تقارير وملفات إضافية

كارثة استراتيجية لنتنياهو.. هآرتس: على تل أبيب أن تقلق من تصرفات «صديق إسرائيل»

التطورات الأخيرة في الأزمة الكردية لن تقف عند الحدود السورية التركية بل سيمتد تأثيرها إلى إسرائيل، إذ يمثل الانسحاب الأمريكي من سوريا مشكلةً استراتيجية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سلسلةٍ من أحداث تبدو أنَّها تُشكِّل أزمةً استراتيجية خطرة. 

في تقرير لها أشارت صحيفة Haaretz الإسرائيلية إلى أنه منذ اللحظة الأولى التي انتُخِب فيها دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة في نوفمبر/تشرين الأول من عام 2016، روَّج نتنياهو بثقةٍ لصورةٍ تُصوِّر الرئيس الأمريكي، المحاط بأقرباء ومستشارين يهود، على أنَّه صديقٌ حقيقي لإسرائيل. وسمحت علاقات نتنياهو الوثيقة مع ترامب، مقارنةً بالكره المتبادل بينه وبين أوباما، له بتطويع ترامب لخدمة احتياجات إسرائيل.  

وكانت طموحات نتنياهو -التي نُقِلَت إلى الأمريكيين بانتظام في محادثاته مع الرئيس الأمريكي وفي الاجتماعات التي عقدت بين رون ديرمر، سفير إسرائيل في واشنطن، وفريق ترامب- واسعة التأثير. إذ سعى نتنياهو لإقناع ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، الذي أبرمه سلفه أوباما في عام 2015، وممارسة أقصى ضغط على طهران؛ لتوفير مظلة دبلوماسية استراتيجية لتودُّد إسرائيل إلى دول الخليج، وإبرام اتفاق دفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكذلك فحين أصر ترامب على تقديم «صفقة القرن» لإرساء السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، حصل نتنياهو على أقصى استفادة من الأمريكيين. ويبدو أنَّ هذه الصفقة، التي ليس لها تاريخٌ واضح لإعلان تفاصيلها رسمياً حتى بعد عامين ونصف من بدء الحديث عنها، تتوافق إلى حدٍّ كبير مع مواقف حزب الليكود بشأن التسوية. وعلاوة على ذلك، ألمح قادة اليمين الإسرائيلي، وحتى فريق ترامب، إلى أن الرفض الفلسطيني المتوقع للخطة يمكن أن يُمهِّد الطريق أمام تطبيق السيادة الإسرائيلية في أجزاء من الضفة الغربية. وقد قيل إنَّ إسرائيل ستستغل هذه اللحظة المواتية، لأنَّ واشنطن إمَّا ستدعم هذه الخطوة أو تغض الطرف عنها.

وكان شهر مايو/أيار من العام الماضي 2018، شهراً حافلاً مضطرباً لإسرائيل والمنطقة. إذ زعم نتنياهو فيه أمام العالم أنه نجح من خلال عملية استخباراتية إسرائيلية في سرقة وثائق أرشيفية حول المشروع النووي الإيراني من طهران. وبعد ذلك ببضعة أيام، أعلن ترامب رسمياً انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. ثم نفَّذ الجيش الإسرائيلي سلسلةً من الهجمات على أهدافٍ إيرانية في سوريا لإحباط محاولةٍ من الحرس الثوري الإيراني للانتقام بإطلاق صواريخ على هضبة الجولان. وفي الشهر نفسه، نقلت الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس. وبلغت الاحتجاجات على طول السياج الحدودي في قطاع غزة ذروتها في ذلك اليوم، فأطلق القناصة الإسرائيليون النار على 60 فلسطينياً في 24 ساعة فقط، لكنَّ الرد الدولي كان صامتاً نسبياً.

وقد بدا في ذلك الوقت أنَّ نتنياهو نجح في كل الاختبارات. إذ انهال المعجبون به بالمديح عليه واصفين إيَّاه بأنَّه ساحرٌ استراتيجي تمكَّن، بفضل علاقاته ومهاراته، من إقناع ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بخدمة مصالح إسرائيل.

أولاً.. بعد عام وخمسة أشهر تقريباً من ذلك الحين، تبدو الأمور مختلفة تماماً. إذ ردَّت الأمريكية بلا مبالاةٍ تقريباً على سلسلة الهجمات الإيرانية التي استهدفت صناعة النفط في الخليج، والتي كانت تهدف إلى دفع ترامب إلى رفع العقوبات الاقتصادية التي فرضها على طهران، وإجراء محادثاتٍ جديدة بشأن العودة إلى الاتفاق النووي. وكذلك يُعلن ترامب في كل مناسبةٍ ممكنة أنه يريد إجراء محادثات مع إيران، وليس الدخول في حربٍ معها. وفي السياق نفسه، تبعث المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة برسائل إلى طهران حول الحاجة إلى تقليص الاحتكاكات العسكرية بين الجانبين واللجوء إلى الحوار الدبلوماسي بدلاً منها.

ثانياً.. وفي خضم كل ذلك، يتخلى ترامب عن الأكراد ويترك الساحة السورية مفتوحة أمام بوتين، الذي لم يفِ بوعده لنتنياهو بإبعاد الإيرانيين ووكلائهم عن الحدود الإسرائيلية في هضبة الجولان. وفي الوقت نفسه، يلوح في الأفق خطرٌ متمثل في أن تزيد إيران جهودها الانتقامية ضد إسرائيل، في أعقاب سلسلةٍ أخرى من هجمات القوات الجوية الإسرائيلية على أهدافٍ إيرانية في الأشهر القليلة الماضية.

إذ أظهر الهجوم الإيراني الأخير على منشآت النفط في المملكة العربية السعودية قدرةً تشغيلية كبيرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، مما يجبر إسرائيل على إعادة نشر قواتها في وضعٍ دفاعي. وهنا يُثار تساؤلٌ حتمي:

تقول الصحيفة الإسرائيلية إذا كان أي أحد يعتمد على وجود اتفاق دفاعي مشترك بين إسرائيل وواشنطن، فإنَّه ما زال مجرد حبرٍ على ورق حتى الآن. إذ تفاخر نتنياهو في المقابلة التي أجريت معه عشية انتخابات الشهر الماضي سبتمبر/أيلول، قائلاً: «لقد جلبت لكم اتفاقية دفاع مشترك»، متهماً وسائل الإعلام بتجاهل هذا الإنجاز. وكتب نجله تغريدةً على تويتر قال فيها بحماس: «هذا يعني أنَّ إسرائيل لن تُدمَّر أبداً!». فيما اكتفى ترامب آنذاك بتصريحٍ عام حول استعداده لدراسة اتفاقية دفاع مشترك في وقتٍ لاحق. 

وتضيف الصحيفة ها نحن الآن بعد ثلاثة أسابيع ونصف من الانتخابات، لم نشهد أي تقرير عن محادثة هاتفية بين ترامب ونتنياهو، ولا حتى مكالمة التهنئة التقليدية بعيد رأس السنة العبرية أو رسالة أمنياتٍ طيبة قبل جلسة استماع نتنياهو أمام النائب العام الإسرائيلي. لذا فربما تكون الشائعات التي تفيد بأنَّ ترامب لا يحب التحالف إلَّا مع الفائزين، وليس شخصٌ لم يتمكن حتى الآن من تشكيل ائتلاف حتى بعد جولتين انتخابيتين في خمسة أشهر، حقيقية.

ومن جانبه تحدث نتنياهو الخميس 10 أكتوبر/تشرين الأول في الحفل التذكاري السنوي لحرب السادس من أكتوبر. وكالعادة، ركَّز تصريحاته على إيران، واصفاً إياها بأنَّها «النقطة المحورية للعدوان الحالي في الشرق الأوسط». وأشار إلى أنَّ «إيران تسعى جاهدةً إلى تعزيز قبضتها في لبنان وسوريا والعراق واليمن وقطاع غزة. فهي تُسلِّح نفسها بلا توقف، وتتجرَّأ على تجاوز الخطوط الحمراء مراراً وتكراراً. وتهدد بمحونا من على الخريطة. إنهَّا تقول صراحةً: «إسرائيل ستختفي»».

وبعد هذه العبارات، أصبحت نبرة نتنياهو مختلفة تماماً، إذ قال: «لا نطمح إلى أن نكون شعباً يسكن بمعزلٍ عن جيرانه، لكنَّ هذا ما اضطررنا إليه في بداية حرب «يوم الغفران» إذا لم تصلنا المساعدات الأمريكية آنذاك إلَّا قُبيل نهاية الحرب. واليوم، نُقدِّر الدعم المهم من الولايات المتحدة.. وفي الوقت نفسه، نتذكر القاعدة الأساسية التي نسترشد بها ونُطبِّقها دائماً: وهي أنَّ إسرائيل ستدافع عن نفسها، بجيشها الذاتي، ضد أي تهديدٍ كان».

الخلاصة: 
وتخلص الصحيفة في نهاية تقريرها إلى أنه بالرغم من أنَّ نتنياهو مُحنَّك للغاية وحَذِر جداً بشأن الهجوم على ترامب مباشرةً لتحركاته الأخيرة، لكنَّ الجزء الأخير من تصريحاته يوضِّح أنَّه أيضاً أدرك أنَّ الأحوال تغيَّرت بمرور الوقت. 

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى