كتاب وادباء

كيفية تغيير واقع الأمة “الجزء الثالث”

الحركات والجماعات والأحزاب السياسية

من روائع الأديب الكاتب

د. محمد سعيد آل تركي

قبل أن نواصل الحديث عن قضايا التغيير ونستعرض العمل النهضوي الحالي في البلاد الإسلامية، يجب أن يدرك القارئ أننا لا نستعرض هذه المسائل من قبيل المعرفة الأكاديمية، وإنما لنبين للمسلمين المنهج الشرعي الصحيح الذي يجب أن يُتّبع للعمل من أجل الإسلام وإعادته إلى واقع الحياة، والمنهجية الصحيحة في كيفية طرد أعداء الله من بلاد المسلمين، وكيفية إعادة النهضة الصحيحة في جميع جوانبها الفكرية والاقتصادية والسياسية والإدارية والصناعية والزراعية والعسكرية والتقنية والعمرانية، وفي كل جوانب الحياة الأخرى.

وكذلك حتى نبين للمخلصين العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية المحاذير الشرعية التي يجب أن يتجنبوا الوقوع فيها، المحاذير التي يُظن خطأ انها موصلة للتغيير أو حتى إلى الإصلاح.

على كل حال فإن القناعة بالتغيير كما وصفنا باتت ماثلة في أذهان كل فرد في العالم الإسلامي، حتى ولو ضل بعضهم الطريق، أو جافى أكثرهم العمل المؤثر، أو سمّى بعضهم التغيير إصلاحاً.

لقد قامت بهذه القناعة أحزاب كثيرة جداً وجماعات تنتهج العمل السياسي في عملها، بعضها حر، وآخر منها شبه حر، والكثير منها مُختلقٌ من نفس حكومات وحكام البلاد الإسلامية، أو من دول الاحتلال، بعضها يدعي الإسلام وهو صادق، والآخر منها يدعي الإسلام نفاقاً، وغيرها يدعي الإسلام وقد يكون صادقاً، ولكنه ينتهج منهجاً سياسيا غير شرعي، وغير هؤلاء مسلمون بالهوية ولكن دعواهم غير إسلامية (وطنية أو قومية أو ديمقراطية، أو اشتراكية) أو منهجاً في ظاهره إسلامي ولكنه في حقيقته قومي يستخدم الإسلام قصداً للوصول إلى أهدافه.

لقد عجّت البلاد الإسلامية بالحركات والجماعات السياسية،(نتحدث هنا عن الأحزاب السياسية، ولا نتحدث عن الحركات القتالية) بعضها معلوم النشأة للعامة، وكثير غيرها مجهول النشأة لهم، فقد نشأت الجماعات والأحزاب السياسية الإسلامية الصادقة نشوءاً طبيعياً تفاعلياً مع سقوط دولة الخلافة في نهاية عهدها 1342هـ، 1924م، فمنهم من كُتب له النجاح، في اتخاذ القواعد الصحيحة الإيديولوجية الشرعية والتنظيمية والإدارية لإنشاء أحزابهم، وأكثرهم أخفق في ذلك، فكان الإخفاق لهم سبيلاً للتلاشي أو التمزق، أو السبيل للدخول في متاهات أخرجتهم عن المنهج الصحيح، وعن الوصول إلى الهدف المقرر في فكرتهم، فلم ينفع أفرادَهم إخلاصُهم وتفانيهم وتضحياتهم شيئاً.

الفكرة والطريقة والهدف:

ولتتضح الصورة نقف على أسباب إخفاق هذه الحركات السياسية، فإما أن فكرة الجماعة كانت غير واضحة وغير مبلورة، وتغلبت عليها الشعارات والعموميات في الأفكار، أو تغلب عليها عدم وضوح المطلب، وإما أن هدفهم كان غير محدد المعالم وغير مدروس بعناية، وإما أن طريقتهم كانت طريقة لا توصل إلى الهدف الذي رسموه لأنفسهم أو للأمة، لا من ناحية البناء والتكوين الحزبي، ولا من ناحية التنظيم الإداري، ولا من ناحية خلو أعمالهم من المحسوبيات، أو تكون الحركة وعلاقات أفرادها وقياداتها قد تلوثت بأموال معلومة أو مجهولة المصدر من أعداء متربصين أو مدسوسين أو غيرهم، فحصلت الفرقة بينهم وتم اختراق صفوفهم، فتحولت الحركة هذه أو تلك عن أهدافها المقررة إلى أهداف معلومة أو مجهولة جبراً أو اختياراً.

  1. السبب الأول لإخفاق الحركات السياسية:

كثير من الحركات التي نشأت انتابها مرض اسمه الاستسلام للأمر الواقع، أو السير في ركاب الأمر الواقع، إلى درجة أنها شكلت جسدها بقالب الأمر الواقع، فقامت تستمد أفكارها وترسم خططها أو تتعامل مع أمر النهضة كما رسمه لها الواقع، فوجدت هذه الحركات الإسلامية أو غيرها أن أفكارها الصحيحة وجب تغييرها لأنها لم تعد صحيحة، وخططها المرسومة وجب رسم غيرها، لأنها أدركت أن أفكارها ومنهجها وخططها تتسبب في التصادم مع الواقع، وخاصة في التصادم مع الحكومات القائمة، فقامت هذه الحركات أو الجماعات تتعامل مع الواقع وتغازله، وتشارك الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله في برلماناتهم ومجالسهم وخططهم وأفكارهم، متذرعة بذرائع كثيرة للانخراط مع الواقع وترك الثوابت المبدئية في الفكرة والمنهج، فانحرف مسار هذه الحركات انحرافاً باطلاً، وأصبحت هذه الحركات من جنس المرض الذي تشتكي منه الأمة الإسلامية، وحتى تُعطي هذه الحركات لنفسها والذرائع التي تتخذها مظهراً شرعياً، قامت بإلصاق بعض الآيات الكريمة أو الأحاديث الشريفة في ذيل هذه الذرائع، لتبرر صحة أفعالها وذرائعها.

2) السبب الثاني لإخفاق الحركات السياسية:

أما المرض الآخر فهو أن هذه الحركات عندما تعرضت لأولى التحديات (مع أمريكا وأوليائها من الحكام في المنطقة العربية والإسلامية) في سبيل الدعوة والنهضة بالأمة الإسلامية، عمدت إلى طرق أو أساليب تعتمد على فكرة الحل الوسط، وكان هذا منزلقا خطيراً في أعمالها، حيث أن فكرة الحل الوسط من أخطر الأفكار على الإطلاق، وعلى وجه الخصوص على حياة الحركات الإسلامية، كما هي خطرة على الدول والأفراد والجماعات، لأن فكرة الحل الوسط هي في حقيقتها فكرة يتنازل فيها أحد طرفين متصارعين عن شيء من مبدئه أو فكرته أو منهجه للطرف الآخر، مقابل أن يقوم الطرف الآخر بنفس الأمر، فتأخذ العلاقة التي بينهما وجهاً مخالفاً لدين هذا ومخالفاً لدين ذاك، وهذا ما قامت به بعض الحركات الإسلامية في ظروف صعبة وأحياناً في مفاوضات ماكرة بالتخلي عن أحكام شرعية وقواعد أصولية عقدية أو نظامية، مقابل أن يتسنى لها البقاء على قيد الحياة كما تتصور، وهكذا تبخّر مع هذا التنازل هدفُ الجماعة وتبخر معه كذلك المطلب الشرعي لها ولأفرادها، وباتت على الأمة والناس ضغثا على إبالة.

هذا التخلي عن الثوابت منشؤه خطأ الأفكار التي قامت على أساسها الجماعة، أو منشؤه انحراف المنهج، أو أسباب من التي ذكرنا آنفاً، حتى تتحول الحركة إلى أحد أصابع الحاكم الظالم التي يستخدمها لمصالحه ويتمحك بها أمام شعبه، شأنهم في ذلك شأن علماء السوء، حيث يقوم الإعلام والحكام وغيرهم بإشهارهم والثناء عليهم في كل مناسبة، وتسميتهم بأجمل المسميات، كالمعتدلين والوسطيين، وتقوم الحكومات بتسهيل مصالحهم، وعدم التعدي على حساباتهم البنكية بالتهديد أو التجميد، هذا إن لم تقم أمريكا والحكام أنفسهم بدعمهم مادياً.

3) السبب الثالث لإخفاق الحركات السياسية:

أما المرض الرئيس العضال فهو ما قامت بها أكثر الجماعات الإسلامية الناشئة بجعل الواقع مصدر أفكارهم، ولم يجعلوا الإسلام هو مصدر فكرة نشوئهم وقيادتهم الفكرية، ومقياس أعمالهم، بل هم وجدوا واقعاً كما نشاهده الآن ونعيشه، حكام على رأس الحكم، لا يحكمون بما أنزل الله، ولا يقبلون هم وأسيادهم وأولياؤهم بغير ذلك، ووجدوا بلدان المسلمين متفرقة وممزقة، فرأت هذه الجماعات أنهم إن أرادوا الدعوة للإسلام كما جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم سيصطدمون بكل هؤلاء، وسيكونون قد وضعوا أنفسهم في جبهة مضادة لهؤلاء، وفي وضع حرج، وأدركوا أنهم إن أرادوا أن لا يصطدموا بالحكام، فما عليهم إلا بناء أنفسهم بكيفية تتلاءم مع هذا الواقع ولا تصطدم به، وتُرضي الحكام في آن واحد، وهذا ما أرادوه، فاتخذوا لأنفسهم منهجاً متشابهاً مع دين الإسلام أو كيفية تُجنبهم غضب الحاكم، وهذا ما حصل حتى رضي عنهم الحكام وأرضوهم، ونعتهم الحكام بالمعارضة الحميدة أو المعتدلة.

من أهم الحركات الإسلامية التي تحدثنا عنهم سابقاً الإصلاحيون، وكذلك الجماعات التي تدعو إلى الشعائر التعبدية، وتدعو إلى إصلاح شأن المسلمين بصفتهم الفردية، وتبني مصالح المسلمين عن طريق الجمعيات الخيرية والدعوات الاستجدائية، أو الحركات التي ترفع شعار الدعوات إلى الاتحادية (بانخراط الدويلات العربية وغير العربية من الشعوب الإسلامية في نظام اتحادي فدرالي أو كونفدرالي)، والدعوات إلى الجامعة العربية أو المؤتمر الإسلامي، أو مجلس علماء الأمة، وتسميات أخرى براقة ما أنزل الله بها من سلطان، وذلك لأن هذه الأفكار تتماشى مع الواقع ولا تصطدم معه، فيكون الواقع بالتالي هو مصدر أفكارهم وشرعهم وإلهامهم، وليس مصدره الإسلام وشرع الإسلام.

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } آل عمران31

وقال تعالى:

{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } آل عمران103

وقال تعالى:

{وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} النساء83

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق