ثقافة وادب

قتل الشيوعيون أباه فانضمّ إليهم وأصبح عميلاً لأمريكا، لكنّه أنقذ العالم من حربٍ نووية كبرى

في عام 1962، تحدى العقيد السوفييتي أوليغ بنكوفسكي إدارة بلاده وسرّب معلوماتٍ لعدوتها اللدودة الولايات المتحدة، وقد أنقذ موقفه هذا العالم من حربٍ نوويةٍ محققة، لكنّه في النهاية دفع حياته ثمناً لموقفه. وفق ما ذكره موقع All That’s Interesting الأمريكي. 

فبعد الحرب العالمية الثانية أصبح الاتحاد السوفييتيّ قوةً ضخمة لا حدّ لها، وسيطرت على مساحاتٍ هائلة من أوروبا الشرقية، وانقسم العالم لقسمين: العالم الشرقي التابع للاتحاد السوفييتي، والعالم الغربي التابع لأمريكا. وبدأت حربٌ بين القطبين سمِّيت بـ”الحرب الباردة”، ولم تنتهِ تلك الحرب إلا عام 1991 بتفكك وانهيار الاتحاد السوفييتي.

وفي هذه الأجواء من الحرب الباردة، في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 1962، كانت أمريكا والاتحاد السوفييتي على حافة حربٍ نووية، بعد أن رصدت صواريخ نووية تابعة للاتحاد السوفييتي في كوبا. 

وكوبا هي دولة شيوعية تقع في خليج المكسيك جنوب أمريكا. وتتمثّل خطورة الصواريخ النووية في كوبا في أنّها في الحديقة الخلفية لأمريكا، ويمكن إطلاقها بسهولة وببساطة عليها.

وبينما كان الرئيس الأمريكي كينيدي، ورئيس الوزراء السوفييتي نيكيتا خروتشوف يهددان على شاشات التلفزيون بإطلاق أسلحةٍ نووية، غيَّر أحد الجواسيس السوفييت مجرى التاريخ في الظل.

على الرغم من أنّ معظم معلومات أمريكا عن تركيب صواريخ نووية تابعة للاتحاد السوفييتي في كوبا كان مصدرها صور طائرَة تجسس، كان هناك رجلٌ تحدى إرادة دولته ليوصل لأمريكا معلوماتٍ استخباراتية مهمة ساعدت في منع حرب نووية حقيقية.

أنقذ أوليغ بنكوفسكي العالم من سُحُب الانفجارات النووية التي تشبه الفطر (المشروم)، ومنع وفياتٍ لا تعدُّ ولا تحصى في خريف عام 1962. فبدون ضابط المخابرات العسكرية السوفييتي الكبير، ودوره الفعّال بصفته عميلاً مزدوجاً في ذلك الوقت، لتحوَّلَت الحرب الباردة إلى حربٍ نوويةٍ شديدة الخطورة.

وُلد أوليغ فلاديميروفيتش بنكوفسكي، يوم 23 أبريل/نيسان، من عام 1919، في مدينة فلاديكافكاز بروسيا. ومات أبوه في العام نفسه في قتاله ضد الشيوعيين في الثورة الروسية.

لكنّ بنكوفسكي كبر وانضم للجيش الأحمر بعد ذلك بثمانية عشر عاماً، بالتحديد في عام 1937. في ذلك الوقت كان الهمّ الأكبر للجيش هو سحق ألمانيا النازية، وفي الحرب العالمية الثانية قاتل بنكوفسكي ضمن سلاح المدفعية.

ترك بنكوفسكي الجيش بعد إصابته في أرض المعركة عام 1944، والتحق بأكاديمية فرونز العسكرية الشهيرة. وتخرّج في الأكاديمية العسيرة في عام 1948، وانضم على الفور إلى مديرية المخابرات الرئيسية الروسية GRU.

كانت هذه هي هيئة المخابرات العسكرية في روسيا، التي تهتمّ بشأن أي تهديداتٍ خارجية، وجنّدت أشخاصاً قادرين على الخديعة وتحويل العقبات المحتملة إلى منفعة. كانت هذه المؤسسة ذات نفوذ جيوسياسي، مقارنة بالاستخبارات الروسية (KGB)، التي كانت تركز على سحق المعارضة الداخلية.

حدَّدَت هذه النقلة من الجيش إلى الاستخبارات العسكرية مسار حياة بنكوفسكي. وبعد الالتحاق بالأكاديمية الدبلوماسية العسكرية في الفترة من 1949 حتى 1953، أصبح رسمياً ضابط استخبارات وعمل في العاصمة موسكو.

بعد أن أصبح عقيداً في عام 1960، أصبح نائباً لرئيس القسم الأجنبي في لجنة الدولة لتنسيق البحث العلمي طوال السنتين التاليتين. ومن خلال منصبه جمع وقدَّر المعلومات التقنية والعلمية للغرب.

في ذلك العام أرسل أوليغ بنكوفسكي رسالةً إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية عن طريق سائحين أمريكيين يقول فيها: “أطلب منكم اعتباري أحد جنودكم. وبهذا ستزداد صفوف قواتكم المسلحة رجلاً آخر”.

كانت وكالة الاستخبارات البريطانية MI6، المعروفة في ذلك الحين باسم SIS، قد حاولت بِجِدّ اختراق لجنة الدولة للعلوم والتكنولوجيا التابعة للاتحاد السوفييتي. وجندوا قبل عام من الأزمة رجل أعمال مدنياً بريطانياً اسمه غريفل وين ليُتِمّ هذه المهمة.

أسس وين شركة تصدير منتجات الهندسية الصناعية قبل ذلك بسنوات، ووفر السفر الدولي بسبب طبيعة عمله غطاءً ممتازاً للتجسُّس. وفي أثناء إحدى رحلات وين إلى لندن، في شهر أبريل/نيسان من عام 1961، سلم بنكوفسكي مجموعةً ضخمة من الوثائق وفيلماً ليوصله إلى الاستخبارات البريطانية.

لم تصدِّق الاستخبارات البريطانية ما حدث، وكذلك الأمريكان الذين أرسلت لهم المخابرات البريطانية هذه الوثائق. بعد أن ألحَّ بنكوفسكي على وين لترتيب لقاءٍ مع الكيانات المعنية، أصبح رسمياً جاسوساً للغرب معروفاً بالاسم الحركي “هيرو” أي “بطل”.

قضى أوليغ بنكوفسكي، الذي أصبح الآن عميلاً مزدوجاً، العامين التاليين يمدُّ مخابرات الغرب بوثائقَ مسروقة سرية للغاية، وخُطط حرب، وكتيِّباتٍ عسكرية، ورسوماتٍ توضيحية لصواريخ نووية.

أخفى بنكوفسكي الوثائق في علب السجائر والحلوى وخبَّأها في أماكن عامة متفق عليها، وهي طريقة معروفة في أساليب التجسُّس لتسليم الأشياء بسريَّة. وقد سمح له هذا الأسلوب بنقل أشياء إلى استخبارات العالم الغربي دون جذب الانتباه.

كانت هناك حلقة اتصالٍ أخرى مع بنكوفسكي إلى جانب غريفل وين، وهي جانيت تشيشولم، زوجة روري تشيشولم، ضابط الاستخبارات البريطانية الموجود في السفارة البريطانية في موسكو.

حتَّم دور بنكوفسكي عليه السفر لبريطانيا، وفي البداية لم يشُكّ الروس في أنه جاسوس. وأمد بنكوفسكي الاستخبارات الأمريكية والاستخبارات البريطانية بجلساتِ نقل معلوماتٍ مكثّفة مجموعها يصل إلى 140 ساعة، وأوصل وثائق لا تُقدر بثمن، وأكثر من 5 آلاف صورة للسوفييت!

نتج عن هذا 1200 صفحة مكتوبة نقلاً عما قاله، وخصَّصت الاستخبارات الأمريكية والاستخبارات البريطانية 30 مترجِمَاً ومحلِّلاً للتركيز على ذلك.

وقد ساعد عمله الاستخبارات الأمريكية على التأكد من أن الإمكانيات السوفييتية النووية أقلَّ بكثير من الترسانة الأمريكية، وهي معلومات أثبتت أهميتها في حل أزمة الصواريخ الكوبية.

بدأت أزمة الصواريخ الكوبية يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول من عام 1962، عندما صوَّرَت طائرة U-2 التجسُّسية صوراً لتركيب صواريخ نووية في كوبا، مما أكَّد أن السوفييت يعدُّون العُدَّة ولديهم قدرات خاصة بهم. وعلى مر الأسبوعين التاليين، انخرط جون كينيدي وقائد الاتحاد السوفييتي نيكيتا خروتشوف في مفاوضاتٍ محمومة، لكن الأمريكيين كانوا يخبئون ورقةً رابحة.

بفضل ملفات بنكوفسكي، تمكَّن محلِّلو الاستخبارات الأمريكية من التعرُّف بدقّة على الصواريخ السوفييتية التي صُوِّرت في كوبا، وأعطوا الرئيس كينيدي تقاريرَ دقيقة عن مدى وقوة هذه الأسلحة.

أظهرت ملفات بنكوفسكي المسروقة أنّ الترسانة السوفييتية كانت أصغر وأضعف مما كان يعتقده الأمريكيون في السابق. بالإضافة إلى ذلك، كشفت الملفّات أن أنظمة التوجيه السوفييتية لم تعمل بعد، وكذلك أنظمة التزويد بالوقود. 

ومن المعلومات الواردة من أوليغ بنكوفسكي إلى جانب صور طائرة U-2، عرفت أمريكا أماكن إطلاق الاتحاد السوفييتي بالتحديد، والأهم من ذلك قدراتهم الضعيفة في الأهداف بعيدة المدى. وقد منحت هذه المعلومات اليد العليا لكنيدي، وهو ما احتاجه للانتقال بالمفاوضات بنجاح بعيداً عن حافة الحرب النووية.

بعد 14 يوماً من المفاوضات الشديدة، وافق خروتشوف في يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول على سحب الصواريخ النووية السوفييتية من كوبا وتنفَّس العالم أجمع الصعداء.

لكن بالنسبة لأوليغ بنكوفسكي، فقد عجَّل عمله التجسسي الذي غير وجه العالم من ميعاد موته. فقبل 6 أيام من نجاح حل كينيدي الدبلوماسي للأزمة، أُلقِيَ القبض على بنكوفسكي. وما زال غير معروفٍ حتى الآن كيف كُشِفَ أمر بنكوفسكي. 

هناك نظرية تربط بين القبض عليه وبين حلقة الوصل بينه وبين الاستخبارات. فقد كان روري تشيشولم زوج جانيت تشيشولم (التي تتواصل مع بنكوفسكي) يعمل مع رجلٍ اسمه جورج بلاك، والذي اتضح لاحقاً أنه عميلٌ للاستخبارات الروسية.

ويُعتقد أنه بمجرد أن كشف هذا العميل بنكوفسكي، بدأ أمن الدولة في مراقبته في منزله من شقق سكنية على الجانب الآخر من النهر، وأكدت أنه كان يلتقي بعناصر استخبارات غربية.

وبعد القبض عليه مثُل في محاكمةٍ علنية في شهر مايو/أيار في عام 1963. ولم تكن تهم التجسس في المحاكم السوفييتية تعامل بهوادة بالطبع، وحُكم عليه بالإعدام. قال ألكسندر زاغفوزدين، رئيس محققي أمن الدولة إن بنكوفسكي “تعرض لحوالي 100 استجواب”، ثم مات رمياً بالرصاص.

لكنّ العميل فلاديمير ريزون قال في مذكراته إنه رأى مشاهد لبنكوفسكي وهو مربوطٌ على نقالة داخل محرقة، وحُرق حياً! وفي كلتا الروايتين مات العميل المزدوج يوم 16 مايو/أيار من عام 1963. ويُزعم أن رفاته أُلقِيَ في إحدى المقابر الجماعية في موسكو.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى