الأرشيف

في أحْضانِهِ باكيةٌ

في أحْضانِهِ باكيةٌ

بقلم

أحمد هارون
أحمد الحارون

….
في ليلةٍ ليلاءَ جاءني صوتُها عبر الهاتف ــ  ترتعد الحروفُ وترتجفُ عبر الأثير الكلماتُ.
علمتُ أنَّه قد ألمَّها شيءٌ، فسألتُ كالمستفهم: مُسَلِّمةٌ أم شاكيةٌ؟
قالتْ: كلاهما.قلتُ: وعليكم السلام ــ ومما تشكين؟
قالتْ: لا أدري مِنْهُ أم من نفسي؟ وسكنتْ.
فعلمتُ أني مقبلٌ على مشكلةٍ، ولابد أن أحسنَ المشي فيها، وإلا لماذا اختارتني؟ والذي يصلحُ بين زوجين كمن يحملُ قنديلاً في مفازة مظلمة ٍليضيءَ للآخر، أو كمن يغرسُ فكرةً بين قلبين، أو لعله مُطفئُّ ناراً عجز عن إطفائها زوجين، استجمعتُ بعضَ شجاعتي وقلتُ: كلنا يعرفُ زوجَكِ ونُجِلُّهُ، فهل نالَ حبَّ ورضا الجميع وعجز أن يستميلَ قلبك؟ قالتْ: لا …بل للأسف أنا أعترفُ أنَّ كلَّ سجاياه كريمة ونبيلة، ورغم ذلك هناك قلاقل لا أدري لها سبباً، والأعجبُ أني أراهُ دائماً على حقٍّ.
قلتُ: قد تكون المشكلةُ فيكِ أنتِ وليستْ فيه .قالتْ: ربما.
قلتُ: أحياناً يكونُ خُلقُ الرجل وسموه مع زوجته هو الذي يستدعي منها سوء الخلق.
قالتْ: أترميني بسوء الخلق وجئتك أشكو؟
قلتُ: يا سيدتي أحياناً لا نسألُ المرأةَ حين تغضبُ لماذا تغضبُ؟
قالتْ: ألهذا الحدلا تهتم بالمرأة حتى وهي غضبى؟ أتسخر مني ومنها؟
قلتُ:لا…بل كثيراً ما يكون الغضبُ حركةً في طباعها، ولا سبب له، كمن يكونُ جالساً فيقومُ لا لعله، ولا يدري لماذا قام؟ أو كمن يكونُ هادئاً فيصرخُ ولا يدري لما يصرخ؟ وربما ما يعتري المرأة كل شهر يجعل مزاجها النفسي مضطرباً حتى يزول.
قالتْ: أتقصدُ أن الغضبَ قد يكونُ طبعاً وخُلقاً في تكويننا بنات حواء؟
قلتُ: تقريباً. وتابعتُ كم مرة أغضبكِ زوجك؟ وكم مرة كنتِ السبب في أن تغضبي؟
قالتْ: الحقَّ أقولُ منذُ أن عرفته وهو يغمرني بفيض كرمة، ولا أدري أنه كان سبباً في مشكلة.
قلتُ: الحمد لله وشهدَ شاهدٌ من ذاتها.
قالتْ: حتى في خصامه لي وهجره يغدقُ علىَّ، فأزيد ُأنا عليه حدةً، كأن بي مسحةً من جنون، وأحياناً أتمنى أن أركعَ على قدميه فأقبلها، وأحياناً أتمناه يقسو علىَّ فيؤدب.
قلتُ: المرأةُ يا سيدتي تطلبُ من رجلها الحبَّ في أشكالٍ وصور متعددةٍ، وتطلبُ منه أيضاً أن يخيفها بأسبابٍ قليلةٍ، فإنها إنْ أحبته ولم تخفْ منه شيئاً نفرتْ منه كأنها تُثيره لتعيدَ فيها أسبابَ الخوفِ فتخافه من جديدٍ.
قالتْ: لا أفهم رغم قناعتي دائماً بما تقول.
قلتُ: علامَ يبحثُ الرجلُ في أنثاه؟ وعلامَ تبحثُ الأنثى في رجلها؟
قالتْ: الليلة لا أستطيعُ التركيزَ…..لكن كلُّ رجلٍ يتمنى أنثي تملأُ عينه وقلبه وتطيعه، وكلُّ أنثى تتمنى رجلاً يحتويها.
قلتُ: إلي حدٍ ما أنتِ قريبةٌ لكن ليس كل القرب، فهذه الإجابة تشبه ما يقوله المتحدثون الرسميون باسم القيادة العليا.قالتْ: أسمعك فهاتِ ما عندك.
قلتُ: الرجلُ يبحثُ في أنثاه عن أرق وألطف ما فيها، والأنثى تريدُ أن تكتشفَ في الرجل أخوف وأشد ما فيه .قالتْ:  زدني شرحاً.
قلتُ: الأنثى بلا رقة وحنان تفقدُ أمتع ما فيها عند الرجل، ولذلك يجبُ عليها أن تتفننَ وتشحذُ أسلحتها لتجددَ أنوثتها ورقتها دوماً في عين رجلها، حتى لا يزهدها أو تصبح لديه كتاباً مفتوحاً، وهي تبحثُ في الرجل عن أشد ما فيه وأخوفه حتى تتلاشاه، أو تروضه إن استطاعت.
قالت: لكني لا أخافُ من زوجي ولا أهابه فهو دمثُ الخلق لدرجة تغيظ.
قلتُ: وهذا يا سيدتي سرُّ غضبكِ دوماً وتقلبكِ عليه.
قالتْ: أنعيبُ على الكريم كرمه؟ وعلى نبيل الأخلاق نبله؟
قلتُ: من تمام لذةِ المرأة في رجلها أن يقسو عليها بين حين وآخر، لا ليؤذيها بل ليخضعها أو يسكنَ ثورتها.قالت: كأننا نريدُ العقابَ في خِلقتنا؟
قلتُ: من طبيعةِ المرأة الرقة والحنان والدموع، فهي تحتاجُ إلي من يحيي فيها طباعها،
فتحتاج لبعض الأحزان لتحركَ دموعها، فإن لم تجدْ بعض المصائب الخفيفة أو الثقيلة، جعلتْ زوجها بعضَ هذه المصائب.قالتْ: لا أفهم، أتدعي المرأة مصائبَ وتخترعها؟
قلتُ: لا يا سيدتي. فالمرأةُ تخافُ أن تفقد أسلحتها، ولذلك تسنُّ شفرتها من حين لآخر.
قالتْ: كيف؟
قلتُ: إنْ لم يحتوي الرجلُ امرأته حباً وخوفاً ورغبة ورهبة، تخشى أن تموتَ فيها الأنوثة التي بها جمالها، وهنا إما أن تتذمرَ أو يتصلبُ فيها لينها وتتحجرُ عواطفها.قالتْ: والنتيجة في كلتا الحالتين؟
قلتُ: حين تتذمر تعلنُ ثورة سلمية، ًليعيدَ رجلها توازنها النفسي وبنيانها الأنثوي
من جديدٍ .قالتْ: وحين تتحجرُ عواطفها؟
قلتُ: إنْ لم يُعدْ رجلها توازنها وبنيانها الأنثوي من جديد يتصلبُ ضعفُها ولينها ويُخيلُ إليها أنها لا تجدْ رجلها أو تبغضه، فهناك سلوكان لا ثالثَ لهما.قالتْ: وهما…
قلتُ: إما أن تتجرأ عليه وتكونُ بخلافِ طبيعتها، فلا تطيعُ وتعربدُ وتملأُ بيتها شرّاً وصخباً، وإما أن تتنازلَ عن بعض حقها وتدع الحياة تجري في أبنائها، لتعوضَ ما تفقده، وتؤثر الآخرة على الدنيا، ويبقى الرجلُ في عينها رجلاً وإن قلَّ، وتتذكرً أنه جنتها وسيحاسبها الله ماذا صنعتِ بدنياكِ؟ وماذا صنعتِ بزوجك؟ قالتْ: كأنك تردني إلي زوجي ردّاً جميلاً.
قلتُ: إنما جئتِ تشكين نفسك وطباعها إلي الآن، وليس هناك شكوى من زوجك، فأنا لا أردكِ، بل أدعُ بعضَ عقلكِ يردُّ بعضَ تهورك وحدة طباعك.
قالتْ: لا تفهم أني متمردةٌ على زوجي أو متسلطة، أو لا أبادله الطاعة معاذ الله، لكن أحياناً أجدُّ في نفسي ثورة لا أعلنها.
قلتُ: حين تتزوجُ المرأةُ وتنشدُ كمالا ًفي رجلٍ، فتجده في قوته ورجاحة عقله وفتنته وحبه إياها، فهي وإن كانتْ له أَمَةً مطيعةً وخادمة مريحة، ربما لا تصيبُ من الأجر إلا النصف.قالتْ: كيف؟
قلتُ: لنفرضَ أنها تزوجتْ رجلاً ثم وجدتْ فيه عكس الكمال الذي تتمناه، فلا قوة في جسم، ولا رأي لعقلٍ، ولا حب ولا فتنة.قالتْ: إن هذا هو الموتُ المعجلُ.
قلتُ: إذا وجدتْ هذا الموت العاجل، وكانتْ له أَمَةً مطيعةً وخادمةً مريحةً، وتنازلتْ عن معظم حقوقها، وآثرتْ الباقية على الفانية، فبكم من الأجر تذهبُ؟ وهل نساويها بسابقتها؟
قالتْ: لا .قلتُ: هذا ما أقصده.قالتْ: ومَنْ مِنْ النساء يفعلُ ذلك؟
قلتُ:  أقلُّ القليل، ونفس الشيء للرجل، قليلٌ قليلٌ من يصبرُ على زوجته وفحشها لينالَ رضا الله، ودوماً تأتي القلةُ في القرآن محمودة وتأتي الكثرةُ مذمومة، اللهم اجعلنا مع القليل.
قالتْ: أراكَ عريتني من بعض المزايا التي كنتُ أتزينُ بها أمام زوجي(كالطاعةِ وعدم رفع الصوتِ وفي نفسي أثور لا عليه).
قلتُ: لا…الأمرُ ليس هكذا، فإن رزقكِ الله بزوج فيه من الرجولة ما تنشدين وتقابلي ذلك بطاعته والوفاء إليه فهذا أقل القليل لشكره وشكر الله.
قالتْ: وماذا علينا أن نفعلَ معشر النساء تجاه أزواجنا؟ أنتم دوماً ترموننا بأننا أصلُ البلاء.
قلتُ: لابدَ أنْ تتركَ النساءُ بعضَ حقوقهن لأجلِّ صلاح الأمة والمجتمع وحفظ نظامهما، كما يتركُ الرجلُ حقه كله حين يبذلُ روحه دفاعاً عن وطنه وعرضه، فالمرأةُ تجاهدُ حين تصبرُ، ويكونُ لها مثلُ أجر الرجل حين يقاتلُ في سبيل الله، فطاعة الزوج والاعتراف بحقه وفضله يعدلُ الجهاد في سبيل الله، وقال الرسولُ ـ صلي الله عليه وسلم ـ :”وقليلٌ منكن من يفعله”
قالتْ: كأنك ترميني سفاهة في عقلي وفكري.
قلتُ: فليسامحكِ الله، إنما دفعني اللهُ في طريقك ربما لأنيرَ شمعةً في يدكِ بعودِ ثقابٍ منحني الله إياه.
قالتْ: لم تقلْ لي ماذا على أن أفعلَ الآن؟ قلتُ: عودي لبعض عقلكِ وكلِّ جنتكِ.
قالت: كيف؟ قلتُ: اذهبي إلي زوجكِ وقبلي قدمه وهو ذو نفس كريمةٍ وسيرفعُ عنكِ حرجَ الباقي.
قالت: أخشي أنْ يفهمَ أني إليه ذاهبةٌ من بابِ ضعفٍ وحاجتي إليه احتياج الأنثى لرجلها، وهذا لا محل له عندي الآن.
قلتُ: لا يا سيدتي، لستِ أنتِ الضعيفة، بل هو، وإن كنتِ إليه محتاجة، فهو إليك أشد.قالتْ: كيف؟
قلتُ: معظم الناس يتصورون أن المرأةَ ضعيفةٌ أمام حاجتها للرجل، أو أن شهوتها تزيدُ وتضاعف شهوة الرجل.قالتْ: أليستْ هذه حقيقة؟
قلتُ: لا هي أخطاءٌ توارثناها لنزيدَ من ضعفِ خِلقةِ المرأة، ونمنحُ الرجلَ قوةً ليستْ من حقه.قالتْ: أتتكلمُ جَدّاً أم هزلاً؟ قلتُ: بل الْجَدَّ أعني وأقولُ.قالتْ: زدني إيضاحاً..
قلتُ: حين يقولون أن الله جعل للمرأة شهوةً تزيدُ عن شهوة الرجل بسبعة أضعاف…بالله عليكِ كيف جعل الله للرجل أن يتزوجَ بأربع، ويتسرى بما شاء وقت كانت الإماء؟ وهو صاحب الشهوة الأقل والرغبة المحدودة، وعلى الجانبِ الآخر يضيقُ الله على المرأة فلا تزيد على رجل، وربما كان لها منه الربع وهي صاحبة الشهوة المضاعفة والرغبة الكبيرة؟
قالت: لا أعرفُ….نحنُ نسمع ونرددُ لكن لا مرجع لنا في أقوالنا.
قلتُ: أيُعقلُ أن يُضيَقَ على الأكثر شهوة والأحوج ويوسعُ على الأقل؟
قالتْ: ربما هذا خوفاً من اختلاط الأنسابِ، حيثُ المرأةُ موضع النطفة، وفي التوسعة للرجل يكثر النسلُ وتعمر الأرضُ.قلتُ: إنْ كان ما تقولينه صحيحاً فإنها لا تعدو وجهة نظر.
قالتْ: ربما هو أيضاً من قبيلِ تفضيل الرجل بأن وسع له وهو الأدنى شهوة لأنه من ينفقُ وله القوامة، والمرأة مقصورة في بيتها وصلاتها في بيتها أفضل من المسجد، فلذلك لا تقع عينها على الرجال كثيراً بخلاف الرجل، فحاجته إلي أكثر من واحدة أشد من احتياجها.
قلتُ: يا سيدتي إنَّ طبيعة الذكر الحرارة وطبيعة الأنثى البرودة، وصاحب الحرارة يحتاج من(…..)ما لا يحتاجه صاحب البرودة، والواقع والتاريخ يوحي لنا بأنَّ المرأة قد تستغني عن الرجل أكثر من استغناء الرجل عن المرأة.قالتْ: أول مرة أسمعُ هذا الكلام، وممن؟ من رجل!
قلتُ: طالما هذه الأقوالُ لا مرجع لها ولا دليل يبقى للعقل حكمه وإن أخطأ.
قالتْ: أراح الله بالك. أيحتاجني زوجي أكثر من احتياجي له الآن؟
قلتُ: أنا على يقين من ذلك فاذهبي له، فإنه يطيع الله فيكِ، وأنت تعصي الله فيه، والمرأةُ في عين رجلها كالدار المبنية، لا يسهلُ تغيير حدودها إلا إذا صارتْ خراباً، والمرأة وحدها هي الجو الإنساني لدار زوجها، فمنكن من تدخل الدار فتحيلها روضة وإنْ لم يكن فيها شيء، وأخري تجعلها كقيظ الصحراء وعواصفها وإن كانتْ عامرة.
يا سيدتي…حقُّ الرجل على زوجته هو حقٌّ من الله وهبه إياه ثم من المجتمع ثم من نفسه وقوامه عليها ثم من لطف المرأة حين تكون لطيفة، وليس عجباً ما قاله النبي صلي الله عليه وسلم: ” لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا”
وانقطع الاتصالُ فجأة…فأيقنتُ أنها ذهبتْ لتبيتَ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى