تقارير وملفات إضافية

قيس سعيّد يتفق مع «النهضة» حول الإسلام والعروبة، ولكن خلافات أخطر قد تنشب بينهما

منح الناخبون التونسيون قيس سعيّد، المرشح المُستقل، فوزاً كبيراً، اعتُبر بمثابة تفويض شعبي، فكيف سيتعامل قيس سعيّد مع حزب النهضة الفائز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان الجديد؟ وهل تقبل «النهضة» بنهجه الثوري ورغبته في تغيير النظام؟

فبعد حصوله على 73% من الأصوات، مقابل 27% فقط لصالح نبيل القروي، صار يملك الآن تفويضاً شعبياً. ولكن ما صلاحيات هذا التفويض؟ إذ يشير انتخاب سعيّد إلى رفض الناخبين الجزئي للطبقة السياسية المنقسمة والتي ينظر إليها كثيرون على أنَّها غير فعَّالةٍ وفاسدة، حسب وصف تقرير نُشر بموقع Lobe Log الأمريكي.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ انتصاره يتوافق مع صعود السياسات الشعبوية في أنحاء العالم كافة. لكن انتقاد سعيّد للمؤسسة السياسية يتجاوز غيره من الزعماء الشعبويين الآخرين. 

إذ شكَّك سعيّد -بوضوحٍ وصراحة- في جدوى الأحزاب السياسية الرسمية ومجلس نواب الشعب المُنتخَب. وطالب بـ «قلب هرم السلطة»، داعياً إلى انتخاب مجالس شعبية محلية، تتمثَّل مهمتها المُقدَّسة في الحديث نيابةً عن «الإرادة الشعبية». ويبدو كأنَّ جان جاك روسو وصل إلى قرطاج، بحسب تعبير تقرير لموقع Lobe Log الأمريكي.

لكن ثمة سؤال مهم وهو: هل يستطيع سعيّد، أستاذ القانون الدستوري، إقامة شراكةٍ مع المؤسسات نفسها التي هاجمها؟

إذ يرى فيه أنصاره الشباب بطلاً لا تشوبه شائبةٌ أخلاقية، وشخصيةً أشبه ببطل فيلم روبوكوب، يمنحهم الأمل في وضع البلاد على المسار الصحيح، بفضل قوميته الإسلامية الجديدة والمُحافِظة اجتماعياً. 

ولكن ليس من الواضح كيف سيساعد مزيج سعيّد المتناقض من القانون الدستوري والديمقراطية المباشرة، في إخراج تونس من أزمتها الدائمة، التي تتمثَّل في خيبة الأمل السياسية والشلل الاقتصادي. ولم يتحدث سعيّد تقريباً عن الإصلاح الاقتصادي، وهو التحدِّي الرئيسي الذي يواجه تونس، وهو ما يعني أنَّ الأمر سيقع على عاتق البرلمان الجديد وليس الرئيس (الذي يتمتَّع بصلاحيات داخلية محدودة). 

ومن ثم، يواجه حزب «حركة النهضة» الإسلامي الآن صراعاً شاقاً من أجل تشكيل حكومة أغلبيةٍ مستقرة ومتماسكة، بعد فوزه بأكبر عددٍ من المقاعد في البرلمان (52 من أصل 217) خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في السادس من أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن يدعم مشروع ترشُّح سعيّد. ولا شك في أنَّ الاستقطاب الأيديولوجي والاجتماعي يُمكن أن يُقوِّض عملية تشكيل حكومةٍ فعالةٍ على أقل تقدير.

وإذا كانت جهود إقامة حكومةٍ قد بدأت لتوها؛ فإنَّ الرهانات صارت كبيرة بالنسبة لتونس والمنطقة ككل. 

ففي حال انهيار تونس، سيتأثر المغرب العربي بأكمله، إذ تحدُّها من الشرق الدولة الليبية المتداعية التي تُشكِّل حدودها -سهلة الاختراق- تهديداً أمنياً خطيراً، وتحدُّها من الغرب الدولة الجزائرية التي لا تتمتَّع مؤسساتها العسكرية المُتشدِّدة بشعبيةٍ كبيرة. 

ومن ثم تحتاج البلاد حشدَ أكبرِ عددٍ من الأصدقاء الإقليميين والعالميين. وربط سعيد رؤيته الشعبوية بتطلُّعات الناخبين الشباب المُتعطِّشين إلى خطابٍ جديد حول الخلاص الجماعي والتجديد. ولن يكون من السهل على الرئيس الجديد، الذي أدى اليمين الدستورية اليوم الأربعاء 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019، أن يحافظ على هالته الثورية، بوصفه رجلاً يطالب بالعدالة في الداخل والخارج، بالتزامن مع دفاعه عن مصالح الدولة التونسية الرئيسية وسط منطقةٍ غير مستقرة وعلى الساحة العالمية.

أثار صعود سعيّد السريع إلى النجومية شعوراً بالصحوة الوطنية، بعد أن احتُفي به في شوارع العاصمة تونس والمدن الكبرى والصغرى. 

وهذا التحوُّل من اليأس إلى الشغف السياسي المُنتعش، خلق فرصةً لتعبئة التونسيين، الذين شعروا بأنَّ النظام هجرهم بالكامل. 

لكنَّ فورة الحماسة التي ساعد سعيّد في خلقها، أنتجت أيضاً مشهداً سياسياً جديداً ستُؤدِّي شكوكه إلى فرض تحدِّيات عصيبة، خاصةً بالنسبة لأنصار الرئيس الجديد حديثي العهد وسط الناخبين والبرلمان الجديد.

وأهم حلفائه حزب «حركة النهضة». وربما لم يكن قادته يتوقَّعون بالكامل هذه العاصفة الشعبوية، لكنهم كانوا على درايةٍ بالأفق السياسي المُظلم خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات. 

إذ بذل نبيل القروي، المليونير التونسي وأحد أباطرة الإعلام، جهوداً كبيرة لتعبئة الدعم الشعبي عن طريق إرسال شاحنات مُحمَّلة بالخدمات الطبية والإمدادات إلى المناطق النائية الفقيرة؛ ولا شكَّ في أنَّ هذه الجهود سلطت الضوء على ضعف «النهضة» المتزايد وسط القطاعات التي كان يعتبرها مصدراً موثوقاً للأصوات. 

علاوةً على أنَّ راشد الغنوشي، زعيم حزب «حركة النهضة» وأحد مُؤسِّسيه، واجه معارضةً متزايدة من الأحزاب المحافظة المُنافِسة، التي زعم بعضها أنَّه أضعف شرعية «النهضة» الإسلامية بتقديم التنازلات للزعماء العلمانيين. 

ومن ثم، حين أعلن القروي نيَّته الترشح للرئاسة وأسَّس حزباً سياسياً بدا جاهزاً لتحقيق مكاسب حقيقية؛ واجه حزب «حركة النهضة» احتمالية خسارته في البرلمان، حيث بدا أنَّ حزب «قلب تونس» الذي أسَّسه القروي سيُحرز مكاسب كبيرة، وفي الرئاسة التي بدت في متناول يد القروي، بحسب استطلاعات الرأي العام آنذاك.

وحاول الغنوشي وقف تلك الخسائر عن طريق إقناع عبدالفتاح مورو، رئيس مجلس نواب الشعب وأحد قادة حركة النهضة، بدخول السباق الرئاسي. 

وكانت تلك الخطوة خطيرة: ففي السنوات التي سبقت انتخابات عام 2019، حاول حزب «حركة النهضة» تجنُّب إثارة القوى العلمانية، دون جدوى في كثيرٍ من الأحيان. وكان عدم الترشُّح للرئاسة جزءاً أساسياً من استراتيجية تقاسم السلطة، وهي الاستراتيجية التي التزمها الغنوشي رغم رفضها المتزايد داخل حزبه من قِبَل القادة الذين كانوا قلقين من أنَّ الغنوشي يُضعِف هوية «النهضة». 

وازدادت هذه المخاوف في أعقاب إعلانه، في مايو/أيار عام 2006، أنَّ «النهضة» صار حزباً سياسياً فقط من الآن فصاعداً وليس حركةً إسلامية. وكان التحدِّي الذي واجهه الغنوشي حينها هو كيفية تهدئة مُنتقديه دون أن يشعر منافسوه العلمانيون بأنَّ «النهضة» لا يختلف كثيراً عن غيره من الأحزاب الإسلامية، التي تعتمد استراتيجيتها على استغلال الديمقراطية لدفع الأجندات الدينية.

ومثَّل مورو أفضل أملٍ للغنوشي في موازنة هذه المعادلة، فهو سياسيٌّ تعدُّدي معتدل، ووعد بتنحية ولائه لـ «النهضة» جانباً وتمثيل التونسيين كافة. 

لكن قادة «النهضة» لم يُقدِّروا أو يتوقَّعوا حجم الشريحة الشبابية الواسعة التي فاض بها الكيل من السياسات المعتادة. ولا شكَّ في أن الشباب أعربوا عن خيبة أملهم بوضوح خلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. ورغم أنَّ 45% فقط من الناخبين سجَّلوا للإدلاء بأصواتهم، فإن أولئك الناخبين اختاروا المرشحين غير المحتملين. إذ حلَّ سعيّد في المركز الأول بـ18% من الأصوات، ويليه القروي بـ15% من الأصوات، وحلَّ مورو ثالثاً بـ13% من الأصوات، ليُؤكِّد تراجع نفوذ «النهضة»، واحتمالية غرق الحزب مع ما تبقى من سفينة مؤسسة الدولة.

ومن المفارقات أنَّ احتلال مُرشَّح «النهضة» المركز الثالث جاء في مصلحة الحزب. 

فبعد سجن القروي بتهمة غسل الأموال، حاول التظاهر بأنَّه روبن هود الثري والمناهض لمؤسسات الدولة، والذي سقط ضحية لحملةٍ تُحاول إسكاته. 

لكنه لم يستطع التغلُّب على التصوُّر السائد بأنَّه كان جزءاً من النخبة شديدة الفساد التي بات يُهاجمها الآن. وبخروجه من السجن قبل أيامٍ من جولة الانتخابات الثانية، أكَّد أداؤه الهزيل خلال المناظرة الرئاسية التي أُجريت في الـ11 من أكتوبر/تشرين الأول، الفوارق الصارخة بينه وبين سعيّد، الذي اكتسب هجومه -الهادئ والجريء- على هيكل السلطة القائم احترام الأوساط الأيديولوجية والاجتماعية كافة.

ولا شكَّ في أنَّ قدرة سعيد على اكتساب الدعم الشعبي وفَّرت حلاً شبه مثالي للمعضلة التي تُواجه النهضة، ألا وهي: كيفية إعادة تقديم أوراق اعتماد النهضة بوصفه حزباً إسلامياً، دون المنافسة على أعلى منصبٍ سياسيٍّ في البلاد. 

ولا شكَّ أيضاً أنَّ خطاب سعيد السياسي والاجتماعي والإسلامي كان يتماشى مع أجندة النهضة القياسية والروحانية. 

إذ كان سعيد يُمثِّل النقيض الكامل للقروي، بوصفه أستاذاً في القانون الدستوري، ويحظى باحترامٍ كبير بفضل أسلوب حياته المُتواضع وسلوكه الجاد، إلى جانب استخدامه العربية الفصحى البليغة، لنقل رؤيته حول الهوية الإسلامية العربية القومية المُستعادة. 

علاوةً على أنَّ مواقفه المُعارضة لتقنين مثلية الجنس، وموقفه المُعارض بقوة لقانون المواريث، بما يضمن المساواة بين الرجل والمرأة، كشفت عن محافظةٍ اجتماعية مُتميزة. 

ورغم إصراره على أنَّه ليس سلفياً أو مُنتمياً لأيّ حزبٍ ديني، ظهر سعيد في مقطع فيديو استشهد خلاله ببعض الآيات القرآنية والمواعظ الدينية، على خلفيةٍ موسيقية هادئة، لينقل رسالةً من الاستقامة الأخلاقية التي ألهمت أتباع النهضة بكل تأكيد.

ولا عجب إذاً في أنَّ الحزب أيَّد سعيد ومدحه بشدة خلال حملةٍ انتخابية ركَّزت على الموضوعات الدينية. 

إذ ساعد ترشُّحه النهضة في موازنة جانبي المُعادلة: فمن ناحية، سمح ذلك للحزب بالانضمام إلى ركب زعيمٍ تتناغم رسالته الأخلاقية مع رسالة الحزب، مما ساعد الحزب على حشد صفوفه وتأمين مركزٍ أول مُحترم في الانتخابات البرلمانية. 

ومن ناحيةٍ أخرى، ومع احتمالية فوز سعيد الحقيقية بالرئاسة؛ استطاع النهضة دعم رئيسٍ غير مرتبط بأيّ حزبٍ إسلامي ويتمتَّع بدعمٍ شعبي عريض من كافة التونسيين، حتى أولئك الذين لا يُؤيِّدون أو يُعارضون الأجندة الإسلامية. وبهذا كان سعيد هِبةً من السماء للنهضة.

من الجدير بالذكر أنَّ قدرة سعيد على أن يحظى بقبولٍ من جانبي الانقسام الإسلامي-العلماني ستجلب معها مُشكلات يُمكن أن تُعقِّد عملية التعاون بين الرئيس الجديد والنهضة. 

فكما أوضح مسبقاً؛ تتعايش المحافظة الاجتماعية التي يتبنَّاها جنباً إلى جنب مع أجندةٍ سياسية راديكالية، تسعى إلى استبدال أو تجاوز المؤسسات الرسمية القائمة، من خلال تشكيل مجالس شعبية تُنتخب مباشرةً في مختلف ولايات تونس. 

ولا يخجل سعيد من الحديث حول رغبته في رعاية مؤسساتٍ تتحدَّث نيابةً عن الإرادة العامة لما يعتبره مجتمعاً وشعباً مُتَّحداً دينياً وثقافياً. ويُصِرُّ على أنَّ هذا البرنامج الثوري سيتعايش مع التزامٍ قوي بالدستورية والشرعية. 

لكن حين يُسأل حول الكيفية التي ينتوي بها التوفيق بين إخلاصه لمشروعه الثوري والتزامه بدستور عام 2015، يُجيب سعيد بغموض ويُلمِّح أحياناً إلى أنَّه من الممكن تعديل الدستور من أجل المضي قدماً في مساعيه لتحقيق الديمقراطية الشعبية من الأسفل إلى الأعلى، إذا نجح البرلمان في حشد ثلثي أعضائه.

ويُمكن أن يُشكِّل هذا الغموض مشكلةً مع الوقت بالنسبة للنهضة. ولا تكمُن المشكلة في أنَّ سعيد شكَّل رؤيته الطوباوية خارج الساحة السياسية، التي يبدو أنَّه لم يكُن على تواصلٍ كبيرٍ معها في السابق. 

بل تكمُن المشكلة الأعمق في أنَّ حزب «حركة النهضة» أمضى قرابة العقد من الزمن في تشكيل هويته، بوصفه عضواً داخل ديمقراطيةٍ برلمانيةٍ تنافسية على الطراز الغربي

وبعد أن ربط الحزب عربته برئيسٍ شعبوي، صار يتعيَّن عليه الآن إيجاد طريقةٍ للتعاون مع زعيمٍ يبدو مُتشكِّكاً في النظام السياسي الرسمي نفسه، الذي جعل انتخابه ممكناً، والذي لا يزال حيوياً بالنسبة للنهضة، من أجل الحفاظ على موقع الحزب وسط النظام السياسي.

وأحد الاحتمالات هو أن يحاول زعماء النهضة إقناع سعيد بالتخلِّي عن أحلام إصلاحه الثوري، والتركيز على التحديات الملموسة بدلاً من ذلك. 

وتشمل تلك التحديات تجديد (بعكس تفكيك) النظام السياسي المُتداعي، إلى جانب المهمة العصيبة المُتمثلة في الإصلاح الاقتصادي للسوق، وهو الموضوع الذي لم يتطرَّق إليه سعيد كثيراً (بخلاف جداله أنَّ القطاع العام يجب أن يحظى بالأولوية). 

ولكن في حال قرر سعيد والنهضة النزول من الأبراج العاجية للوعظ السياسي، فسيخاطران بتنفير أنصارهما الشباب، خاصةً أولئك المُصممين على معارضة الإصلاحات الاقتصادية التي ستزيد معاناة فقراء تونس وطبقتها المتوسطة الكادحة بالتأكيد. 

وفي غياب الدعم الاقتصادي الكبير لتخفيف وطأة المعاناة، سيصير من الصعب على سعيد والنهضة موازنة أطراف هذه المعادلة.

خلال الأشهر المُقبلة، سيُواجه سعيد والنهضة تحدِّيان رئيسيان. الأول هو تشكيل تحالفٍ من الأحزاب القادرة على تأمين 109 من أصل 217 مقعداً في البرلمان، وأن يكون ذلك التحالف قادراً أيضاً على صياغة برنامجٍ اجتماعي وسياسي مُشترك. وفي حال فشل هذه المهمة، ربما يحاول قادة تونس العودة إلى نظام تقاسم السلطة والإجماع. وبغضّ النظر عن احتمالية عدم وجود تحالفٍ معقول يستطيع إحياء نظام الإجماع؛ فحقيقة الأمر هي أنَّ هذا النظام تحديداً هو الذي ساعد في خلق المأزق التشريعي على مدار السنوات القليلة الماضية. 

ولكن في حال لم تستطع تونس إحياء هذا النموذج الذي فقد مصداقيته، فلن يكون الطريق مُعبَّداً أمامها من أجل الوصول إلى نظام حكم الأكثرية، الذي تحكم فيه الحكومة وتُعارض فيه المُعارضة.

ولا شكَّ أنَّه في أعقاب الانتخابات، ستتباهى تونس الآن ببرلمانٍ مُقسَّم: حيث يستحوذ النهضة على 52 مقعداً، يليه «قلب تونس» بـ38 مقعداً، ثم «التيار الديمقراطي» الليبرالي بـ22 مقعداً، و»ائتلاف الكرامة» ذو التوجُّه السلفي بـ21 مقعداً، يليه «الحزب الدستوري الحر» الخاص بعبير موسى بـ17 مقعداً، ثم حزب «تحيا تونس» الخاص برئيس الوزراء الأسبق يوسف الشاهد. وذلك بالإضافة إلى قائمةٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى من الأحزاب المُستقلة التي دخلت في الصورة. و»الحزب الدستوري الحر» و»ائتلاف الكرامة» يقعان على أقصى طرفي الطيف الأيديولوجي، لذا لن يبدأ بهما النهضة مُطلقاً في هذا التحالف. 

في حين تفادى محمد عبو، زعيم «التيار الديمقراطي»، التحالف مع النهضة لأنَّه يرى أنَّ ذلك لا يدعم إقامة دولةٍ «مُحايدة». 

أما «قلب تونس» الذي شاطر النهضة العداء في الانتخابات، علاوةً على احتمالية مُحاكمة القروي، فليس من المحتمل -حالياً على الأقل- أن يكون ثاني أكبر الأحزاب تمثيلاً داخل البرلمان في موقعٍ يسمح له بالعمل مع النهضة.

ومع ذلك، لا يستطيع المرء استبعاد احتمالية تغيُّر عضويات الأحزاب بطرقٍ تفتح المجال أمام الوصول إلى المقعد رقم 109 السحري. ورغم أنَّ قادة النهضة شجبوا ما وصفوه بـ «السياحة السياسية»، لكنهم لن يعترضوا على الأرجح في حال تقدَّم نوابٌ من القوائم المستقلة -أو حتى من «قلب تونس»- بعروضٍ لإقامة شراكة عمل أو حتى الانضمام إلى صفوف النهضة. وهناك دافعٌ حقيقي من أجل التوصُّل إلى اتفاق، نظراً لأنَّ البديل عن بناء التحالف هو عقد انتخاباتٍ جديدة.

ويُمكن لسعيد أن يُؤدِّي دوراً محورياً في التشجيع على هذا الاتفاق. ولكن اختياره أن يكون رسول سلامٍ بين الأحزاب، سيُجبره على مواجهة تحدٍّ آخر؛ الاستقطاب الأيديولوجي المتزايد. ورغم أنَّ النتائج الانتخابية تُشير إلى خريطةٍ سياسية مُقسَّمة، لكن فقدان الثقة الدائم في حركة النهضة -ناهيك عن «ائتلاف الكرامة»- من جانب العديد من القادة العلمانيين داخل البرلمان يُمكن أن يزيد الانقسام الإسلامي-العلماني. 

ودعا سعيد إلى الوحدة الوطنية، لكنه اقترح أيضاً أنَّ فكرة الانقسام الإسلامي-العلماني هي مجرد اختراع. وجادل بأنَّ التونسيين سيكتشفون قواسمهم المشتركة حين نتركهم وشأنهم. ويُقلِّل هذا الموقف الشعبوي المألوف للغاية من التعدُّدية الحقيقية والمثيرة للإعجاب داخل المجتمع التونسي. لذا يتعيَّن على سعيد أن يُؤكِّد على هذه التعدُّدية ويجعلها تعمل من أجل الديمقراطية، وليس ضدها.

هل سيكون سعيد على قدر هذه المهمة؟ سيعتمد قدرٌ كبيرٌ من الأمر على جزئية شخصيته التي ستُحرِّك قراراته: الثوري الشعبوي، أم المحافظ الاجتماعي، أم الدستوري المُعاصر. وربما يشعر سعيد بإغراء إدارة تلك التوجهات الصدامية عن طريق تحويل انتباهه بعيداً عن الساحة الدولية وتركيزه على الصراعات الإقليمية، وأهمها القضية الفلسطينية. 

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أنَّه حذَّر خلال المناظرة الرئاسية الثانية من أنَّه ليست لديه مشكلةٌ مع اليهود، لكن التونسيين الذين يسعون إلى السلام مع «الكيان الصهيوني» يرتكبون «خيانة». ويُؤكِّد هذا التحذير بما لا يدع مجالاً للشك على حقيقةٍ أساسية ومهمة، ألا وهي: تونس لن تُقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل مطلقاً، مادام لا يوجد حلٌّ يُوفِّر العدالة الدائمة للفلسطينيين. لكن كلمات سعيد الحادة يُمكن أن تأتي بنتائج عكسيةٍ أيضاً، عن طريق إلهام الإسلاميين الراديكاليين، وإثارة مخاوف القادة العلمانيين حول أنَّ «المزايدة» في القضية الفلسطينية ستزيد خصومهم السياسيين قوة.

وتُسلِّط هذه المخاوف الضوء على العلاقة المُعقَّدة بين السياسات المحلية التونسية وبين الديناميات الإقليمية. 

وفي ظل تنافس مصر والإمارات وقطر وتركيا على النفوذ وسط الحرب في ليبيا، والاحتجاجات الديمقراطية المُناهضة للجيش في الجزائر -ناهيك عن الجهود المتواصلة من تلك الدول للتأثير على سياسات تونس الداخلية- سيكون من مصلحة سعيد أن يتبنَّى مبادئ المصالحة وصناعة السلام إقليمياً، وأن ينأى بنفسه عن الحرب الباردة العربية الجديدة التي تستعر على الجانب الآخر من حدود البلاد وفي منطقة الشرق الأوسط ككل.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى