تقارير وملفات إضافية

كيف ردت حماس على منتقدي عزائها في سليماني؟ وهل تُورطها إيران في عملية الانتقام؟

إضافة إلى الجدل الذي أثير حول العزاء الحار لـ «حماس» في رحيل قاسم سليماني ومشاركة رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية في تأبينه، فإن هناك تساؤلاتٍ أهم أثارها اغتيال سليماني، أبرزها: هل تتشجع إسرائيل بالعملية الأمريكية وتقوم بتصفية قيادات المقاومة الفلسطينية؟ وهل تُورط إيران حماس في الانتقام لسليماني؟

على المستوى الاستراتيجي، فقد دقت الجرأة الأمريكية باستهداف شخصية بهذا الوزن الثقيل، ناقوس خطر لدى الفصائل الفلسطينية بأن تتشجع إسرائيل على اغتيال قيادات الصف الأول للفصائل الفلسطينية، وترفع وتيرة المواجهة الإسرائيلية-الفلسطينية.

أما على المستوى الشعبي، فقد أثير جدل بسبب تعزية حماس في اغتيال سليماني، ومشاركة قيادتها الأولى في مراسم تشييعه، وعاد الجدل القديم الجديد حول طبيعة علاقتها بإيران، حتى إن شبكات التواصل أغفلت بعض الوقت التبعات العسكرية الاستراتيجية للاغتيال، وانشغلت بمستقبل علاقة حماس بإيران، بين مؤيد ومعارض.

إسماعيل رضوان، القيادي بـ «حماس» ووزير الأوقاف الأسبق، قال لـ «عربي بوست»، إن «المقاومة تتحسب لأي حماقة إسرائيلية باغتيال أي من قياداتها السياسية والعسكرية، فمثل هذه الخطوة ستغير قواعد الاشتباك، وستضطر المقاومة إلى الرد بصورة قوية على إسرائيل، وإن لم يكن رد جدي وحقيقي على اغتيال سليماني، فإن إسرائيل والولايات المتحدة ستتشجعان على اغتيالات أخرى قادمة».

وأضاف رضوان، الذي زار إيران عدة مرات في السنوات الأخيرة، أن «أي اغتيال إسرائيليٍّ لقيادات فلسطينية سيعيد تجديد القاعدة المتفق عليها بين مختلف فصائل المقاومة وهي: القصف بالقصف والدم بالدم، لأنها اللغة الوحيدة التي يفهمها الإسرائيليون، مع أننا نعتقد أن الاحتلال الإسرائيلي لا يُؤمَن جانبه، وقد يقْدم على ممارسات؛ لخداع المقاومة وتضليلها، لذلك نحن نأخذ احتياطاتنا الكاملة لأي سيناريو مفاجئ، ومن ضمن ذلك التنسيقُ مع مختلف فصائل المقاومة وبقية أطراف محور المقاومة في المنطقة».

عبدالستار قاسم، أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية في الضفة الغربية، قال لـ «عربي بوست»، إن «إقدام إسرائيل على اغتيالات في صفوف القيادات الفلسطينية وارد جداً، لأنها قد تتشجع بعد اغتيال الولايات المتحدة لسليماني، وقد يكون لإسرائيل الدور الأكبر في اغتياله، لكنها فضَّلت الاختباء خلف أمريكا، لتجنُّب الرد الإيراني، وإعطاء الموضوع بُعداً دولياً تنخرط فيه دول عظمى، وليس ثنائياً إسرائيلياً-إيرانياً فحسب، مع أنها لم تتوقف عن اغتيالات الفلسطينيين، لكنها قد ترتقي مستقبلاً إلى اغتيالات في القيادات الأولى لفصائل المقاومة».

كما في كل حدث يخص حماس وإيران، انقسم الفلسطينيون والعرب في تقييم هذا الحدث، وانطبق الأمر على تعزية حماس في اغتيال سليماني، ووصف إسماعيل هنية، زعيم حماس، له بـ «شهيد القدس»، فقد خرجت مواقف فلسطينية وعربية ترفض هذه التعزية، بزعم أن الجنرال الإيراني متورط في قتل العراقيين والسوريين واليمنيين، من المسلمين السُّنة، ومن ثم فإن دعمه للمقاومة الفلسطينية لا يغفر له خطاياه تلك.

وامتلأت شبكات التواصل منذ اغتيال سليماني حتى كتابة هذه السطور، بتغريدات ومنشورات، بين مؤيد ومعارض لموقف حماس في الترحم على سليماني، والإشادة بمناقبه ودوره الداعم للمقاتلين الفلسطينيين.

رضوان لم يشأ الدخول في سجال الرد على منتقدي تعزية حماس في اغتيال سليماني أو مشاركة هنية في تشييعه، لكنه اكتفى بالقول إن «حماس وفيَّة لحلفائها، وحماس بجناحيها السياسي والعسكري، حظيت بدعم سليماني، الذي حرص على توفير الإسناد اللازم لها، ووقف معها، ولذلك يأتي موقفنا المتضامن مع إيران كجزء من الوفاء لها، ورفضاً للجريمة الأمريكية، وتنسيقاً لمواقف محور المقاومة للتعامل مع المرحلة القادمة، وتأكيد استمرار دعم المقاومة رغم اغتيال سليماني».

«عربي بوست» اطلع على عشرات المنشورات والتغريدات على شبكات التواصل والتي علقت على هذه القضية الشائكة، فوجد أن مؤيدي حماس اعتبروا أن الحركة تنطلق في علاقتها بإيران من نظرتها إلى القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية، وهو ما يجعلها تلجأ إلى أخذ المعونة من إيران، بسبب الحصار الشديد الذي تتعرض له، في حين أن مَن حول حماس لديهم ازدواجية في النظر، وعدم التفهم لما تفعله الحركة.

أما معارضو حماس، ومنهم بعض أنصارها من العلماء والمثقفين الفلسطينيين والعرب، فقد رفضوا تسويغ علاقتها بإيران بأنها تساند الفصائل الفلسطينية بالمال والسلاح ضد إسرائيل، واعتبروه تبريراً مرفوضاً، ولا يُجيز التعزية في سليماني، ووصفه بالقائد الشهيد، فجرائمه لا تقل عن الجرائم الإسرائيلية، ووصل الأمر ببعضهم إلى اتهام حماس بفقدان البوصلة، لأنها تعزي في مجرم قاتل طائفي، وبذلك تفقد حاضنتها الشعبية.

وأوضح عبدالستار قاسم، أستاذ العلوم السياسية، أن «الانتقادات الموجهة إلى حماس على خلفية تعزيتها في سليماني، وزيارتها لإيران، لا تتوقف، ومصدرها ذوو الميول الإسلامية السلفية بسبب خلافاتهم مع إيران، خاصة في سوريا، رغم أن زيارة هنية الحالية تطوي صفحة الخلاف نهائياً بينهما، وتفتح صفحة جديدة بعلاقتهما، مع أن دعم المقاومة الفلسطينية ليس مرتبطاً بشخص سليماني، رغم أهميته، لأن إيران الدولة هي من تقرر استمرار هذا الدعم».

وترى حماس أنَّ تقاربُها مع إيران، ولعل اغتيال سليماني سيزيد منه، يأتي بعد أن تخلت الأنظمة العربية عنها، وهو ما يجعل من حقها أن تلجأ إلى أي طرف يدعمها، ولئن كان الفلسطينيون والعرب عاطفياً ليسوا مع تعزية حماس في سليماني، لكن الحركة مُحاصَرة في غزة، وعلى قوائم الإرهاب بعدة دول عربية، ويُعتقل مناصروها، وممنوع عنها الدعم المالي، فلم تجد غير إيران، ولذلك قبل لوم حماس، مهمٌّ أن يلوم المعارضون لخطوتها الدول العربية التي «باعت» المقاومة منذ زمن!

في حين يعتبر المعارضون أنّ دعم إيران لـ «حماس» بالسلاح ليس حباً في سواد عيون الحركة، وإنما لتبييض صفحة إيران السوداء في عيون شعوب المنطقة، بسبب تورطها في سفك دماء سكانها.

محمد العيلة، المحلل السياسي الفلسطيني، قال لـ «عربي بوست»، إن «تعزية حماس في سليماني أخذت حيزاً واسعاً من الجدل في الأوساط الفلسطينية والعربية والإسلامية، بين نقد وتبرير وتنظير، وبات مصاحباً لأي ممارسة حمساوية في إطار علاقتها مع إيران، منذ ترميم علاقتهما بعد الشرخ الذي أصابها إثر خروج حماس من سوريا في 2012، مع أن مبررات علاقتهما لا تنحصر في الجوانب المالية والتسلحية على أهميّتها، لكن هناك حالة من الانسجام بينهما لأسباب عديدة سياسية وأيديولوجية، رغم تباين مواقفهما في عدة ملفات إقليمية».

لا يبدو أن المقاومة الفلسطينية بصدد الانتقام لاغتيال سليماني بهجمات مسلحة نحو إسرائيل، فالاغتيال حدث كبير، وكبير جداً، وقد لا تجدي معه الردود الانفعالية، لكن في حال تعرضت إيران لضربات أمريكية وإسرائيلية بعد أن تنتقم لاغتيال قائدها العسكري، قد تضطر جبهتا جنوب لبنان وجنوب فلسطين إلى دخول هذه المعركة الواسعة، التي ستكون معركة كل المحور الذي تقوده إيران، وليس طرفاً واحداً بعينه، فهل تُورط إيران حماس في الانتقام لسليماني؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى