آخر الأخبار

(في محاولة لفهم تطورات الوضع في الملف السوري التركي )

نبع_السلام تكشف ينابيع الحرب

مقال #حصري مهم لقراءنا الكرام

بقلم المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي

رضا بودراع

مناضل جزائرى

عضو مؤسس لمنظمة اعلاميون حول العالم

عملية نبع السلام جاءت متأخرة جدا
وهي خير من ان لا تأتي ابدا
ولو تأخرت اكثر ، ربما كان سينتهي اردوغان وحزبه سياسيا وكانت ستعدم الخيارات امام تركيا كدولة اقليمية
بمعنى انها فقدت الكثير من دورها وايضا من امتيازاتها الاقليمية في المنظومة الدولية

١- تحليل الموقف التركي:
المواقف التركية في سوريا كانت متذبذبة ومترددة جدا جدا جدا
عكس جارتها ايران المنغمسة جدا جدا جدا
فإيران كانت جارتها الشمالية والان جاورتها جنوبا في سوريا مع حليفتها روسيا ومن وراءها الصين
ثم جاء من بعيد كلا من روسيا لتصبحا جارتان في الخريطة الجغرافية لتركيا
دون ان ننسى من يدعي الحق التاريخي من حقبة الاستعمار فرنسا وبريطانيا
وامام التدفق الدولي اصبح التردد التركي انتحارا خاصة وان خريطة التحالفات اصبحت ترسم بالدم وليس بالقانون الدولي او حتى المصالح
فلما رأت تركيا ان حلفها مع امريكا و دول الناتو لايساوي شيئا امام حلفهم مع تنظيم البي كا كا pkk!!
كان الحل الوحيد خلق “وزن ثقل ميداني”
وراهنت على بعض الفصائل السورية املا ألا تتوغل فتغرق اكثر بعد عملية درع الفرات المحدودة
لكن السياسة التركية فرضت وجهت نظرها على الفصائل وفق التوافقات الاقليمية والدولية التي التزمت بها انقرة وهذا ما جعل الفصائل السورية تفتر تجاه السياسة التركية وتتجه نحو مسارات اخرى
لكن وحدة المصير لابد ان يجمعهما مرة اخرى
فلا مستقبل للثورة السورية دون الوزن التركي ولا مخرج لتركيا الا بالعنصر السوري
لذلك أعلن الجيش الوطني بأنه سيشارك ب ١٤ ألف مقاتل الى الجانب التركي في عملية نبع السلام

هذه مقدمة لابد منها حتى نفهم المواقف التركية المتذبذبة
فقد بدأت بتبني خيار رحيل الاسد ودعم الثورة
ثم بالذهاب الى المحادثات السياسية في جنيف
وبعدها المزاوجة بين الحلين وصولا لجلسات أستانة التي يبدو انها لن تنتهي مادام الامر خارج يد السوريين.

الموقف التركي عموما كان يدعو لتغيير النظام ودعم الوحدة الترابية لسوريا فهي لا تريد ان ترى نظام بشار على حدودها لكسر الطوق الايراني
غير ان صراع الدول الكبرى ذات المصالح في سوريا اشتد ليخلق حالة عدم التوازن حتى تزاحمت الطائرات المقاتلة في السماء السورية
وهذا ما جعل تركيا تقبل بتقسيم النفوذ وتضمن الشريط الجنوبي بعمق 74 كلم
لكن امريكا وحلفاءها في الناتو لم يقبلوا وسمحت امريكا ب 5ثم 13 كلم وفي زوايا محدودة
لكن عودة مفهومزالخلافة ولو في صورتها المشوهة (داعش) و خلق شبح دولة كردية بعقيدة البي كا كا pkk اصبح يهدد وحدة تركيا نفسها
وهذا ما جعلني اوتقع عملية نبع السلام كما توقعت قبلها عملية درع الفرات بل واتوقع عمليات اخرى وبعمق اكبر
وربما حربا شاملة لان النتائج ستكون وجودية بالنسبة لتركيا وحتى ايران.

٢- ردود الفعل الدولي:
يبدو الروس و الولايات المتحدة في موقف المتفرج من بعيد مما يعطي الايحاء باتفاق (تحت الطاولة)
و اختلفت المواقف الدولية
• الولايات المتحدة الأمريكية: ترامب أمر جنوده بالانسحاب من المنطقة الحدودية بين تركيا وسوريا بعد اتصال هاتفي مع الرئيس التركي
• روسيا: أبدت تفهما لحاجة أنقرة إلى التدخل العسكري في شرق الفرات
• ايران : رفض العملية العسكرية التركية
• أدانت السعودية و البحرين و الأردن و العراق والجزائر و لبنان و الكويت و مصر ما أسمته ” اعتداءً صارخاً غير مقبول على سيادة دولة عربية شقيقة”. كما أدانت كل من فرنسا وبريطانيا وكندا و إيطاليا هولندا إضافة إلى الاتحاد الأوروبي،
و دعت بلجيكا وفرنسا وألمانيا وبولندا وبريطانيا مجلس الأمن الدولي لعقد اجتماعاً طارئاً مغلقاً الخميس لبحث الهجوم
• رحبت قطر و باكستان بالعملية لحد الان.

٤- تحليل المواقف الاقليمية :
الموقف الايراني يرفض بشدة لكنه يوافق تركيا في مسألة الدولة الكردية
فهي مهددة لها ايضا
لكن ايران لن تمانع اتكون دولة كردية على حساب الجغرافية التركية
فملما ضعفت تركيا اكثر تمددت ايران اكثر وهذه معادلة تاريخية وشائكة

بالنسبة لدول الخليج هناك جعجعة سعودية واماراتية سرعان ما رد عليها اردوغان ان عليهم مراجعة تدخلهم العسكري باليمن الذي قتل الكثير من المدنيين في اشارة الى ما سيفرز عنه قرار مجلس الامن بخصوص اليمن قريبا اين يتفاقم التذمر الامريكي والاوروبي بتأجيج ايراني
ولعل الرسالة كانت ان تركيا تستطيع تعقيد امور السعودية بوزنها في الناتو و في مجلس الامن
والحقيقة ان الموقف السعودي الاماراتي لا يحتاج عبقرية لفهمه فبالنسبة لهما انها الفرصة السانحة “لتحديد” اردوغان وتطبيق الخطة “ب” بعدما فشلوا في تحقيق مرادهم بمحاولة الانقلاب ضد اردوغان في ١٥ تموز ٢٠١٦

مصر ايطاليا اليونان والحرب الغازية :
الحقيقة يستحق هذا الملف الدراسة المعمقة وقد افردته ببحث خاص ساشير اليه
ابتداء الموقف المصري يوافق النهج السعودي الاماراتي ضد تركيا ويعتبرها مهددة لكونها تأوي المعارضة لحكمه
لكن القضية لا تقف هنا
فمنذ الانقلاب على الرئيس مرسي و فشل العملية الانقلابية على اردوغان ٢٠١٦ توجه السيسي نحو تقوية الاسطول البحري الحربي
– فالنزاعات حول المجال الجوي والحدود البحرية تاريخية لكن حقول الغاز تسمم العلاقات بين تركيا من جهة ودول شرق المتوسط من جهة أخرى، خاصة ان اكتشافات احتياطيات الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط، اصبحت تشكل توترا متصاعدا بين تركيا و عدد من البلدان خاصة اليونان ومؤخرا ايطاليا ثم مصر
– و في مطلع هذا العام منعت سفن حربية تركية منصة تابعة لشركة الطاقة الإيطالية من التنقيب عن الغاز شرقي الجزيرة، التي تنقسم بين الجنوب القبرصي اليوناني المعترف به دوليًا والشمال الخاضع لتركيا.
– و هناك ايضا صراع الدولة اليهودية مع ايران في لبنان حول القطعة البحرية رقم ٩ والتي تحوي حقول نفطية وغازية ..اضافة الى اتفاق يهودي مصري للتنقيب المشترك عن الغاز في المتوسط ..
وقد اصطدمت تركيا مع مصر التي وافقت مؤخرًا على تطوير بعض حقول الغاز بالتعاون مع قبرص.

– وقد قال “مات بريزا” المسؤول السابق في البيت الأبيض الوضع
” إن المنطقة تواجه الآن توترات جيوسياسية متصاعدة
وتعمق أنقرة من عزلتها بتلك التحركات العدائية، لافتًا إلى أن هناك محورًا جديدًا يظهر بين مصر وقبرص واليونان لمواجهة تركيا !!”
وهنا يحيلنا المسؤول السابق الى نقطة محورية ألا وهو “الناتو الصهيوعربي ”
الذي تريده امريكا بديلا عن الناتو في عملياته بالشرق الاوسط وافريقيا
فالتوغل التركي بعملية نبع السلام يأتي ايضا كعملية استباقية لانشاء هذا الناتو الممسوخ كما يستبق اي حرب بحرية في بحر ايجة من الغرب فتكون انقرة قد أمنت خاصرتها الجنوبية الى حد ما .

تقدير الوضع العسكري و الأمني:
بالنسبة لسير المعركة هناك ثلاث مسارات كبرى
1- التقدم بين تل أبيض و رأس العين ربما بعمق ٣٠ كلم ( و هي مناطق ذات أغلبية عربية و تركمانية) ويتوقع منهم مساندة التراك
2- سقوط جميع المناطق التي تقع تحت سيطرة قسد و تأخذ تركيا كامل الشريط الحدودي بامتدادات مختلفة في العمق مما يعني عملياً عزل قسد عن حاضنتها و بقاء سيطرتها على الحسكة و جنوبها فقط
3- ربما تكون العملية برمتها فخا لتركيا فتجد الاطراف (الراعية والضامنة في الملف السوري امريكا روسيا وايران ) كل الاسباب لتشكيل حلف ضد تركيا ومحاولة كسر شوكتها .

4- امنيا ستبقى المنطقة تحت وطأة انعدام الامن و ربما انفجار موجات متتالية من الهجرة وهذا ما سيزعزع استقرار الننطقة من افغانستان الى آخر نقطة من اوروبا .
وربما سيؤدي ذلك الى تسريع انهيار المنظومة الدولية بشكل عنيف وصعود الحركات الشعبوية المتطرفة
لكن في المقابل سيعطي فرصا تاريخية لقوى صاعدة وشعوبا مقهورة لفرض نفسها و تضمن تموقعها في موازين دولية جديدة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى