كتاب وادباء

قطار السياسة توقف ونزل كل الركاب..!؟.

قطار السياسة توقف ونزل كل الركاب..!؟.
بقلم الكاتب الأديب

السعيد الخميسى

السعيد الخميسي

* قطار السياسة فى مصر اليوم توقف عند محطة 30 يونيو , ونزل كل الركاب كل لحاله . بل وتم خلع القضبان من تحت عجلات القطار حتى لايتحرك خطوة واحدة ناحية محطة الوصول . وتم سماع صفارات الإنذار التي تحذر الناس أن ركوب قطار السياسة يعرض حياة المواطنين للخطر الوشيك , فعلى الجميع أن يلتزم بيته ويبكى على خطيئته حتى يأتيه اليقين . فالحياة السياسية اليوم فى مصر تم تفريغها من كل القوى الفاعلة على الأرض لصالح أحزاب كرتونية وهمية شكلية كالضريع لاتسمن ولاتغنى من جوع . ولا يوجد إستراتيجية أو خطة لمواجهة قطاعات وشرائح كبيرة غاضبة من الشعب على الوضع الحالي إلا بالمواجهة الأمنية وسياسة القبضة القمعية التي أثبتت فشلها طوال عهد المخلوع . ومن ثم فإن صرح الاقتصاد يتهاوى سريعا وآيل للسقوط كالمبنى المتصدع الممتلئ بالشروخ من كل جهة والذي لايفيد معه عمليات الترميم والترقيع التي تسمى بالتبرعات اليومية . فاقتصاد الدول لايبنى على تبرعات الصالحين ولا على صدقات المحسنين . الوضع خطير سياسيا واقتصاديا وأمنيا , والوطن تحيط به ظلمات الفقر والقمع والاستبداد , ظلمات بعضها فوق بعض  .

* تشير كل تجارب الدول والشعوب على مر العصور أن الوطن الغير مستقر سياسيا لايمكن أن يستقر اقتصاديا وأمنيا . لأن الاستقرار السياسي هو قاعدة المثلث الذهبي ويأتي بعد ذلك الضلعان الآخران المتمثلان فى الاقتصاد والأمن . إن أي محاولة للاستقرار الاقتصادي والأمني حتما ستبوأ بالفشل الذريع والسقوط السريع إن لم يسبقها معالجة كل المشاكل السياسية المتغلغلة فى تربة هذا الوطن تغلغل البلهارسيا في الريف المصري . لقد جرف الطاغية المخلوع طيلة ثلاثين سنة عجاف تربة هذا الوطن بجرا فات أجهزة أمنه القمعية من كل بذور السياسة ووأدها فى مهدها حتى لاتنبت للسياسة ورقة ولا ينمو لها شجرة ولايصبح لها ظل يستظل الناس به . فأضحى الوطن سياسيا كما يرى الجميع كما يقول الشاعر : كالتينة الحمقاء كأنها وتد فى الأرض أو حجر . وصارت السياسة تهمة والترشح للانتخابات جريمة وانتقاد النظام الحاكم رجس من عمل الشيطان على الجميع أن يجتنبوه لعلهم يفلحون وإلا سيسجنون ويعتقلون..! ؟.
* السياسة والاقتصاد والأمن مثلث خطير لايمكن أن يكون لهذا المثلث ضلعان قويان متماثلان دون قاعدة ثابتة قوية تحملهما كما تحمل الأم الحنون رضيعها وترعاه وتخشى عليه حتى من نسيم الهواء . أما مايحدث اليوم من تجريف التربة السياسية من كل القوى الفاعلة واستبدالها بقوى ضعيفة لم تثبت جدارتها طيلة ثلاثين سنة , هو تماما مثل تجريف الأرض الزراعية من المحاصيل الرئيسية واستبدالها بزراعة الخيار والكنتالوب والفراولة وعباد الشمس..!؟. فالشعوب الحرة هي التي تكتفي غذائيا من المحاصيل الإستراتيجية مثل القمح والأرز والقطن ثم تأتى بعد ذلك المحاصيل الترفيهية إن كان لابد منها . المعادلة واضحة والقضية أوضح لكن يبدو أن العين قد تنكر ضوء الشمس من رمد , والفم تنكر طعم الحلوى من سقم . وما أكثر الرمد والسقم الذي أصاب القوم فى هذه الأيام .
* لكن الأسئلة المهمة الجوهرية التي تقلقني وتؤرق مضجعي هى : من ذا الذي سيدفع ثمن ترنح سفينة الوطن فى بحر السياسة الهائج المضطرب..؟ . من ذا الذي سيدفع ثمن سقوط صرح الاقتصاد على قارعة الطريق..؟. من ذا الذي سيدفع ثمن الاضطرابات الأمنية اليومية فى كل شارع وكل ناصية وميدان..؟ . من ذا الذي سيدفع ثمن موت السياسة فى مصر ودفن جثتها فى مقابر الاستبداد..؟ من ذا الذي سيدفع ثمن سقوط أوتاد خيمة الوطن على الرؤوس..؟ . من ذا الذي سيدفع ثمن فاتورة الحساب الباهظة التي تنوء بحملها الجبال الراسيات الراسخات..؟. من ذا الذي سيدفع ثمن فاتورة الدماء التي تسيل انهارا كل يوم بل كل ساعة ولا أحد يحاسب أحدا..؟. هل سيدفعها الأغنياء الأثرياء وعلية القوم , أم سيدفعها السائل والمحروم وابن السبيل كا العادة..؟. المعلوم فى التجارة أن تجار الجملة لايتاثرون بارتفاع الأسعار , وإنما يتأثر المستهلك الفقير الذي يلحس الكل قفاه حتى صار بلا قفا ..!؟. هكذا الأغنياء والأثرياء هم  أول من يقفزون من السفينة عند الغرق..!؟.

* القبضة الأمنية الحديدية القمعية لن تحل مشكلة اقتصادية وإلا كانت الدول الشيوعية فى مقدمة الدول المتقدمة اقتصاديا . لقد قال فيهم الدكتور مصطفى محمود رحمه الله : ” وهل عندهم إلا القمع والأساليب البوليسية ..؟. وهل الرخاء فى البلاد الاشتراكية إلا مجرد منشورات وتصريحات رسمية وبرامج إعلامية والطوابير الهائلة إمام الخيار فى موسكو وشربة الكرنب هي أصدق دليل . ” إن تزوير الانتخابات لنرتد إلى عهد الخمس تسعات لن يحل مشاكل مصر السياسية . وإن فتح المعتقلات والسجون بديلا عن فتح مشاريع اقتصادية يعيش عليها الشعب المطحون لن يحل مشاكل الأمن .  وان قطع الألسنة وتكميم الأفواه ومصادرة الآراء وإلغاء الأحزاب وحل الجمعيات لن يجعل طائرة الوطن تحلق بأجنحة الرخاء الثراء فى سماء العالم . لايمكن للطبيب الناجح أن يكتب روشتة العلاج قبل تشخيص الداء.
* الخطر يحيط بنا من كل جانب , من فوق رؤوسنا ومن تحت أرجلنا وعن إيماننا وعن شمائلنا . ولن ينجو أحد إذا هبت ريح الدمار والخراب ولن يستطيع أحد مهما كان شانه ومركزه أن يقول كما قال ابن نوح عليه السلام ” سآوي إلى جبل يعصمنى من الماء ” لأنه ببساطة شديدة لن يكون هناك عاصم من أمر الله إذا أتى. فالكل فى السفينة والكل سيغرق والكل سيهلك إذا كثر الخبث , الصالحون والطالحون .  لأن سنة الله فى هذا الكون قانون ولا أحد فوق القانون  . فمن يتقدم لينقذ الوطن من هلاك محقق..؟ من يتقدم لإعطاء كل ذي حق حقه..؟ من يتقدم لإرساء دولة العدل والقانون والحرية..؟ من يتقدم ليجعل كل الناس سواسية أمام القانون كأسنان المشط لافضل لأحد على أحد..؟ من يتقدم لترسيخ قاعدة احترام إرادة واختيار الشعب أيا كانت..؟ من يتقدم ليقول للظالم أنت ظالم ولصاحب الحق أنت صاحب حق ولصاحب الباطل أنت صاحب هوى وباطل..؟.
* مصر ياسادة اليوم ليست فى حاجة إلى مطبلين ومزمرين ومزورين ومنافقين ومنتفعين وانتهازيين وناهبين وطابور خامس وسادس وسابع . , لأان هناك فائض فى سوق العمل فى هذه التخصصات ..ّ؟.  بل مصر اليوم فى حاجة إلى وطنيين شرفاء يعملون بالليل والنهار . أياديهم نظيفة وسجلاتهم شريفة وسيرتهم عفيفة يقدمون مصلحة الوطن ومستقبله فوق مصلحتهم الخاصة ومصالح أبنائهم وأحفادهم . مصر اليوم فى حاجة إلى فرسان شجعان لايخشون فى الله ولا فى الحق لومة لائم . مصر اليوم فى حاجة إلى متجردين مخلصين وليست فى حاجة إلى لصوص ناهبين . مصر اليوم في حاجة إلى رجال أقوياء لايخشون فتح كل النوافذ والأبواب , وليست فى حاجة إلى ضعفاء جبناء يخشون طنين الذباب..! . مصر اليوم فى حاجة إلى من يستشعر أن فصيلة دمه هى حب وطنه قولا وعملا وسلوكا , وليست فى حاجة إلى من يعتبر الوطن فندقا للمبيت لقضاء شهواته وملذاته وشرابه وطعامه . حتى ذلك الحين , يفعل الله مايشاء ويثبت وعنده أم الكتاب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى