كتاب وادباء

كيفية تغيير واقع الأمة “الجزء الأول”

من روائع الأديب الكاتب

د. محمد سعيد آل تركي

************************************************************************************

الكتابة أحياناً بالنسبة للأديب الكاتب مفعول الدواء أو فلنقل مفعول النسمة المنعشة في صيف قائظ، فلها وحدها القدرة على امتصاص الغضب والضجيج الداخلي ولها وحدها إمكانية التعبير الصادق عن مكنونات النفس ونوازعها، قبل أن تكون ومضة ضوء موجهة نحو المجتمع تبحث عن مكمن خلل أو وسيلة للحل. فالكتابة حالة إبداعية خاصة لا يمتلك زمامها إلا من أوتي الموهبة والقدرة بالإمساك بعنان الكلمات قبل أن تنطلق من بين يديه كفرس جامحة.

رئيس التحرير

***********************************************************************************

كيفية تغيير واقع الأمة “الجزء الأول”

لا يخفى على عاقل ما آلت إليه الأمة الإسلامية اليوم من حال متدنٍ ومنهار، على كافة الأصعدة في الحياة، ابتداءً من الأفكار الهجينة والمفاهيم المغلوطة، والمقاييس المزدوجة، والقناعات المتضاربة، والعادات والتقاليد والأعراف المنحرفة، والتدهور الخلقي والتربوي، ومروراً بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية المنحطة، وانتهاء بفقد الأمن والشعور بالأمان، وفقدان العزة والكرامة والشعور بالفخر، وشيوع الفقر والذل والهوان.

ولا يخفى على عاقل ما تسعى إليه الأمة الإسلامية اليوم جاهدة وهي تبكي على أمجادها، من الخلوص من هذا الواقع المهين، وهي ترى دينها قد انهار، ودنياها قد داسها الأعداء الكفار، وترى اليوم أن لا خلوص من ذلك إلا بالعمل والعودة إلى دين الإسلام العظيم، الذي أعز آباءها وسوّدهم على العالم أجمع، وبعد أن رأت مؤخراً أن غيابه كان سبباً لذلهم وهوانهم بين شعوب الأرض اليوم.

بهذه القناعة خرج المسلمون اليوم من عزلتهم، ولكنهم خرجوا لا يعرفون أيّ باب يطرقون وأيّ منهج يسلكون، حتى يحتضنهم الإسلام كما احتضن أسلافهم، فمن جهة استيقظ بعضهم وفوّهات المدافع ونيرانها موجهة على رؤوسهم من دول الاستعمار المجرمين، فما كان منهم إلا أن يحملوا السلاح ويقاتلوا عدوهم.

ومنهم من استيقظ من غفوته متأخراً وقد أحكم الكافر المستعمر قبضته على البلاد والعباد، وانسحب بجنوده وأبقى قواعده العسكرية منتشرة على أطراف البلاد وداخلها لتحرس من بعيد السلطان وجنوده من أبناء جلدتهم، الذين أقاموهم ليوجّهوا فوّهات بنادقهم على صدور الناس، فإما إتباع بمعروف أو قتل بإحسان، فما كان من هؤلاء إلا الاستسلام لواقعهم والقبول بما يُملى عليهم، حتى أوْرَثوا للأجيال التي تليهم الذل والهوان وكتمان الحق والسكوت عن الباطل، وأورثوهم الخوف والذعر من الحاكم وزبانيته.

ومن المسلمين من أصبح يرتضي الخضوع لإمرة عصبة الأمم (هيئة الأمم المتحدة)، وتحت ولاية أحد دول الاستعمار الإجرامية، وذلك بفضل وبركة بعض الولاة العثمانيين الخونة (كمحمد علي باشا بمصر)، الذين باعوا ولاءهم لهؤلاء المستعمرين، وأعانوا على إسقاط دولة الخلافة العثمانية العلية، فاقتنعت شعوب هؤلاء بهذه النقلة السلميّة في ظاهرها، الفتاكة بهم في باطنها.

ثم توالى ظهور النهضويين، منهم الحقيقي ومنهم المزوّر، والنهضويون (رجال النهضة) هؤلاء هم أبناء الأمة الإسلامية الصادقون المخلصون الذين حملوا على عاتقهم التحرر من ربقة العبودية للكافر المستعمر، والتحرر من أوليائهم من الحكام، لقد واجه هؤلاء عندما بدأ وعيهم بحال الأمة التي وصفنا ووعيهم بواقعها عدة مسائل، أهم المسائل التي واجهوها كانت هي قضية المطلب، فكان هناك مَن عَلِمَ المطلب الذي يجب أن يسعى إليه، وهناك من لم يعلمْه، وبالتالي تعددت المطالب عند النهضويين واختلفت.

المنهج الإصلاحي في التغيير وفساد فكرته:

اختلاف المطلب عند هذا وذاك، كان انطلاقاً من عدم دراسة الواقع دراسة عميقة مستنيرة من جميع جوانبه السياسية، وجوانبه الفقهية الشرعية، أو من خلال ردة الفعل المشاعرية لما رأوا وسمعوا، أو من خلال اتباع رأي أحد علماء السلاطين، أنّ الواقع الحالي هو واقع إسلامي، والحاكم القائم حاكم شرعي، والحياة القائمة حياة إسلامية بشكل تام أو شبه تام، إلا أنها في حاجة “بحد زعم علماء السوء” إلى بعض الإصلاحات، ومن هنا نشأ الفكر الإصلاحي.

أما الفريق الآخر من النهضويين، فهم الذين رأوا أن الواقع الحالي هو مغايرٌ تماماً لواقع الحياة الإسلامية وللمطالب الشرعية، ورأوا أن التغيير ضرورة لا حيد عنها، أي أن التغيير الشامل لكل شيء، شيء واجب ولازم ولا مناص منه، بدءاً من الدولة وعقيدتها وانتهاء بكل كبيرة وصغيرة في النظام والحياة.

أما النهضويون الذين رأوا أو آمنوا بفكرة الإصلاح، يرون أن حكام المسلمين اليوم حكام شرعيون، كون أنهم مسلمون ديانة، وبما حصلوا عليه من الحصانة بوصولهم إلى الحكم، الذي سخره الله جل وعلا لهم وخصهم به “كما يدعون”، انطلاقاً مِن أن الله يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، دون أن يفرقوا بين ما هو من عند الله، وبين ما هو من أفعال الإنسان الاختيارية، ودون التمييز بين ما يريده الله من خير لعباده، وبين ما يريده أعداء الله من فساد في الأرض.

أو أن الإصلاحيين هؤلاء رأوا أن شرعية الحكّام القائمين اليوم، آتية من كون أنهم استمدوا شرعيتهم من الانتخابات أو البيعة التي حصلوا عليها رضىً أو قهراً من المسلمين، وقد أغفل هؤلاء أن البيعة الشرعية لا تنعقد أصلاً بهذه الكيفية، إنما الانتخاب أو البيعة الشرعية تكون لأحدهم للحكم بالإسلام، وليس لعين من بايعوه، فتصبح البيعة بالتالي شرعاً بيعة باطلة تورد أصحابها النار، فضلا عن أن البيعة إنما هي في الأصل قوة وسلطان لمن قام بها، فإن فقد المبايع (الناس) هذه القوة والسلطان، أصبحت البيعة بيعة جبرية قهرية لا تنفع أهلها، وتَخرج بالتالي عن شروط انعقاد البيعة الشرعية، التي لا تجعل الدار دار إسلام، كما أريد لها أن تكون، ناهيك عن اعتبارات أخرى كثيرة.

وينطلق الإصلاحيون من كون أن واقع بلاد المسلمين الحالي واقع صحيح، بكل تقسيماته وتمزقاته، وليس في حاجة إلا لشيء من الإصلاح، وقد أنتج هذا التصور منهجاً معيناً في الأخذ بأمور النهضة عند الإصلاحيين، على رأسها كما يتصورون “النصيحة” مع إغفال كثير من الحقائق السياسية والتاريخية والوقائع، والقبول بالأمر الواقع، والقبول بالدول القائمة، وافق الشارع (الله) رأيهم أم خالفه، والاكتفاء بقليل من العلم الشرعي والفكري والسياسي، ورفض (تحت أي ذريعة) أيّ فكر يخالف المنهج الإصلاحي، حتى ولو كان شرعياً، أدنى هذه الذرائع تصور أن أفكار التغيير وأحكامه ليس الآن هو الوقت المناسب لها، أو للحديث عنها أو للعمل بها.

هذا هو الفكر الإصلاحي، وهو فكرٌ رسمَ منهجاً للتعامل مع واقع المسلمين بصورة محددة، على رأسها إصلاح الواقع بكل أساليب المداراة والملاينة والتحايل على المشاكل، أو بأي أسلوب يُدّعى فيه موافقته للشرع، وهو لا يعتمد على تغيير الأحكام أو تغيير النظام أو تعديله، ويتطلب كثيراً، بل لا يعمل إلا من منطلق الاعتراف بالحاكم القائم أو النظام القائم، ولذلك كان لا بد من خلال هذا المنهج مهادنة الحكام ومسايرتهم وخَطب ودهم، ومجاراتهم حتى ولو أظهروا كفراً بواحاً، أو أظهروا ولاءً وخضوعاً للكفار أو لأحكام الكفر، كما هو حاصل الآن، أي أنه لا بد لأصحاب هذا المنهج الذي اعترفوا فيه بالحاكم أن يعترفوا فيه كذلك بالأحكام التي يتبعها الحاكم، من خلال هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ومنظمة التجارة العالمية وغيرها من مؤسسات رؤوس الكفر المستعمرين، من أمريكا وأوروبا وروسيا والصين.

أصحاب هذا المنهج الإصلاحي، هم في الحقيقة عميقو الجهل، فهم لا يدركون أصلاً معنى الإصلاح والفرق بينه وبين التغيير، بل ولا يدركون الفرق بين الطريقة والأسلوب، وبين الغاية والهدف، فليس لهم طريقة يعملون بها، إنما أعمالهم كلها أساليب، أي أعمال بكيفية متغيرة مع الظروف والأماكن والأزمان، ومع اختلاف الأشخاص والدول، فهم ليس لديهم كيفية ثابتة للقيام بالأعمال، أو أن بعضهم يخلط بين الأسلوب والطريقة، فتجد فعله أصابته حمى الازدواجية، فليس هو بالطاووس، وليس هو بالغراب.

الجهل العميق بالسياسة يسود عقول وأفهام الإصلاحيين ويغشاها، ومن وجهة نظري فإن أكثرهم يستطيع الفهم والإدراك، ولكنه لا يريد أن يفهم أو يعرف شيئاً في السياسة، ولا يريد أن يفهم أو يعرف مسائل أصولية في الشرع، ولذلك نجد الإصلاحيين يقومون بالعمل في إطار قطري معين للبلاد التي ينتمون إليها تجنساً، ولا يُشغلون أنفسهم بأحوال الأمة الإسلامية كأمة واحدة، كما قد بيّن أمرها الله سبحانه وتعالى في كتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بل وقد أقام بعضهم على أساس المنهج الإصلاحي تحت رعاية الدول نفسها جماعات أو حركات حزبية، فكانت المصيبة بهذه المنهجية عظيمة، ونزلت كالطامة على الأمة الإسلامية وعلى العمل الإسلامي، وعلى عجلة الدعوة الإسلامية.

يشتغل الإصلاحيون في داخل الأقطار التي ينتمون إليها، بمعالجة المشاكل الناتجة أصلا من فساد النظام، فيطفقون يبحثون أو يوجدون حلولاً لهذه المشاكل، ولكن مع الإبقاء على النظام الحاكم وعدم التعرض له، فهم يتجنبون الاصطدام بالحاكم قدر المستطاع، فعندما يتقدم الإصلاحيون لحل قضية البطالة والفقر التي يعاني منها الناس مثلاً، والتي أصل منشئها النظام الاقتصادي القائم، فإنهم يدلسون على أنفسهم وعلى الناس، فيُرجعون أسبابها إلى أن الناس لا تُخرج صدقاتها، ولذلك يجب إنشاء الجمعيات الخيرية، أو العمل في إطارها، والتوسل لكبار رجال الأعمال بالتبرع ببعض الأموال.

ويُرجعون العنوسة وعزوف الشباب عن الزواج إلى غلاء المهور، في الحين أن سببها البطالة وتدهور أحوال المعيشة والفقر، لسيادة النظام الرأسمالي القائم، فيُغفلون هذا ويقومون بتنظيم عمليات قروض للزواج، ومسائل أخرى مشابهة، وهكذا دواليك.

المصالح الشخصية أمر مصيري للإصلاحيين، وهي خط أحمر لأعمالهم وتحركاتهم وأقوالهم وآرائهم، يسير هذا الخط الأحمر جنباً إلى جنب مع رضا الحاكم وسخطه، فالإصلاحيون يعرفون حدودهم تماماً مع الحاكم، والنظام يمثل ثوب الحاكم فلا يمسه أحد منهم، وإلا فقد مصالحه.

إلى هنا ونحن نتحدث عن منهج الإصلاحيين الذين يدّعون الإسلام، ويعملون على إنهاض الأمة بالإسلام، أما من لا يدعي الإسلام من الإصلاحيين أو ينافق به، فدعوتهم دائماً دعوة وطنية أو قومية، أو ديموقراطية أو شعبية أو غيره.

الإصلاحيون أصحاب موقع عزيز في قلوب حكام البلاد العربية والإسلامية، بأفرادهم أو جماعاتهم أو كحركات إسلامية أو غير إسلامية، فهم الحملان الوديعة، والأسود المنزوعة المخالب والأنياب، وهم الإسفنج الذي يمتص غضب الشعوب، ويقومون بتمييع مطالب الشعوب وتحريف مسارها، وتُبدد آمالهم، وتحول غضب الشعوب على الحاكم رضا وسلاماً.

الإصلاحيون كما ذكرنا هم من متعمدي الجهل أو متعمدي التجاهل من علماء السوء، أو من العلماء الجاهلين أو المتجاهلين، من الأفراد أو من زعماء الجماعات الإسلامية وغير الإسلامية الإصلاحية، ومن المفكرين العلمانيين أو المتعلمنين، أو هم من الشخصيات التي تبتغي لنفسها شهرة أو وجاهة أو غنى، أو هم من الشخصيات المزروعة في الأمة الإسلامية، والتي تعرضها وتشهرها الدول الاستعمارية في الإعلام، كبدائل عن الحاكم القائم في البلد والقطر الواحد.

المنهج الإصلاحي في واقع المسلمين اليوم عمل باطل شرعاً، وهو مخالف لأصل الإسلام، ومخالف للأحكام الشرعية، وكذا فهو باطل في العمل السياسي النهضوي، وباطل في نهضة الأمم بشكل عام، فهو بمثابة ترقيع الثوب البالي، الذي يزيده سوءاً ويزيد منظره تشويهاً، والمنهج الإصلاحي هو الروح التي تمد في عمر الواقع الفاسد والفساد والبطلان والتخلف والانحطاط، وما مصائب الأمة الإسلامية اليوم إلا نتيجة لعمل الإصلاحيين، عليمي اللسان المتفيقهين، أو من الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسنون صنعاً.

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة 8- 12

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة النساء 150- 151

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا

ويقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب 66 – 68

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا

 

ويقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب 70 – 71

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا

 

 

 

 

 

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق