الدعم التركي أذربيجان عسكرياً، وماذا عن موقف روسيا من أرمينيا هذه المرة؟

تحتل أرمينيا 20% من أراضي أذربيجان، وهناك 4 قرارات أممية صادرة من مجلس الأمن تطالب المحتل بالانسحاب، لكن على مدى 3 عقود لم تبدِ أرمينيا أي بادرة للانسحاب في ظل دعم روسي متواصل، فكيف غير التدخل التركي الموقف العسكري هذه المرة، ولماذا تخلت روسيا عن أرمينيا؟

بحسب خبير السياسات الخارجية في مركز “سيتا” التركي للأبحاث والدراسات محمد جغطاي غولر، ساهم الدعم التركي في تعزيز إنجازات أذربيجان ضد الاحتلال الأرميني، مضيفاً للأناضول أن أذربيجان حققت مكاسب ملموسة ضد الاحتلال الأرميني في إقليم “قرة باغ” وأراضيها المحتلة.

والقصة هنا ترجع جذورها إلى عام 1992، عندما احتلت أرمينيا نحو 20% من الأراضي الأذربيجانية، التي تضم إقليم “قرة باغ” (يتكون من 5 محافظات)، و5 محافظات أخرى غربي البلاد، إضافة إلى أجزاء واسعة من محافظتي “آغدام” و”فضولي”.

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار منذ عام 1994 بين البلدين، وصدور قرارات من مجلس الأمن الدولي تطالب أرمينيا بالانسحاب “الفوري” من الأراضي الأذربيجانية المحتلة، فإن الجانب الأرميني لم ينسحب ويستغل وجوده في إقليم قرة باغ المحتل لشن هجمات على أذربيجان من فترة لأخرى لأسباب متعددة، تتعلق بالشؤون الداخلية والإقليمية.

ومنذ الأحد الماضي، تتواصل اشتباكات على خط الجبهة بين البلدين، إثر إطلاق الجيش الأرميني النار بكثافة على مواقع سكنية في قرى أذربيجانية، ما أوقع خسائر بين المدنيين، وألحق دماراً كبيراً بالبنية التحتية المدنية، بحسب وزارة الدفاع الأذربيجانية.

ويوضح غولر هذه النقطة بقوله إن أرمينيا تعمد بين الحين والآخر إلى شن هجمات عسكرية ضد الأراضي الأذربيجانية، انطلاقاً من إقليم “قرة باغ” والمناطق الأخرى التي تحتلها منذ عام 1992، ذاكراً أنه رغم توقيع البلدين لاتفاق وقف إطلاق النار عام 1994، فإن المفاوضات التي جرت بينهما برعاية دولية لم تسفر عن نتائج ملموسة تجاه تحقيق السلام والاستقرار الدائمين بالمنطقة، وأردف أن أرمينيا واصلت خرق اتفاق وقف إطلاق النار مرات عديدة.

ورداً على الهجوم العسكري الأخير لأرمينيا (27 سبتمبر/أيلول الماضي)، أطلقت أذربيجان عملية عسكرية واسعة النطاق على طول خط وقف إطلاق النار، لتحرير أراضيها المحتلة، وأشار الخبير التركي إلى تمكن باكو خلال العملية المذكورة من تحقيق مكاسب ميدانية ملموسة، “سوف تساهم خلال المرحلة المقبلة في تحقيق حلول دائمة”، متابعاً: “في واقع الأمر، تمكنت أذربيجان من تحرير أكثر من 10 قرى ومناطق جبلية، واستعادت جزءاً كبيراً من محافظة فضولي (غرب) المحتلة”.

والاختراق الذي حققته أذربيجان للتحصينات الأرمينية الموجودة على أراضيها المحتلة لم يحدث بهذا الشكل من قبل، وهنا يرى غولر أن أنقرة تبادلت خبراتها العسكرية التي حققتها في شرق المتوسط وليبيا وسوريا مع أذربيجان، حيث قدّمت الدعم العسكري والتقني والمعدات للأخيرة، ما مكّنها من تحقيق مكاسب ملموسة لأول مرة منذ 26 عاماً.

وفي هذا السياق، اعتبر غولر أن أرمينيا تريد إدخال منظمة “معاهدة الأمن الجماعي” إلى المنطقة لكسب الدعم ضد أذربيجان وعزلها، إضافةً لتحميلها مسؤولية خرق وقف إطلاق النار، وقال إن يريفان تعمل على إضفاء الطابع الإقليمي على الحدث، “لكن هذه المحاولة لم تنجح بسبب حقيقة أن قرة باغ أراضٍ أذربيجانية محتلة باعتراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقانون الدولي”.

ولفت إلى أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي لا ترغب في اتخاذ خطوات منحازة إلى جانب أرمينيا، بسبب علاقاتها الثنائية الطيبة مع أذربيجان، واستطرد: “لذلك اكتفت المنظمة بدعوة طرفي النزاع إلى وقف إطلاق النار والتفاوض، لكنها لم تبذل أي محاولة لمنع أذربيجان من التقدم”.

منظمة معاهدة الأمن الجماعي تأسست عام 1992، وتضم 6 من دول الاتحاد السوفييتي السابق، هي روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأرمينيا.

وعن موقف روسيا، أوضح غولر أنه رغم الخلافات والصراعات على خط موسكو- يريفان، فإن روسيا اتبعت سياسات لصالح أرمينيا، معتبراً أن الصراع الأخير شهد تغيّراً طفيفاً في السياسة الروسية، قائلاً: “موسكو لم تعمل على وقف الصراع، في خطوة رآى فيها مراقبون أنها تسعى لمعاقبة رئيس الوزراء باشينيان على سياساته المحابية للغرب”.

وأضاف: “منذ فترة طويلة وإدارة الكرملين تشعر بعدم الارتياح من الحكومة الأرمينية ورئيسها نيكول باشينيان وسياساته، إلا أن روسيا استمرت في دعم الإدارة الأرمينية رغم ذلك”، وذكر أن موسكو تقف إلى جانب يريفان في جميع نزاعاتها تقريباً مع باكو، لاسيما خلال نزاع توفوز الأخير، عبر إرسالها الأسلحة إلى أرمينيا، كما قال الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وقتها.

وذكر الخبير التركي أن باشينيان يسعى لإقحام تركيا واتهامها بالتدخل إلى جانب أذربيجان في الميدان، معتبراً أن هذا المسعى يهدف لإبعاد الأنظار عن خطوات أذربيجان المشروعة، والتستر على خسائر حكومته جراء مواصلة سياسة الاحتلال لأراضي دولة جارة.

وبحسب غولر، أرادت أرمينيا عبر استفزازاتها العسكرية التي أشعلت فتيل الأزمة الجديدة القديمة في جنوب القوقاز، توجيه رسالة إلى تركيا، الشقيق الأقرب لأذربيجان بالمنطقة، مضيفاً: “لاسيما أن العلاقات التركية الأذربيجانية تقوم على مبدأ (شعب واحد في بلدين)”.

ولفت إلى أن الاعتداءات العسكرية الأرمينية الأخيرة، لاسيما التي استهدفت منطقة “توفوز” شمال غربي أذربيجان (بين 12- 16 يوليو/تموز الماضي)، وما أعقبها من استفزازات أخرى، كان الهدف من ورائها مشاريع الطاقة التركية الأذربيجانية بالمنطقة.

وهنا تبرز أهمية منطقة توفوز على أمن إمدادات الطاقة لتركيا، خصوصاً أنها تشكل ممراً لخط أنابيب نقل النفط والغاز “باكو- تبليسي- جيهان”، وكذلك خط السكك الحديدية الرابط بين أذربيجان وتركيا عبر جورجيا، وأضاف غولر: “هذا الممر وفّر لتركيا أكثر من 20% من احتياجاتها في مجال الطاقة خلال العام الماضي، وهذا المعدل مستمر في الارتفاع”.

ويتكون إقليم “قرة باغ” من المنطقة الجبلية التي تقع بين نهري كورا وآراس في أذربيجان، وبحيرة غوكتشه، داخل حدود أرمينيا والسهول المتصلة بها، وكذلك من مقاطعات آغدام، وكلبجر، ولاتشين، وجبرائيل، وفضولي، وقبادلي، وزنغلان.

أما “ناغورني قرة باغ” (قرة باغ الجبلية) فهي تقع ضمن 4392 كيلومتراً من “قرة باغ”، أي مساحة ما يقرب من 18 ألف كيلومتر مربع، وتتكون “ناغورني قرة باغ” من مركز خانكندي، ومقاطعات أخرى مثل وشوشا، ومارتاكيرت (آغدره)، وخوجاوند، وخوجالي وغيرها.

ويوجد في “قرة باغ” العديد من الموارد والثروات المعدنية كالذهب، والفضة، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي، والسياسي، والذي يمكنها من السيطرة والتحكم في أرمينيا وإيران، وفي عام 1923 تمت التوصية بمنح “ناغورني قرة باغ” حكماً ذاتياً من الناحية الإدارية، بسبب وجود سكان أرمن في المنطقة، والذين استقروا فيها وسكنوها أثناء حكم جوزيف ستالين للاتحاد السوفييتي منتصف عشرينيات القرن العشرين.

وهكذا أصبحت “ناغورني قرة باغ” مقاطعة مستقلة ترتبط بأذربيجان في فترة الاتحاد السوفييتي (الذي تفكك نهاية عام 1991)، وحافظت المنطقة على استقلالها لسنوات طويلة، وفي الفترة الأخيرة من وجود الاتحاد السوفيتي طُرح وضعها للمناقشة، وأثير الجدل حولها.

وقرّرت إدارة هذه المنطقة الانفصال عن إدارة أذربيجان بحجة وجود سكان أرمن فيها، الأمر الذي اعتبرته أذربيجان باطلاً، وأعلنت إدارة الاتحاد السوفييتي أنه لا يمكن تغيير حدود أذربيجان وأرمينيا، ولكن كان رد الأرمن أن زادوا من أنشطتهم لفصل “ناغورني قرة باغ” عن أذربيجان.

وتولى المجلس السوفييتي الأعلى إدارة “قرة باغ” لفترة، وفي 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، قرر إنهاء الحكم الذاتي لـ”ناغورني قرة باغ”، وإعلان ارتباطها بأذربيجان، أما أرمينيا فقد قررت في الأول من ديسمبر/كانون الأول 1989 ضم “قرة باغ” لأراضيها من جانب واحد.

وبناءً على هذه القرارات زادت أرمينيا من هجماتها على الأذربيجانيين في خانكندي عاصمة “ناغورني قرة باغ”، وبدأت باحتلال “ناغورني قرة باغ” وما حولها، مستفيدة من دعم روسيا لها، وعدم جاهزية أذربيجان للحرب، وفي عام 1991 أعلن الأرمن انفصالهم عن أذربيجان، ثم أعلنوا قيام “جمهورية ناغورني قرة باغ”، وفي تصاعد لحدة التوتر في المنطقة قام الأرمن، في 28 ديسمبر/كانون الأول 1991، باحتلال خانكاندي وسط “ناغورني قرة باغ”، بعد هجمات استمرت لأيام.

وبعد ذلك وقعت العديد من المجازر والاحتلال في مدينة خوجالي، التي لا يزال ألمها حاضراً في قلب العالم التركي إلى الآن، في مشهد يوصف كوصمة في تاريخ البشرية جمعاء، ففي 25 فبراير/شباط 1991، كثف الأرمن من هجماتهم التي استمرت لشهور، وقاموا ليلاً بالهجوم على المنطقة من ثلاث جهات، وذلك بمعاونة الفرقة العسكرية “366” مشاة آلية، التابعة للجيش الروسي في خانكاندي.

ولم يكتفِ الأرمن بالاحتلال فقط، وإنما ارتكبوا واحدة من أكثر المجازر دموية في القرن العشرين، بقتل المدنيين، وتعذيب الأسرى بوحشية، وقُتل في هذا الهجوم 613 فرداً من بينهم 63 طفلاً و106 نساء، بحسب تقرير للأناضول.

وفي السابع من مايو/أيار من عام 1992، وقّع كل من رئيس أذربيجان وأرمينيا اتفاقية لحل هذه الأزمة في إيران، ولكن بعد هذا بيوم واحد فقط احتل الأرمن شوشا، وهي واحدة من أهم النقاط الاستراتيجية في المنطقة، واستشهد ما يقرب من 200 أذربيجاني تركي، وجُرح 150 آخرون في شوشا، هذه المدينة التي أطلق عليها الزعيم الأذربيجاني الراحل حيدر علييف لقب “مدينة النُّصب التذكارية”.

وقعت لاتشين تحت الاحتلال الأرميني، في 18 مايو/أيار 1992، وهي مدينة تنعم بالموارد الطبيعية، وموارد المياه المعدنية الوفيرة، وتمتلك لاتشين أهمية استراتيجية بسبب وجودها على الطريق الذي يربط “ناغورني قرة باغ” بأرمينيا، ونتيجة للغارات الجوية والاشتباكات المسلحة انهارت العديد من المنازل، ونُهبت المدينة ومُحيت القرى، ووقع ما لا يقل عن 164 شهيداً.

وقامت القوات الأرمينية باحتلال خوجاوند، في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 1992، واستشهد 145 تركياً أذربيجانياً، من بينهم 13 امرأة و13 طفلاً، ودمر حوالي 1732 منزلاً في هذه الأحداث، كما قامت القوات الأرمينية باحتلال “كالبجار”، المعروفة بمياهها المعدنية العلاجية، في الثاني من أبريل/نيسان 1993، وأثناء الاحتلال استشهد 511 تركياً أذربيجانياً، أما مارتاكيرت فقد احتلتها القوات الأرمينية، في 7 يوليو/تموز 1993، وهي واحدة من أهم المراكز الزراعية في “ناغورني قرة باغ”.

في الثالث والعشرين من يوليو/تموز 1993، احتلت القوات الأرمينية المسلحة آغدام، واستشهد فيها 5897 تركياً أذربيجانياً، جاؤوا من مدن مختلفة للدفاع عن المدينة، وكان نوري باشا، قائد الجيش الإسلامي في القوقاز، قد قام بإنقاذ باكو من العصابات الأرمينية والقوات البلشفية (السوفييتية) عام 1918، وتوجه إلى آغدام ورفع العلم الأذربيجاني عليها ثم توجه إلى شوشا.

وفي الثالث والعشرين من أغسطس/آب 1993، احتلت القوات الأرمينية جبرائيل، واستشهد فيها 362 تركياً أذربيجانياً، وهي معروفة بأنها منطقة مهمة ذات موارد جوفية غنية، واحتلت القوات الأرمينية محافظة فضولي أيضاً، في 23 أغسطس/آب 1993، واستشهد أكثر من 1100 تركي أذربيجاني، ولكن بعد احتلالها قام الجيش الأذربيجاني بتحرير جزء منها.

وقام الأرمن، في 31 أغسطس/آب 1993، باحتلال قوبادلي التي تقع بين جبال زانغيزور، و”ناغورني قرة باغ”، واستشهد 283 فرداً أثناء الدفاع عن المدينة، أما عن زنغيلان فهي آخر منطقة احتلتها القوات الأرمينية، في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1993، وبعد احتلال المناطق المجاورة، اضطر المدنيون هناك لعبور نهر آراس إلى إيران خوفاً من حدوث مجزرة جديدة كما حدث في خوجالي.

وإجمالاً كانت حصيلة احتلال أرمينيا لـ”قرة باغ” استشهاد حوالي 20 ألف تركي أذربيجاني، وجرح أكثر من 100 ألف آخرين، ونتيجة للاعتداءات على المدنيين فقد تجاوز عدد اللاجئين والمهاجرين اليوم مليوناً ونصف المليون فرد، ونتيجة للدمار الذي لحق بالبنية التحتية والمؤسسات التي يستخدمها المدنيون في المنطقة فقد تضرر ما يقرب من 7 آلاف مكتب حكومي، و750 مدرسة، و680 مركزاً طبياً، وما يزيد على مليون هكتار من المنطقة الزراعية.

وفي إطار سعي الجيش الأرميني إلى القضاء على الوجود الثقافي للأتراك الأذربيجان في الساحة التاريخية، تم تدمير 950 مكتبة، و44 معبداً، و9 مساجد، وتشير التقديرات الأولية إلى أن الخسائر المادية التي أحدثتها أرمينيا في المنطقة تتجاوز 320 مليار دولار، مع استمرارها في الاحتلال متجاهلة كافة القوانين الدولية.

واعتمد مجلس الأمن الدولي 4 قرارات عام 1993، وهي القرارات (822 و853 و874 و884)، ودعت جميعها أرمينيا إلى سحب قواتها فوراً من “قرة باغ” وبعض الأراضي المتاخمة لها، لكنها لم تستجب لذلك.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى