آخر الأخباركتاب وادباء

كيفية تغيير واقع الأمة “الجزء الثاني”

من روائع الأديب الكاتب

د. محمد سعيد آل تركي

منهج التغيير:

نتحدث هنا عن النهضة والنهضويين في العالم الإسلامي لتغيير العالم الإسلامي، ولا نتحدث عن النهضويين ومنهج التغيير فيما يتعلق ببلدان غير المسلمين.

منهج التغيير هو الذي يعتمد في فكرته على أساس تغيير الواقع تغييراً جذرياً، انطلاقاً من أحد بلدان المسلمين في اتجاه باقي بلدان العالم، وتكون له السيادة في العالم أجمع.

منهج التغيير منهج انقلابي، وهو منهج للخروج من شيء والدخول في شيء آخر تماماً، وهو بمثابة نزع ثوب واستبداله بثوب آخر، وهو منهج لا يقبل أنصاف الحلول، وهو يعالج حالة الواقع في الأمة الإسلامية بدءاً من القواعد وانتهاءً بالرأس، وهو منهج كما يقال أصولي (راديكالي)، أي هو ليزيح الواقع الحالي بعقيدته ونظامه وقوانينه وحكامه ووزرائه، ويزيح كل المنتفعين من وراء حكوماته ويزيلهم من الوجود، ليبدله بواقع جديد، من منطلق أن الواقع الحالي من أساسه حتى رأسه واقع باطل ومرفوض، وليس له شرعية في البقاء أو الاستمرار في الحياة، لذلك لا بد لمن يعمل في النهضة أن يميز تماماً بين عمل التغيير وأعمال الإصلاح، وإلا فلن يدرك البر ولن يدرك البحر.

منهج التغيير في العالم الإسلامي هو أكثر شيء تكرهه أمريكا وأوروبا وأحلافهم، ويكرهه أولياؤهم من الحكام، وأكثر شيء يبغضونه ويحاربونه، وأصحاب التغيير من النهضويين فيه هم أعدى أعدائهم، وألد خصومهم، والشر المستطير الذي يهدد أمن الدول القومي الحاضر، ويهدد كياناته وتحالفاته، ويهدد وجودهم، فكان لا بد لهؤلاء أن يحشدوا كل قواهم الاستخباراتية، وقواهم الأمنية التي تطال دون رحمة الطفل الصغير والمرأة في بيتها، والشيخ الكبير، فهو أمر مصيري، حياة أو موت، لكل قوى الغرب والحكومات القائمة في البلدان الإسلامية.

إلا أن مناهج التغيير تختلف عند من يحاربها، فهناك مناهج تغيير مقبولة عندهم، كدعاوى التغيير أو الإصلاح الديمقراطية، ودعاوى الليبرالية (التحررية من الديكتاتورية ومن الدين)، وهناك مناهج مفتعلة، كدعاوى التغيير الشعوبية، الوطنية والقومية، وهناك مناهج تغيير مرفوضة جذرياً، كالدعاوى الإسلامية المسلحة، أي بالقوة والسلاح، وكمناهج التغيير العسكرية ذات الأصل القومي كالانفصال داخل الجيوش، وهناك مناهج تغيير إسلامية سياسية غير مسلحة تحظى ببغض وحذر وحرب شديدة من هؤلاء.

من أين يبدأ التغيير:

كون أن واقع مرحلة ما من الأزمان لها أصلها الذي قامت عليه ونشأت عليه، وعلى أساس هذا الأصل قامت كل الأفكار والأنظمة والمقاييس والقناعات عند الناس، فتحددت بهذه وتلك هوية العلاقات بين الناس وروابطهم، وتقررت حياتهم الاقتصادية، وتحددت كذلك به طبيعة عيشهم وهوية أعمالهم، وتحَدّدَ إنتاجهم ومستوى المعيشة عندهم، وكذا تحددت طبيعة الحياة والعلاقات التي تتأثر بالأوضاع الاقتصادية، وكذا أوضاعهم الصحية والنفسية والاجتماعية، وكل ما له علاقة بعيش الإنسان وحياته.

فكون أن الأصل في صورة الحياة بأكملها في حقبة من الزمن، هو العقيدة والأفكار، والأنظمة التي تنبثق من هذه العقيدة، إذن وجب أن تنصب عمليات التغيير كلها على هذا الأصل، فانطلاقاً من تغيير هذا الأصل، يتغير كل ما وراء ذلك، فإن كانت عقيدة من يعمل للتغيير الإسلامية ينتابها أي ثغرات عند أحدهم أو بعضهم، فالويل والثبور وعظائم الأمور، عليهم وعلى المجتمعات التي يطمحون لتغيير واقعهم.

لذا فإن النهضويين الذين يطمحون أو يعملون للتغيير وجب أن يعوا هذا الأمر، وأن يكون هذا هو ديدنهم للتغيير، وإلا أخذ عملهم صورة بين الإصلاح والتغيير، فلا يكونون هم الأسود ولا يكونون هم الطرائد، ويجب أن يعوا ذلك وإلا تحولت أعمالهم إلى مجال الإصلاح المضر، وهم يحسبون أنهم يعملون للتغيير، ويصبحون في حكم من ذكرناهم من أصحاب المنهج الإصلاحي.

إذن وجب على من يعمل للتغيير من النهضويين امتلاك بديل للواقع الذي يسعون لتغييره، ويجب أن يكون هذا البديل شاملاً كاملاً وافياً، يغطي انطلاقا من العقيدة جميع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والقضائية وغيرها، حتى إذا ما نجحوا بإزاحة الواقع الحالي استطاعوا أن يُحلوا مَحِله الواقع الذي يعملون لإيجاده.

ولن يكون البديل الذي يعده النهضويون ناجحاً ما لم تتوفر فيه شروط عديدة:

أولها: أنه لا بد أن يكون البديل معدّاً إعداداً جاهزاً للتطبيق، ومدروساً بعناية فائقة مستفيضة، دراسة عميقة مستنيرة، من علماء ربانيين ومتخصصين سياسيين واقتصاديين ومفكرين.

ثانياً: لا بد أن يكون هذا البديل معلوماً لكل فرد من أفراد النهضويين بعموميته وببعض تخصصاته، ليتضح لدى كل منهم المطلب وضوحاً تاماً، أما النهضويون بمجموعهم فيجب أن يكون لديهم متخصصين بارعين، كلٌ فيي مجال تخصصه، في كل جانب من جوانب الحياة، فعلماء في المبدأ، وعلماء في الاقتصاد وعلماء في السياسة، وعلماء في الإدارة، وعلماء في علم الاجتماع، وعلماء في التخطيط، ومفكرين ومبدعين وعلماء في الشريعة أي في النظام البديل، وعلماء عسكريين وسياسيين، وقادة محنكين، أي لا بد من وجود بدلاء لمن سيستبدلونهم حتماً من أصحاب القيادات وأهل الحل والعقد.

ثالثاً: إن البديل العقدي والنظامي للواقع الحالي يجب أن يكون عند النهضويين أنفسهم مكتوباً، ومدونة كل تفاصيله تدويناً لا يقبل التأويل أو التحريف، شاملاً جميع المعالجات التي يجب أن تكون قد تم إعدادها لعملية الانتقال من الواقع القديم إلى الواقع الجديد، في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإدارية وغيرها، حيث يجب أن تكون هذه المعالجات عميقة ودقيقة ومدروسة بعناية فائقة، وأن يكون هناك علم وتصور تام بالواقع الحالي وتبعات التغيير، حتى لا تقع الأمة الإسلامية في وحول من الفقر والحروب الأهلية، وانعدام الأمن، والتخبط والضياع وتمزق البلدان، وحصول المآسي.

هذا فيما يتعلق بتغيير واقع الأمة العقدي والنظامي، أي يجب أن يكون معلوماً لدى النهضويين ولدى من يعمل للتغيير، وحتى يجب أن يكون معلوماً لدى الأمة الإسلامية، يجب أن تكون هذه الجوانب معلومة في تغيير الواقع، أي يجب على الأمة الإسلامية أن تعي مطالبها على وجه الحقيقة، بدءاً من ضرورة التغيير وأهميته، ومروراً بالشيء الذي يتم التغيير به، وهو الإسلام بشموليته، وانتهاء بالصورة التي ينتهي إليها التغيير (وهو استئناف الحياة الإسلامية تحت راية دولة الإسلام العظمى – الخلافة).

قال الله تعالى في سورة الأنفال آية 53

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

وقال تعالى في سورة الرعد آية 11

لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ

وقال تعالى في سورة المائدة 48

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِيي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

وقال تعالى في سورة التوبة آية 109

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

وقال تعالى في سورة النور آية 55

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

الحركات والجماعات والأحزاب القتالية وعلاقتها بمنهج التغيير

لقد اندفع منذ عشرينيات القرن العشرين، مرحلة سقوط دولة الخلافة العثمانية، آخر معقل للإسلام، اندفع لإنقاذ الأمة وتغيير واقعها كثيرٌ من أبناء الأمة الإسلامية المخلصين، فمنهم من حمل السلاح بشكل فرديّ، ومنهم بشكل جماعي في هيئة جماعات أو أحزاب مسلحة، لطرد الكفار المستعمرين، ومنهم من نظر للأمر بعمق أكثر، فوجد أن لا سبيل لإزاحة الاحتلال بقوى مقاومة متفرقة وبسلاح خفيف، عدا أن الأمر لم يعد كما كان قبل سقوط الخلافة، جيش المسلمين يواجه جيش العدو تسانده قوى المقاومة من الخلف، وإنما هو جيش العدو بكل مؤسساته وتنظيماته، تواجهه قوى متفرقة غير منظمة، ومتعددة الأهداف ومتنوعة المشارب، ولا تصنع السلاح، وليست لها قوة سياسية أو قوة عسكرية متكافئة مع العدو، وليس هناك دولة أو جيش يدعم هذه المقاومة كما كان من قبل، لا من أمامهم، ولا من ورائهم.

توارث المسلمون روح الجهاد ومحاربة الأعداء المعتدين من القديم، ولا زالت هذه الروح وهذه العزيمة قائمة بالرغم من هزائم المقاومة المتعددة حديثاً أمام جيوش الكفر، وبالرغم من انحياز فريق من أبناء جلدتهم إلى عسكر جنود الاحتلال، أو انحيازهم إلى الجيوش التي كوّنها العدو المحتل للدول التي أقامها.

ثم بات الناس اليوم لا يجدون العدو المحتل أمامهم حتى يقاتلوه، وإنما وجدوا عدوهم محصناً بأبناء جلدتهم، فكان لا بد لهم من أحد ثلاث خيارات، إما العمل المسلح فيقاتلون أبناء جلدتهم، ومقاتلة الحاكم الذي يحكمهم، حتى يصلوا إلى عدوهم الأصلي المحتل، أو القبول بالأمر الواقع كخيار ثان، حيث أن الحاكم قد تترسن بجيش وقوات أمن وسلطان عظيم، أي القيام بأعمال تتأرجح بين العمل السياسي والعمل العسكري، وإما تجاوز الخيارين السابقين والاستسلام للأمر الواقع، والتوقف عن المقاومة المسلحة، والتحول إلى أفكار الإصلاح، والدعوة إلى العبادات والمواعظ، والقبول بالشبهات والحل الوسط، والنصيحة للحاكم الذي يحكم بالكفر، وما شابهها.

وبهذه المنهجية، وعلى أساسها تعرضت الأمة الإسلامية والعمل الإسلامي والعمل الدعوي إلى تجارب نهضوية كثيرة من شخصيات إسلامية كثيرة واعدة، لكن هذه التجارب قد تسببت في كوارث على أصحابها أولاً وعلى عامة الناس تالياً، وتسببت في إساءة السمعة للإسلام، وسمعة العاملين في مجال الدعوة، وعلى سمعة المجاهدين ثانياً، وخاصة أن هذه التجارب قد تكررت في البلد الواحد مرة أو مرتين، في مصر والجزائر والمغرب والشام ولبنان وأفغانستان والصومال وغيرها كثير، مما أنهك الشعوب الإسلامية في سبيل كفاحها ضد عدوها وفي سبيل نهضتها، وأصابها بكثير من الإحباط واليأس والاستسلام للواقع.

بالرغم من هذا كله ما زال الحنين إلى الجهاد في نفس كل مسلم عالياً، بالرغم من تعطل فريضته، وباتت الحاجة إليه قائمة لم تنم، وملحّة في الصدور، ومدوّية في الواقع المرير، ولذلك تتجدد الحركات النهضوية الجهادية مع كل جيل صاعد في العالم الإسلامي،، تبدأ فردية وتتطور إلى جماعية بالطبع، فالحنق يملأ صدورها، والشعور بالغبن يسود حالها، والذل والهوان والحياة المهينة مسائل يلمسونها في كل جوانب حياتهم الشخصية والاجتماعية والفكرية والسياسية.

لقد أصّل الطاقة الجهادية والدعوية التي تملأ روح المسلمين وساعد على تطورها، محاربة حكام المسلمين اليوم لأصحاب الرأي وللمجاهدين وللحركات الجهادية مجتمعين أو متفرقين، ومع تنامي هذا الشعور الجهادي مع الأيام، تنبه أعداء المسلمين من الأمريكان والأوروبيين إلى كيفيةٍ يستغلون فيها هذه الطاقة الجهادية عند المسلمين، ليستفيدوا هم منها، فكان ما كان من قصة محاربة الإتحاد السوفيتي على أرض أفغانستان في الثمانينيات، وطرد الروس على أيدي الشباب المسلم المجاهد، بعد هلاك عدد كبير منهم،، ثم بعد أن انتهى دور المجاهدين قامت أمريكا بالإيقاع بين الحركات الجهادية في أفغانستان، وكان ما كان من حروب بينهم، حتى ترجّحت كفة طالبان، بعد مساعدة أمريكا لها، ثم قامت أمريكا وحلفاؤها بالحرب على صنيعتها طالبان، وأودعت أكثرهم سجون غوانتنامو وغيرها، وقامت بملاحقة المجاهدين في أفغانستان والعالم الإسلامي حتى اليوم.

بعد هذه الأحداث كلها تعززت فكرة تكفير الحكام القائمين في العالم الإسلامي والتي كانت وما زالت تتبناها حركات نهضوية جهادية، تعتمد فكرتها على أن هؤلاء الحكام لا يحكمون بما أنزل الله، وبالتالي فهم كفار، ويعطلون أحكام الله، ويجب إزاحتهم، أي قتالهم ومقاتلتهم ليحل محلهم الحكم بالإسلام، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية مكانهم.

على أصل هذه الفكرة قامت أفكار متفرعة من هذه الفكرة، فالحكام المراد قتلهم أو مقاتلتهم تحيطهم عدة أسوار، أول هذه الأسوار علماء السوء والمفكرين الموالين، وسور ثان من ورائه من المنتفعين من النظام القائم والأنصار، وسور ثالث يليه من قوى الاستخبارات والمباحث، ثم سور رابع من قوى الأمن ومحاربة الإرهاب، ومن ورائهم سور خامس من قوى الجيوش الضاربة، فكان لا بد للحركات الجهادية أن تستصدر رأياً فيما يتعلق برجالات هذه الأسوار، فلم تجد ما تفتي به إلا بتكفيرهم جميعاً والأمر بإنزال السيف على رقابهم واستباحة دمائهم وأموالهم، حكمهم بحكم وليهم الحاكم، كما يرون.

وهنا بدأت فتنة لم تنته ولن تنته بنهاية أحد الطرفين، أو كلاهما، فلا القاتل من أحد الطرفين سيحظى بالانتصار، ولا المقتول سينهزم بهذه الكيفية، ولن يكون هناك تغيير تهنأ بثمرته الأمة الإسلامية على أنقاض القاتل أو المقتول، بل هو في أحسن أحواله تدمير وليس تغيير، وتعطيل لنهضة الأمة وتأخير.

هذا هو حال المجاهدين والحركات الجهادية الراغبة في التغيير، وهذا هو المنهج الذي تنحوه نحو التغيير، وفي الحقيقة أنها للأسف لا تمتلك منهجاً للتغيير خال من العيوب والأخطاء الشرعية، والذي يُكفّر فيه كثير من المسلمين العوام والخواص، وتحيط أعمالهم وبعض أفكارهم كثيرٌ من الأفكار والانفعالات المشاعرية والحماسية غير المنضبطة سياسياً أو شرعياً، بالرغم مما ذكرنا آنفاً من تحلي المجاهدين بالإيمان الصادق، والإخلاص والتضحية وطهارة النفوس.

يفتقد المجاهدون والحركات الجهادية والنهضوية الطامحة للتغيير إلى مقومات الحركة الناجحة والمؤهلة للتغيير، من أهم هذه المقومات النقاط التي ذكرناها آنفاَ، إضافة إلى أنه يفتقد أفرادهم “وحدة الفكر”، التي تعتبر عاملاً أساسياً في وحدة الحركة، ووحدة منهجها، وكذا وحدة هدفها، وهذا يتسبب بدوره في تمزقهم وتفرقهم، وتبدد همتهم وأعمالهم، وذوبانهم كمن سبقوهم.

وضع الجماعات الجهادية بهذه الكيفية المنهجية خطر عليها، بل قد يعرضهم هذا الوضع إلى خطر أكبر من هذا داخل الجماعة، فقد يتم اختراقهم بسهولة فكرياً أو استخباراتياً، فيتعرضون لبعض الدهاة من الأعداء (أياً كان هؤلاء الأعداء من داخل الحركة أو من خارجها) فيوجهونهم لأهداف غير التي رسموها أو كانوا مختلفين عليها أصلاً، أو لأهداف كانت غير مبلورة في فكرهم.

الأفراد والجماعات الجهادية بالكيفية التي وصفت وكونهم مقاتلين من الطراز الفريد، هدف سهل لاستغلال الدول لهم، من استخبارات الدول التي ينتمون إليها، أو من دول عالمية كأمريكا وأوروبا وروسيا، أو من أحزاب فيها، في تحقيق أهداف سياسية عالمية (كما حصل في أفغانستان)، أو تحقيق أهداف قطرية داخل الدولة، ويستغلونهم في تغدية روح الصراع بين أحد الزعماء الجهاديين وبين منافسيه الآخرين على الحكم، وهناك من الأمثلة الشيء الكثير في العراق وسوريا والصومال وأفغانستان وغيرهم.

لقد جعلت الجماعات الجهادية نفسها والإسلام لسوء كثير من التصرفات، هدفاً للإعلام الخبيث الذي صور الإسلام ورجالاته بمسميات عديدة إرهابية وهمجية وغيرها، ولا بأس من هذه التسميات في قاموسنا لو كان هناك هدف واضح مبلور بالإمكان الوصول إليه عاجلاً أو آجلاً.

قال الله تعالى في سورة محمد آية 14

أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ

وقال تعالى في سورة الملك آية 22

أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

وقال تعالى في سورة آل عمران آية 103

وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق