ثقافة وادب

قتل عشرات الآلاف، ودفع هنري الثامن لفرض الحجر الصحي، تعرف على وباء التعرق

هل تستطيع أن تتخيل أن “التعرق” كان أحد أسباب الموت في العالم في القرن الخامس عشر؟ سمعنا جميعاً عن أوبئة مثل الطاعون والكوليرا، لكن الوباء الذي سُمي “مرض التعرق” لم ينل نصيبه من الشهرة، مع أنه تسبب في مقتل عشرات الآلاف من الناس، ونشر الرعب في معظم أرجاء أوروبا.

وفي حال أصبت بهذا المرض، لا داعي لاستدعاء الطبيب، لأن المريض سيموت غالباً في غضون ساعات بعد أن يبدأ بالتعرق ويشعر بآلام طفيفة في الرأس والقلب.  

تعالوا نتعرف على هذا الوباء الذي واجهه ملك إنجلترا هنري الثامن بالعزل الذاتي:

بحسب ما ورد في موقع History Extra البريطاني، فإن الارتعاش والشعور بالبرد والآلام الشديدة في الرأس والرقبة، من أبرز أعراض مرض التعرق، يليها تعرق ساخن وأخيراً رغبة ملحّة في النوم.

وكانت الوفاة تحدث في غضون ساعات قليلة بعد ظهور هذه الأعراض.

ولم يعرف أحد من الأطباء كيفية منعها أو علاجها، وهو ما تسبب في حدوث حالة من الذعر على نطاق واسع مع بداية كل هجمة وبائية. وحتى يومنا هذا لا يزال سبب المرض غير معروف.

يُعرف هذا الوباء أيضاً بـ”مرض التعرق الإنجليزي”، لأنه بدأ بالانتشار في إنجلترا قبل أن ينتقل إلى عدة بلدان أخرى في أوروبا.

وتفشى هذا الوباء على عدة مراحل، كان أولها في عام 1485 (وهو نفس العام الذي وصلت فيه أسرة تيودور إلى الحكم في إنجلترا).

ومع حلول عام 1551 انحسر المرض فجأة دون أن تعرف أسباب هذا الانحسار، وكان قد قتل عشرات الآلاف من سكان إنجلترا آنذاك، بينما كان البعض محظوظون بشفائهم من هذا المرض.

وفي صيف 1528، عاد هذا الوباء للتفشي ثانية، وارتفع عدد الوفيات فجأة وبسرعة هائلة، وأصيب ما يقرب الألفين في لندن وحدها.

بعيداً عن كونه مرضاً كان قد استفحل في الطبقات الدنيا، فقد أصيب به العديد من الأشخاص المشهورين في بلاط تيودور، بما في ذلك شقيق ووالد آن بولين، جورج وتوماس، إلى جانب الكاردينال ولسي.

وقتل مرض التعرق العديد من النبلاء والحاشية، بما في ذلك اثنان من أبناء دوق سوفولك، هنري وتشارلز، وزوج ماري بولين الأول، ويليام كاري.

على الرغم من أنه غالباً ما يُنظر إلى الملك هنري الثامن على أنه شديد الثقة بالنفس، إلا أنه كان شديد القلق والهوس، لا سيما في ظل انتشار مثل هذا الوباء.

لذا حرص الملك هنري الثامن على أن يتم فحصه بشكل دقيق ويومي من قبل الأطباء الملكيين، كما احتفظ بخزانة دواء مليئة بالجرعات والأدوية لعلاج أي مرض.

 وكانت أي علامة مرضية تظهر في البلاط كفيلة بإدخاله في حالة من الذعر الشديد.

وليس من المستغرب أن يأمر الملك بمجرد سماعه الملك عن آخر تفشي لمرض التعرق اللعين في صيف عام 1528، بتفكيك البلاط على الفور، إذ فرض الحجر الصحي على نفسه وعلى حاشيته كذلك وبدأ رحلة تنقل من منزل آمن إلى منزل آمن آخر في أجزاء مختلفة من البلاد.

فقد أرسل عشيقته آن بولين إلى الحجر الصحي في قلعة هيفر، وهو منزل عائلتها في ريف كينت، وقد حذا العديد من حاشية هنري حذوه، لكن الطبقات الفقيرة لم تكن لديها مثل هذا الخيار وأجبروا على البقاء في مدينة لندن المزدحمة والمليئة بالمرض.

ما أرعب الملك، بينما كان مختبئاً في ما نسميه اليوم “العزل الذاتي”، هو علمه أن حبيبته آن بولين قد أصيبت بالمرض.

ورغم كل أحاديثه عن حبه لها الذي لا ينتهي، بقي هنري بعيداً عنها واكتفى بإرسال رسائل الحب لها، بالإضافة إلى تطبيبها على يد ثاني أفضل أطبائه، ويليام بوتس.

وبالرغم من أن آن بولين استطاعت النجاة من المرض، لكن معدل الوفيات بشكل عام كان مرتفعاً بنسبة 50% في بعض المناطق.

الآن فقط، ونحن في خضم جائحة عالمية، يمكننا أن نتخيل ونشعر بحالة الرعب الكامل الذي تسبب فيها مرض التعرق.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى