آخر الأخباركتاب وادباء

كن من الحامدين لما مضى

بقلم الأديب 

دكتور محمد الناهي 

اليمنى السودانى

منَ الجميلِ جدًّا مامررتُ به من منشوراتٍ في اليومين الماضيين وأنا أرى الناس يتحدَّثون كم أنَّ العام كان مليئًا بألطافِ الله وكرمه، وأنَّهم يعرفون نِعم الله فيشكرونها. ومع الشعور بهذا الأنسِ في النَّظر للجمال الساكن قلوبَ هؤلاء الناس، بقيَ يتردَّدُ عفوًا في خاطري أنَّ التفكُّرَ في نِعم الله وحمده عليها بإزاءِ رؤية المحرومين منها جميلٌ بإيجاد الرضا في النفس، ومثمرٌ بالزيادة والبركة. وآهٍ من هذا الشعور لمن كان قد أوشكَ على الوقوع ثمَّ انتشلته رحمةُ الله ولطفُه، هو أكثرُ العارفين إنْ هو عرفَ وتدبَّرَ، وأحسنُ الحامدين إن هوَ حمدَ وشكر.

والإنسان يبدأ في الواجب بما لنفسه عليه من حقّ، فإذا أدَّاه لحقه ممَّا يكونُ لغيره في قدرته. والحمد يقع واجبًا من جهتين: من الاعتراف لله بكرمه وشكره، ومن العملِ بما أكرمَ به؛ فيصيرُ متعدّيًا للغير بعد أن كان مُقتصرًا عليه، وحقًّا لإخوانه، بعد أن كان متوجِّهًا به لنفسِه.

وقد قلنا أنَّه عامٌ مليء بألطاف الله ورحمته: لأنَّنا ورغم كلِّ شيء بقينا في جهة المتنعمين الآمنين؛ ما عرَّانا الشارعُ في مسكنة، وما رَمَقَنا النَّاسُ في شفقة، وما تركنا الحرمان في عوز.

ثم إنَّ بضعة دريهمات ينفقها كلُّ مُنعَمٍ عليه، قد يتخلَّى بها عن بعض كمالياته في الحياة، تكون لبعض إخوانه هي الحياةُ بتمامها وكفايتها: غطاءٌ يقيه أذى البرد، أو خبزٌ يقيه ضررَ الجوع، أو مأوى يقيه ذلَّ الشارع، ويجنِّبُه كسرةَ النفس بالسؤال، ويأخذُ عنه الدهشةَ التي تأخذ العاجز فيجمد في مكانه كأنَّما ينتظر أن يفيقَ من الكابوس!

فهل يكون من حمد نعم الله علينا أن نجعل إخوانا لنا في العام القادم يقولون ما قلنا نحنُ اليومَ: لقد كان عاما مليئًا بألطافِ الله وكرمه: سترنا بعد ذلِّة، وآوانا بعدَ ضَيعة، وأطعمنا من جوع، وآمننا من خوف، ونجَّانا من الموت. ومن قصرتْ يدُه عن العطيَّة، فهل له لسانٌ يقصرُ عن الدعاء؟

آنسَ الله كلَّ محروم بعطايا كرمه، وجبرَ بألطافه خاطر كلِّ مكسور، وفرَّج على كلِّ من ضاقت عليه الدنيا أن يكون عنده بيتٌ صغير جدًّا في شارعها الواسع!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى