ثقافة وادب

كان يسارياً ثم أصبح من أهم المفكرين الإسلاميين.. الوجه الآخر لحياة الراحل محمد عمارة

كانت زيارة د. محمد عمارة من الطقوس الدائمة في كل زيارة أقوم بها إلى القاهرة. أطرق بابه في عمارات الآغا خان، يستقبلني بالترحاب هاشّاً باشّاً، تدخل علينا زوجته ترحب بي وتستبطئ زيارتي أحياناً، امرأةٌ معجونة بالطيبة والحنان الفياض، هي من القاهرة، هو من كفر الشيخ. توثقت صلتنا أكثر على هامش إعداد فيلم وثائقي عن حياته وفكره، وذلك ضمن البرنامج الذي كنت أُعدّه لقناة الجزيرة ويُخرجه الصديق منتصر مرعي. 

في خضم الإعداد للفيلم الوثائقي، ذهبنا جميعاً إلى كفر الشيخ، حيث وُلد الأستاذ، تسللت ليلاً لأجد فندقاً في المدينة أبيت فيه، ولكن المرأة الصالحة الطيبة كانت لي بالمرصاد صباح اليوم التالي معاتبة محاسبة، وأنا أذوب خجلاً من سوء تقديري؛ فقد هربت من حرجٍ مظنون لأكتشف أنني وقعت فيه فعلاً وأنني أسأت التقدير!. شكّل عمارة علامة على مرحلة تاريخية مهمة، مهما اختلفنا في مواقفنا منه ومن إنتاجه الفكري. تَقَلب يسرة ويمنة في عوالم الأفكار، بدأ كل شيء مبكراً قبل الجميع وكان رائداً للجميع، وجرب وتفكر وتدبر وكتب وحاضر وناضل. في مرحلته الأولى كان يساريّاً؛ وكان منظّراً تأثر به جيلٌ شاب عريضٌ ممن أصبحوا لاحقاً مفكرين كباراً، أخبرني د. عزمي بشارة مرةً أنه من جيل نشأ على كتابات عمارة الأولى، حدثني أ. منير شفيق – الذي يُشبه عمارة في تحولاته – عن أثر كتابات عمارة الأولى في حركات المقاومة. حدثني عمارة عن أول مقال كتبه في مايو/أيار سنة 1948 وكان عن فلسطين تحت عنوان “جهاد”، وعن أول كتاب كتبه في السجن (في 1957 وطبع في 1958) وكان طالباً، وكان أول كتاب في مصر ينشر عن القومية العربية بعد الوحدة بين مصر وسوريا. سجن وهو يساري لنحو ست سنوات أو أقل قليلاً ليخرج ويكمل دراسته ويتخرج متأخراً سنة 1964 بدل 1959. 

عاش عمارة حياةً مديدة في عوالم الأفكار، انقطع للقراءة والكتابة، كان لا يحب السفر حتى لا يضيع وقته في الأسفار، كان يكره الوظيفة؛ لأنها تعطله عن شغفه وما نذره له أبوه، أزاح عن كاهله الأعباء الاجتماعية، لا يزور أحداً؛ بل يأتيه الزائرون في مكتبه ومكتبته، حتى الطعام كان يأتيه من قريته في كفر الشيخ إلى منزله على كورنيش النيل. كان يشتغل بأدوات صارت بدائية، بالبطاقات المكتوبة بخط اليد، يكتب بالقلم الأحمر، يكتب مباشرة، ثم صار يكتب مسودات ثم يبيضها بالقلم الأسود؛ حتى يتسنى له تصويرها بشكل أوضح. يعتني بتواريخ وفيات الأعلام الذين يرد ذكرهم في كتاباته، وقد احتفظ ببطاقات مدونة لهذا الشأن. عاش عصاميّاً وتكوّن عصاميّاً، ولذلك لم يُتح له أن يطور أدواته في البحث والتحقيق والكتابة، اقتصر على قراءة المترجمات، كان يؤرشف الصحافة اليومية وما يهمه منها، خاض سجالات ومعارك عديدة، خصوصاً بعد وفاة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله 1997. 

عالج بدقة أحياناً، بالغ أحياناً أخرى، هوّل أحياناً ثالثة. اقترب من اليسار، واقترب من المعتزلة، واقترب من الإخوان المسلمين، واقترب من السلفيين، وعمل مع الأزهر برئاسة الشيخ الطيب، ولكنه بقي مستقلاً عصاميّاً لا يمكن أن يُحسب على أحد سوى نفسه. له فضل السبق، وفضيلة المواقف الأخلاقية المحترمة، لم يجامل ولم يبدل في ما يعتقده حقاً. كان ثابتاً على مبادئه، خصوصاً أنه زهد في المناصب والأسفار والوظائف، عافها مبكراً جداً بعد تخرجه ثم طلقها حتى موته! 

معتز الخطيب هو أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى