كتاب وادباء

عُلماءُ وعَوَالِمُ

عُلماءُ وعَوَالِمُ

بقلم

 أحمد الحارون

البونُ شاسعٌ بين التربية وبين التعليم، فهدفُ التعليم هو إيصالُ المعلومة إلى المتلقي واستيعابه وفهمه لها دون النظر إلى تطبيقه أو عدم تطبيقه لمقتضاها، أما هدفُ التربية فهو إيصالُ المعلومة مع الممارسة المستمرة لمقتضاها وما تدل عليه في الواقع العملي حتى تنشئ في ذات المتلقي أثراً دائماً ينتج عنه تغيُّر في سلوكه. فلا تكفي المعرفة النظرية بالقيم والأخلاق لكي تصبحَ واقعاً وسلوكاً في حياة المرء، بل لابد من أن يتربى عليها ويمارسها واقعا وتطبيقاً، ومن هنا يأتي دور المدرسة وأهميتها في حياة المسلم كونها بيت ومستهدف التربية المعرفية والخلقية، وهي محل التقويم والتقييم وتعديل السلوك وتوفر القدوة ، وأهم حلقات منظومة الحياة …المعلمُ والعَالِمُ والقاضي. وشرُّ الناس هم العلماء والمعلمين ما لم  تكن أخلاقهم وسلوكهم دروساً حية للفضيلة والصدق وقول الحق في كل موطن . وقوة العالم أن يعملَ وجوده فيمن حوله أكثر مما يفعل هو نفسه، كما أن الأمراض المعدية تعمل فيمن لامسها أو اقترب منها، فالعالم القوي المتصل بالله حين يقف في وجه الظلم تنتشر قوته بالعدوي فيمن حوله … ففعل العالم الفاضل في الناس أقوى من قراءة ألف كتاب في الفضيلة، كما أن سلوك المرأة العفيفة أمام مرمي العين والبصر يكفي ويزيد عن قراءة الكثير من كًتب العفة. وسيظل التاريخ يذكر ويسجل مواقف رائعة لعلماء دارت الأرض حولهم إجلالاً وتعظيما لصنيعهم، فهذا ابن حنبل لا يترخص رغم كبر سنة وشدة العذاب عليه في محنة خلق القرآن، ورفعه الله في أعين العلماء من مشايخه فضلاً عن تلاميذه، ووهبه الله من كلِّ باب من الفضائل فله في كلٍّ نصيبٌ ..في الزهد إمام يُشهد له، وفي الورع يقارن بكبار الأمة، وفي الجرح معتدل، وفي الفروع فقيه.وهذا سعيد بن جبير كان وعاءً من أوعية العلم، فعن خصيف قال: كان أعلمهم بالقرآن مجاهد وأعلمهم بالحج عطاء وأعلمهم بالحلال والحرام طاووس وأعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب وأجمعهم لهذه العلوم سعيد بن جبير، ويقول ميمون بن مهران: لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض رجل إلا يحتاج إلى سعيد، ولو لم يكن من تاريخ سعيد بن جبير إلا مشهد موته وحواره مع الحجاج لكفانا وزاد وفاض … لنتعلم منه كيف كيف يكون العالمُ متصلاً بربه واثقاً في نصرته غير مكترثٍ بحاكم ظالم مهما بطش وتجبر، وحين أدخله جنود الحجاج على الحجاج سأله فقال: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير. قال: بل أنت شقي بن كسير.قال: بل أمي كانت أعلم باسمي منك، قال: شقيت أنت وشقيت أمك، قال: الغيب يعلمه غيرك. قال: لأبدلنك بالدنيا نار تلظى. قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا. قال: فما قولك في محمد صلى الله عليه وسلم؟. قال: نبي الرحمة إمام الهدى. قال: فما قولك في علي في الجنة هو أم في النار؟ قال: لو دخلتها فرأيت أهلها عرفت. قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل، قال: فأيهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي. قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عنده، قال: أبيت أن تصدقني، قال: إني لم أحب أن أكذبك، قال: فما بالك لم تضحك، قال: وكيف يضحك مخلوق خلق من الطين والطين تأكله النار؟ قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستوِ القلوب، قال: ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والياقوت والزبرجد وجمعه بن يدي سعيد. فقال: إن كنت جمعته لتفتدي به من فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جُمع للدنيا إلا ما طاب وزكا. ثم دعا الحجاج بالعود والناي فلما ضُرب بالعود ونُفخ في الناي بكى. فقال الحجاج ما يبكيك هو اللهو؟ قال: بل هو الحزن أما النفخ فذكرني يوم نفخ الصور، وأما العود فشجرة قطعت من غير حق، وأما الأوتار فأمعاء شاة يبعث بها معك يوم القيامة. فقال الحجاج: ويلك يا سعيد. قال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. قال: اختر أي قتلة تريد أن أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج فوالله ما تقتلني قتله إلا قتلتك مثلها في الآخرة؟ قال: فتريد أن أعفوا عنك؟ قال: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر؟قال: اذهبوا به فاقتلوه. فلما خرج من الباب ضحك فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده. فقال:ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلمه عنك، فأمر بالنطع فبسط فقال: اقتلوه. فقال: “وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض”. قال: شدوا به لغير القبلة.قال: ” فأينما تولوا فثم وجه الله”. قال: “منها خلقناكم وفيها نعيدكم”. قال: اذبحوه. قال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة، ثم دعا الله سعيد وقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي فذبح على النطع فما مكث بعده سوى أربعين يومًا حتى قصمه الله عز وجل.  وما أمر العز بن عبد السلام منا ببعيد، فلا يُذكر العز بن عبد السلام إلا وتُذكر الهيبة التي يهبها الله للعاملين المخلصين من عباده، لا يُذكر العز (رحمه الله) إلا وتُذكر معه الجرأة على كل مخالف لشرع الله، مهما علا مكانه، وارتفعت بين الناس مكانته.ولما ذهب الشيخ أبو الحسن بنان الحمال إلى ابن طولون يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وقد اشتد بطشه، أمر ابن طولون أن يُلقى الشيخُ للأسد، أسد أغلظ ما يكون في قفص يفتح من أعلى ويوضع له الشيخ، فما لان الشيخ ولا انتكس ولا شارك في انقلاب ولا فوض في قتل ولا أخذ بالرخصة، ولا هادن السلطان الجائر، فـــــ يا برهامي سموك ياسر تيمناً ولم تأخذ من سيرة ياسر شيئاً، يا برهامي خاف الشيخ من الله فأخاف الله منه الأسد، يا برهامي حين وقف الشيخ في وجه السلطان الظالم نسي الدنيا الفانية فرآه الأسد الجائع كهالة من نور وليس رجلاً من لحم وعظم، يا برهامي لما انصرف الأسد عن الرجل ونام بجوار الشيخ الواقف سأله ابن طولون: ما الذي كان في قلبك وفيم كنتَ تفكر وأنتَ داخل القفص مع الأسد؟ أجابه الشيخ: لم يكن عليَّ بأس، وإنما كنتُ أفكر في لعابِ الأسد أهو طاهر أم نجس؟ يا برهامي تحل التصويت على دستور لقيط وتروج له وتدعي أنه كأكل الميتة، يا برهامي تتنكر من دستور الاستبضاع  وأنتَ أحد آبائه وأولى بك أن تتبرأ وتتوب من سوء فعالك، فأنت لا تمثل إلا نفسك، ومن حولك لا يزيدون على أصابع اليد الواحدة، واسأل عنهم أمن دولتك، يا برهامي أنت وثلتك القليلة أسأت إلى السلفية في أيام أضعاف ما أحسن إليها غيرك في عقود، يا برهامي: لو قلت كلمة حق الآن وأظنك لن تقول فلن يرميك الانقلاب في قفص مع الأسد، ربما يلقيك وعلى أقصى تقدير خلف زنزانة مع رجال نحسب أقلهم أفضل عند الله منك ولا نزكيهم على الله، بل الله يزكي من يشاء، أما الطيب وجمعة وكريمة ومن دار في فلكهم فلا نعيب على ذبابٍ آثر البِركَ على الماء العذب، وفضل التِّيهَ عن دخول الباب، ولا نقول إلا: لعل الله يخرج من أصلابهم…..  لذا فلا يستحقون الكلام، رد الله أبعدنا عن الصواب للصواب…اللهم آمين.

‫6 تعليقات

  1. كاتبنا الكبير أحمد
    هذه المقالة اظهرت بشكل قاطع ان أمة اقرأ فعلا لاتقرأ ، فلو كنا نقرأ لما كان هناك مكان لهؤلاء العلماء الجهلة مكان بيننا ، لقد تمتعت بقراءة المقال وتنقلت بين سطوره .
    لكن كيف كيف تشرح لهم مفهومَ الكرامة وقد أصبحت الكلمةُ غريبةً عليهم، بعيدةً عن قدراتهم الاستيعابية، بل منفرةً لهم لأنه تُذَكّرهم بالكف الغليظة التي تهبط منذ ربع قرن على قفا كل منهم، فيصمت، ويبتسم، ويمسح عرقه، ويخفي وجهه، أو يفلسف وجهة نظره في ضرورة قبول الأمر الواقع لأن العناية السماوية أعدت للصابرين منهم نعيما مقيما؟
    سمير يوسف

    1. شكر الله لكم أستاذي الفاضل/ سمير يوسف هذا المرور الذي يسعدنا، فهو من قبيل تشجيع المعلم لتلميذه فجزاكم الله خيرا، فتقبل مني سيدي بضاعة المقل، وأسأل الله أن نسخر قلمنا للدفاع عن كل مظلوم ونصرة لدينه وأهل دعوته، وأزمة أمتنا يا سيدي ليست في القراءة بقدر ما هي أن نعمل بما قرأناه، فسلوك المرأة العفيفة أفضل من قراءة ألف كتاب عن العفة، وأعدكم بكتاب قريبٍ عن حب الوطن بشكل ربما يكون جديدا، وستكتب إن شاء الله مقدمته، أسأل الله أن ألتقي بكم دائما في طاعته وعلى حبه. كن بخير لا غير سيدي، ومودتي لكم.

  2. لذلك الحاجة تلح أن تستيقظ الأفراد والشعوب المندهشة التى تعيش حالة إندهاش مستمر من الثورات العلمية وإندهاش وسخط من الفساد الغربى وإندهاش من ديمقراطية الشياطين ، هذا الأندهاش المستمر الذى يصاحبه التفكر المستمر بلا هدف طبقاً لخصوصية العقل العربى أقصد الفكر العربى لأن العقل واحد فى الشرق أو الغرب لكن الفكر أو الثقافة هى التى تحدد هويته ، أتمنى أن يتوقف المرء هنيهة عن إندهاشه المستمر حتى لا يأتى اليوم الذى ينظر العالم إلى جهلنا ويقول ساخراً : أصحاب العقول فى راحة !!
    أما برهامي فمثله كمثل من يعبأ الشمس في زجاجات..
    …..شكرا لصاحب هذا المقال الثري ..

    1. حيا الله أختنا الكريمة الاستاذة/ كوثر يونس… وشكر لكم هذا الطرق على حقيقتنا المؤلمة وكأن العقل الجمعي العربي في سبات متى يفيق منه؟ فصرنا نتعامل مع الحضارة كمن يشاهد مباراة ولا يشارك فيها، فيمدح من يمدحه ويقدح حتى من فاز، فلا أخذنا من الغرب تقدمهم العلمي المستمر، بل نقدح في سلوكهم الذي لا يعجبنا ونحن أول من يقترف ذات السلوك، أما اليوم الذي يسخر فيه العالم من جهلنا فأظنه جاء ومضى عليه زمانٌ، وتظل مشكلتنا في نخبتنا السياسية والدينية والعلمية، ففي مصر حملة شهادات الدكتوراة بعدد الليمون، والخبراء في كل صعيد والتخلف قابع في أركان عقولنا ومنازلنا. نسأل الله العافية، ويبقى شكركم واجب فجزاكم الله خيرا.

  3. من الضرورى غرس التربية الدينية فى البيئة وتدعيم السلوك القويم لأن البيئة هى المصنع الذى يصنع فيه الناس سلوكا وفكرا وقد أخذنا عينتين من بيئتين مختلفتين إحداها من وسط شعبى راق والثانية من وسط شعبى متدنى والنتيجة واضحة جدا فى تدنى أفكار ومبادىء وقيم المستوى الشعبى المتدنى والثانى كان عنده ميول الأنا وحب الوصول إلى جمع الثروة بدون مجهود وباى طريق وقد أرجحنا السبب فى ذلك إلى ماتزرعه البيئة فى كلا العينتين مع غياب مفهوم الوطتية كاملا والقدوة الصالحة والتى تكون ضرورية لأى مجتمع وكم شروطها ان تكون من نفس البيئة حتى يكون مقنعا لمن حوله فلو جاء من بيئة اخرى لايمكنه التأثير بقدركاف فيمن حوله وخير الأمثلة هى التى ضربتها وهم رجال أفذاذ عرفوا الله حق المعرفة كما عرفوا واجبهم نحو دينهم ونحو إسلامهم ونحو شعوبهم ونحو وطنهم فنهجوا النهج السليم اما برهامى هذا فقد تجرا على الشعب بمساندة الطغيان وتجرا على الوطن بمساندة الإنقلاب ونجرا على الله بالموافقة على إلغاء دستور يعد من أرقى دساتير العالم دسنور يصنع دولة لا إقطاعية ويصنع من الناس شعبا حرا لا طبقة عبيد ولم يكتفى بهذا بل ضلل الناس بكلام كثير بان فسر آيات القرآن كيفما إتفق مع توجهات إنحلال المجتمع من القيم ولكن كع ذلك ليس هذا من توجهه وحده إنما توجه الحزب بالكامل الذى يسير مربوطا فى عجلة الصهيونية ويدور مع ترس التبعية للنفوذ الأمريكى إنهم مجموعة من صبيان امن الدولة

  4. نعم سيدي الفاضل وأستاذنا/ عبد الفتاح المصري… أصبت كبد الحقيقة حين قلت: (من الضرورى غرس التربية الدينية فى البيئة وتدعيم السلوك القويم )، وتبقى للقدوة دورها الهام على كافة الأصعدة والمجالات، فعمل رجل في ألف خير من قول ألف في رجل، والشيخ حين لا يكون فضيلة تمشى على الأرض فمهما خطب وقال، فلا تعدو خطبه كثوران الغبار حين سقوط جدار، عمل قليل سينتهي أثره، ولله الحمد والمنة أن رأينا آخرين يدافعون عن الوطن ويبذلون الغالي والنفيس فجزاهم الله خيرا. ويبقى شكركم واجبا فجزاكم الله خيرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى