تقارير وملفات إضافية

كيف تحولت تركيا وروسيا من غريمين إلى شريكين يحددان مصير المنطقة؟ أوباما هو السبب

بينما كانت الولايات المتحدة وإيران على شفا دخول حربٍ ضد بعضهما في العراق، التقى رئيسا تركيا وروسيا رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين في إسطنبول في 8 يناير/كانون الثاني الجاري لإطلاق خط أنابيب الغاز «تركستريم»، وإعلان اتفاقٍ جديد لوقف إطلاق النار بليبيا، في لقاء يظهر المدى الكبير الذي وصل إليه تطور العلاقات التركية الروسية وكيف أنها باتت تعيد صياغة الشرق الأوسط.

وبعد ذلك بيومين، أعلنت موسكو وأنقرة أنهما توصلتا إلى اتفاق آخر لوقف إطلاق النار في محافظة إدلب السورية، التي تعد آخر معاقل قوات المعارضة في سوريا والتي كانت تواجه احتمالية التعرُّض لهجومٍ من قوات برية موالية لبشار الأسد بدعمٍ جوي روسي.

ويأتي هذا اللقاء الأخير بين بوتين وأردوغان وسط توترات متصاعدة بين أنقرة وواشنطن، الحليفتين منذ فترة طويلة في حلف شمال الأطلسي (الناتو). إذ اعترضت الولايات المتحدة اعتراضاً غاضباً على قرار تركيا شراء منظومة S-400 للدفاع الجوي من روسيا والعملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا.

فيما هدَّدت حكومة أردوغان بإغلاق قاعدتين عسكريتين أمريكيتين كبيرتين في تركيا إذا أقرَّ الكونغرس حزمة عقوبات مُرتقبة منذ فترةٍ طويلة ضد أنقرة.

فما تأثير الشقاق المتنامي بين الولايات المتحدة وتركيا على روسيا؟ وهل يمكن لموسكو وأنقرة تحويل تعاونهما المزدهر إلى شراكة كاملة؟ أم أنَّ خلافاتهما بشأن سوريا وليبيا ستكون شديدةً جداً لدرجة أنها ستمنع ذلك؟ حاورت مجلة The National Interest الأمريكية بعض الخبراء الأتراك والروس لمعرفة وجهات نظرهم بشأن هذه الأسئلة.

في حفل افتتاح خط الأنابيب، وصف بوتين روسيا وتركيا بأنَّهما قوتا حفظ الاستقرار في الشرق الأوسط، الذي ما زال يترنَّح من تبعات اغتيال اللواء الإيراني قاسم سليماني على يد الولايات المتحدة.

وقال آنذاك: «نعيش في عالم معقد، ومع الأسف، ففي المنطقة التي نوجد فيها، نشهد مزيداً من الدلائل على أن الوضع يزداد تفاقماً. لكنَّ تركيا وروسيا تصيغان سلوكاً مختلفاً تماماً يُقدِّم مثالاً للتفاعل والتعاون لمصلحة شعبينا وشعوب أوروبا والعالم بأسره».

جديرٌ بالذكر أنَّ خط أنابيب تركستريم يعد جزءاً من جهود روسيا الرامية إلى زيادة صادراتها من الغاز إلى أوروبا. إذ سينقل الخط حوالي 31.5 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً إلى تركيا وجنوب أوروبا عبر البحر الأسود. ومن جانبها هدَّدت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الشركات التركية المُشاركة في مشروع ترك ستريم، بحجة أنَّ خط الأنابيب يعزز اعتماد أوروبا على روسيا في مجال الطاقة.

وكذلك عَرَض بوتين وأردوغان التوسُّط لإبرام هدنةٍ بين الأطراف المتحاربة في ليبيا دخلت حيز التنفيذ في منتصف ليل يوم 12 يناير/كانون الثاني الجاري. ويُذكَر أنَّ روسيا وتركيا برزتا في الأشهر الأخيرة بصفتهما طرفين فاعلين رئيسيين في الصراع الليبي المستمر منذ ثماني سنوات.

إذ تدعم أنقرة حكومة فايز السراج المعترف بها من الأمم المتحدة في العاصمة الليبية طرابلس، وكذلك صوَّت البرلمان التركي في وقتٍ سابق من الشهر الجاري على تأييد إرسال قواتٍ تركية لمساعدة السراج. ومع أنَّ موسكو لا تُعلن دعمها رسمياً لحكومة شرق ليبيا التي يقودها خليفة حفتر، فقد ظهرت تقارير عن وجود مرتزقةٍ روس يقاتلون إلى جانب قوات حفتر.

وصحيحٌ أنَّ حفتر رفض في البداية اتفاق وقف إطلاق النار، لكنَّه تراجع في نهاية المطاف بعد بضعة أيام. وفي يوم الإثنين الماضي 13 يناير/كانون الثاني، وصل حفتر والسراج إلى موسكو لإجراء محادثات سلام.

وحضر أردوغان وبوتين مؤتمر برلين لتسوية الأزمة الليبية، والتوصل إلى ترتيبات لوقف إطلاق النار في البلد المنكوب.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ العلاقات بين روسيا وتركيا، اللتين كانتا غريمين لدودين، شهدت انتعاشةً على مرِّ السنوات القليلة الماضية، بعدما كانت هناك خلافات بين البلدين، أبرزها الموقف من سوريا.

ولكن كان هناك نقطة تحول في العلاقات التركية الروسية عندما ترك الرئيس الأمريكي باراك أوباما تركيا حليفة بلاده والعضو البارز في حلف الأطلنطي في مواجهة أزمة مع روسيا بسبب سوريا.

إذ رفض الرئيس الأمريكي السابق بيع تركيا أنظمة صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ والطائرات رغم أن الدور التركي في دعم الثوار السوريين تم بتنسيق معروف مع الأمريكيين والأوروبيين ودول الخليج.

بل وسحبت عدة دول أعضاء بالناتو صواريخ باتريوت من تركيا في أوج التوتر مع روسيا، رغم مخالفة ذلك لميثاق الناتو الذي يعتبر أمن أي عضو جزءاً من أمن باقي الأعضاء.

وتصاعدت الأزمة مع انتهاك الطائرات الروسية للمجال الجوي التركي، وهي الأزمة التي وصلت ذروتها بإسقاط أنقرة لطائرة روسية انتهكت أجواءها.

وفي مواجهة موقف حلفائها المتخاذل، حدث تقارب تركي روسي، بدأ بمحاولة وضع خارطة طريق لحل الأزمة السورية عبر ما يعرف بمفاوضات أستانة.

كما أبرمت تركيا صفقة لشراء منظومة S-400 الروسية المتطورة للدفاع الجوي، وقد وصلت أول شحنة منها بالفعل في الصيف الماضي. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقَّع بوتين وأردوغان اتفاقاً لتطهير شمال شرق سوريا من الميليشيات الكردية وإنشاء منطقة دورياتٍ مشتركة بينهما.

وأثارت الشراكة المزدهرة بين موسكو وأنقرة قلقاً في واشنطن. ففي 11 ديسمبر/كانون الأول الماضي، اتهم وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر تركيا بالانسحاب من مسار حلف الناتو لمصلحة التعاون مع روسيا.

وفي اليوم نفسه، صوَّتت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ على تأييد مشروع قانون لفرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها منظومة S-400 الروسية وعمليتها العسكرية في شمال شرق سوريا. وتشمل بعض البنود الرئيسية للقانون فرض عقوباتٍ على مسؤولين أتراك بارزين، وعقوباتٍ على أحد البنوك التركية الكبرى، وقيودٍ على مبيعات الأسلحة إلى تركيا، وتقرير عن صافي ثروة أردوغان وعائلته.

ومن جانبه ردَّ أردوغان بغضبٍ على العقوبات المحتملة. وحذر من أنَّ تركيا، في حال إقرار مشروع القانون، ستطرد القوات الأمريكية من قاعدة إنجرليك الجوية، التي تضم حوالي خمسين صاروخاً نووياً أمريكياً، وقاعدة كورجيك، التي تضم محطة رادار تابعة لحلف الناتو.

وذكر مسعود كاشين، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة يدي تبه في إسطنبول، أنَّ تهديدات الرئيس التركي ليست مجرد وعيد فارغ. وقال لي إنَّ العقوبات يمكن أن تُحدِث «تأثيراً زلزالياً» في التحالف الأمريكي التركي المستمر منذ عقود.

وأضاف: «إذا فرضتم علينا هذه العقوبات، فقد تُقرِّر تركيا إغلاق قاعدتي إنجرليك وكورجيك. هذا هو الواقع».

لكنَّ ردَّ تركيا من المستبعد أن يقتصر على ذلك. إذ أوضح كاشين أنَّ تركيا سترد على الضغط الأمريكي المتزايد بالتقرُّب إلى موسكو وطهران. وذكر أنَّ بعض الخيارات الفورية التي قد تتخذها تركيا تتمثل في إبرام صفقةٍ لشراء طائرات مقاتلة روسية من طراز Su-35 وشراء المزيد من مُحرِّكات الطائرات من روسيا.

وقال: «حتى إذا خسرت تركيا، فالولايات المتحدة ستعاني أشد الأضرار (من العقوبات)».

ومع ذلك، هناك شكوك كبيرة في موسكو بشأن استعداد أنقرة للانفصال عن الغرب بالفعل.

إذ قال قال فيودور لوكيانوف رئيس تحرير القسم الخاص بروسيا في مجلة Global Affairs الأمريكية: «لا أعتقد أنَّ هناك أي شخص في روسيا يتوقع بجديةٍ أن تتخلى تركيا عن التزاماتها تجاه حلف الناتو وأن تقطع تحالفها مع الولايات المتحدة. لم أسمع أي شخص يعتقد أنَّ هذا ممكن».

وأكَّد لوكيانوف أنَّ خلاف أردوغان مع واشنطن حول منظومة S-400 لم يكن متعلقاً برغبته في التحالف مع روسيا بقدر رغبته في إظهار استقلال سياسة تركيا الخارجية. ومع ذلك، يعترف لوكيانوف بأنَّ تحركات أنقرة الأخيرة تتيح فرصةً لموسكو للاقتراب من الحليفة الأمريكية القديمة.

وقال: «تقرُّب تركيا إلى روسيا ليس وهماً على الإطلاق. لكنَّ مسألة أن تركيا تتغير، وأنها تشعر بأنها مقيدة داخل الناتو، فهذا واضح».

وبالرغم من الخلافات القائمة منذ فترة طويلة بين روسيا وتركيا، والتي احتدمت في بعض الأحيان، بشأن الحرب الأهلية السورية، كثَّف الجانبان تعاونهما في إدارة النزاع. ويرى لوكيانوف أنَّ هذه الشراكة الجديدة تُعد زواجاً بدافع الضرورة.

إذ قال: «السبب وراء (زيادة التعاون) ليس المصالح المشتركة أو الثقة المتبادلة بين الجانبين. ففي رأيي، لا توجد بينهما هذه ولا تلك. لكنَّ موسكو وأنقرة تُدركان أنَّهما لن تستطيعا تحقيق ما تريدانه في سوريا بدون بعض الإجراءات المشتركة والحلول الوسطية».

وأوضح كيريل سيمينوف، خبير شؤون الشرق الأوسط في مجلس الشؤون الدولية الروسي، أنَّ المخاطر أقل في ليبيا بالنسبة للبلدين، مؤكداً أنَّ بوتين وأردوغان حريصان كذلك على تجنُّب أي مواجهةٍ بينهما بشأن الوضع في ليبيا.

وقال: «روسيا تدعم حفتر، لكنَّها لا تدعمه بالقدر الذي يمنحه الانتصار. وعلاوة على ذلك، فموسكو تُدرك أنها لا تستطيع أن تمنحه الانتصار».

وأضاف: «ليبيا لا تُمثِّل مشكلةً كبيرة لروسيا وتركيا. بل هناك فرصةٌ لكلٍّ من روسيا وتركيا لتأدية دورٍ أنشط في الوضع الليبي. بل وربما تأملان كذلك في إخراج بلدان أخرى من إدارة النزاع الليبي باللعب مع بعضهما البعض».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى