منوعات

كيد نسائي لاتيني.. الرسائل السياسية والثقافية في أغاني لوبيز ورقص شاكيرا

لم يكن ليمرّ عرض شاكيرا
وجينيفر لوبيز على أكبر محفل رياضي أمريكي مرور الكرام، فها هما أول فنانتين من
أصول لاتينية وعربية تعتليان مسرح منتصف شوط كرة القدم الأمريكية بكل ما تحملانه
من مواقف سياسية وخلفيات ثقافية في أمريكا القرن الحادي والعشرين.

وبالفعل حرصت النجمتان
على ترك بصمات سياسية وثقافية هنا وهناك في عهد الرئيس المثير للجدل دونالد ترامب،
وهو على بُعد أشهُر من معركة إعادة ترشحه للانتخابات رغم محاولة عزله الفاشلة.

من الموسيقى إلى الأزياء
مررواً بالأغاني نفسها والرقصات، كانت تلك الدقائق السريعة غنية وحافلة برسائل
مشفرة، عكفت وسائل الإعلام الأمريكية على فك شيفرتها أياماً متتالية. 

كانت الرسائل السياسية
العلنية منسوجة في الأداء، وما اعتبره البعض احتفالاً بالثقافات وتنوع المجتمع
الأمريكي، اعتبره البعض الآخر عرضاً إباحياً لا يمثل أمريكا؛ تعتمد الإجابة على من
توجِّه إليه هذا السؤال!

ما لا يعلمه الجمهور أن
هذا عرض السوبر بول الذي يخطف أنظار عشاق كرة القدم الأمريكية كل عام، لا يتقاضى منه الفنانون شيئاً، إنما يعد فرصة لمن يعتلي ذاك
المسرح للترويج لأعماله وفنه على مرأى 102
مليون مشاهد
.

14 دقيقة متفجرة من
الأغاني المتلاحقة التي صدحت بها سماء ميامي ما بين اللاتيني والأمريكي والرقص
المصمم بعناية فائقة (وضمنه الرقص الشرقي)، لتعبئة كل ثانية من ثوانيه الغالية (5.6 مليون
دولار لقاء نصف دقيقة إعلانات
)، وتوجيه رسالة، مفادها: «لاتينيُّو أمريكا
ليسوا أقل أمريكيةً من مواطنيها»، وهو بالفعل ما قالته شاكيرا حرفياً قبل
العرض الصادم بأيام في مؤتمر صحفي.

إذ قالت شاكيرا (43 عاماً): «سيكون العرض أمريكياً لأقصى
الدرجات»، لكنها أتبعت جملتها بقولها: «سيكون أيضاً تذكيراً بتراث هذا
البلد، وهو التنوع».

فأمريكا من وجهة نظر
جينيفر لوبيز (50 عاماً)، ذات الأصول الإكوادورية، وشاكيرا ذات الأصول الكولومبية،
تختلف كثيراً عن أمريكا ترامب والمحافظين.

كان العرض احتفالاً بالثقافة اللاتينية بامتياز: استعراض من الرقصات والحركات والأصوات ذات الأصل اللاتيني في تحدٍّ مباشر لكل ما تمثله إدارة ترامب، من سياسات تطالب ببناء جدار على الحدود مع المكسيك؛ لمنع المد اللاتيني ومنع دخول جنسيات أخرى، أغلبها من دول إسلامية وإفريقية إلى أمريكا.

Thank you @jlo for a night that shows how much Latinos have to offer! #SuperBowl #PepsiHalftime pic.twitter.com/Pe2kzFxUNR

والآن، لنلقِ نظرة على
هذه الرسائل.

كانت مفاجأة الحفل إيمي
ابنة لوبيز (11 عاماً)؛ بل اللحظة المعنونة للحفل بأكمله.

بدأت أغنيتها من داخل قفص
وبجانبها عشرات الأطفال داخل أقفاص، في إشارة إلى ممارسات إدارة الهجرة والحدود ICE، التي
اعتمدت سياسة التفريق بين الأطفال المولودين في أمريكا وأهاليهم المهاجرين غير
الشرعيين.

تم وضع هؤلاء الأطفال في
مراكز احتجاز سُميت «معسكرات
الذل
«،
فضحت المعاملة غير الإنسانية للقاصرين والأطفال الذين تم تفريقهم عن ذويهم.

رقصت الفنانتان على أنغام
موسيقى الريجيتون والسالسا والشامبيتا والمابالي، وكلها خيارات لاتينية، كما
حيَّتا سكان حي البرونكس، مسقط رأس لوبيز الشهير بالجالية اللاتينية، وحي برانكيلا
في كولومبيا، مسقط رأس شاكيرا.

ورقصة الشامبيتا رقصة ذات
أصول إفريقية، لكنها شهيرة في مدينة برانكيلا.

وطبعاً لا يمكن إغفال
الرقص الشرقي الذي أدته شاكيرا على أنغام آلة المجوز وإيقاع الطبلة الشرقية
العربية، في تحية لأصولها اللبنانية.

Born in the USA أو «ولدتُ في
أمريكا»

وهي الأغنية التي تشاركت
فيها لوبيز مع ابنتها إيمي، في إشارة إلى أطفال المهاجرين غير الشرعيين الذين
يولدون في أمريكا، علماً أن الأغنية ليست لها؛ بل للمغني بروس سبرينغستين.

ولكن عندما عادت لوبيز
إلى المسرح، كانت ملفوفة في نسخة ريشية من علم أمريكا، وعندما مدّت ذراعيها وفتحت
المعطف، ظهر على الجانب الآخر منه علم بورتوريكو بنجمته البيضاء التي تمثل دول
الكومنولث، والأشرطة البيضاء التي ترمز إلى الدفاع عن حقوق الإنسان والحرية
الفردية. وعندها صرخت لوبيز: «لاتينوز».

وبورتوريكو إقليم من الجزر تابع للولايات المتحدة، على بُعد نحو 1600 كم جنوب شرقي ولاية فلوريدا، احتلته أمريكا في عام 1898 بعد حربها مع إسبانيا.

“Climb in my fur” pic.twitter.com/WR4IkLPtFz

Waka Waka

أغنية أخرى كانت لافتة
وهي Waka Waka، التي غنتها شاكيرا في
بطولة كأس العالم لكرة القدم في جنوب إفريقيا العالم 2010.

ورغم أنها غيرت كلمات
«هذه المرة لإفريقيا»، فإنها كانت رسالة صارخة وتحية للأمريكيين من أصول
إفريقية.

Let’s Get Loud  أو «فلنكن صاخبين»

وهي الأغنية التي كررتها لوبيز في عرضها، كأنها إشارة تطالب بها المجتمع اللاتيني إلى رفع صوته والمطالبة بحقوقه، خصوصاً عندما تزامنت مع ظهور الأطفال في أقفاص.

حتى روتين الرقص الذي
قدمته الفنانتان لم يكن استعراضياً فحسب، إذ لقي العرض استهجاناً ورفضاً كبيراً من
المشاهدين، الذين قالوا على مواقع التواصل الاجتماعي إن مباراة السوبر بول حدث
رياضي عائلي يشاهده الأطفال.

وامتعض بعض المشاهدين من
الحركات الخليعة التي لم تخلُ من إيحاءات جنسية، فضلاً عن اﻷزياء الشفافة التي
كشفت أجزاء كبيرة من جسمي النجمتين.

لكن لجوء شاكيرا ولوبيز
إلى هذا الأمر أيضاً يعد تحدياً سياسياً. فالمباراة جمعت بين فريقي سان فرانسيسكو
49 وكنساس سيتي تشيفس في ولاية ميسوري، وهي الولاية التي تعتبر محافظة الهوى؛ ومن
ثم تدعم ترامب.

لوبيز على سبيل المثال،
بدأت عرضها بالرقص على العمود، وهو الرقص الذي يرتبط براقصات نوادي التعري، في حين
شكَّل هز أرداف شاكيرا وزيها الأحمر عامل استفزازٍ هو الآخر.

وذكر البعض على تويتر أنهم اضطروا إلى إخراج أولادهم من الغرفة بمنتصف العرض، في حين ذكر موقع Pornhub الشهير بأفلامه الإباحية، ساخراً، أن العرض لم يكن برعايته!

حتى خيار الراقصين في
الخلفية خضع لمجهر التحليل، فالأغلبية كانوا من أصول لاتينية وإفريقية، وهو ما طرح
تساؤلات كبيرة حتى من المجتمع اللاتيني نفسه، منها: هل يحق لفنانتين ذواتي بشرة
فاتحة وشعر مصبوغ بالأشقر وعضلات مَعِدة مشدودة أن تمثلا المجتمع اللاتيني
والإفريقي الذي يعاني من عنصرية في أمريكا؟

وذكرت صحيفة Washington Post أن الظهور بعرض غنيّ بالإيحاءات الجنسية زاد من الصورة النمطية المغالطة بشأن إغراء وإثارة المرأة اللاتينية، وإن استحسنه القسم الآخر من الجمهور الأمريكي.

pic.twitter.com/qDCavNG4Uq

في آخر أغنية أدتها شاكيرا (Hips don’t Lie) أطلقت زغروتة عربية بمواجهة الكاميرا، والتي سرعان ما أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي متحولةً إلى مادة للمزاح أو meme.

واعتبر المشاهدون أن هذا
التعبير الصوتي الاحتفالي تحية من شاكيرا لأصولها العربية واللبنانية على وجه
التحديد، إذ إن والدها لبناني وُلد في نيويورك، ثم هاجر إلى كولومبيا عندما كان
عمره 5 أعوام.

ختاماً، فإن كل هذه
الرسائل المبطنة والمعلنة تضافرت مع حفل رقص عالي الطاقة، احتوى أيضاً على
استفزازات سياسية ناعمة ذات نكهة لاتينية، للتذكير بأن تلك اللحظات التي فتحت فيها
أمريكا أبوابها للثقافات الأخرى كانت البلاد في أفضل حالاتها، رغم معارضة ساكن
البيت الأبيض ومن يؤيده.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى