كتاب وادباء

عندما تغرب شمس العدالة وينتحر القضاء

عندما تغرب شمس العدالة وينتحر القضاء 

بقلم الأديب والمحلل السياسى  

السعيد الخميسى

السعيد الخميسى

* عندما تغرب شمس العدالة وينتحر القضاء وتموت الأخلاق فاعلم أن الأمر جد خطير وعسير وشاق . تغرب شمس العدالة وتهوى بها ريح الظلم والعدوان فى مكان سحيق , فيعم الظلم وينتشر الفساد وتتلبد سحب البغى الداكنة فى سماء الوطن وتنذر بصواعق رعدية لاتبقى ولاتذر . ساعتها  تتجمد كل القيم الأخلاقية وتتحول إلى  ألواح وقطع من الثلج المجمد الذي لاحراك فيه . ينتحر القضاء عامدا متعمدا فيلقى بنفسه وبهيبته وبتاريخه داخل عربة قطار الظلم والبغي والعدوان ويجلس القرفصاء ذليلا منكس الرأس وكأنه أطلق سراحه فى التو من مكان مشبوه عليه ألف علامة استفهام .  تموت الأخلاق وتغسل وتقبر ثم تدفن فى مقابر النسيان بلا مشيعين ولا صلاة جنازة لان المجتمع تحول إلى مايشبه فلاة جرداء لانبت فيها ولاماء , لاحياة ولاحياء ولا عدالة ولامحاكم ولا قضاء , وإنما سيف البغي يرفرف فوق كل الرؤوس وله بريق ولمعان وعلى أهبة الاستعداد أن يحولك إلى جثة هامدة فى أقل من طرفة عين , لأنه لاحرمة لدماء الإنسان فى وطن ارتمى فى أحضان الخطيئة والظلم والعدوان . .

* من باب التذكير بتاريخنا الناصع البياض , أذكر الجميع بفقه خامس الخلفاء الراشدين “عمر بن عبد العزيز” كيف كان يختار  من يتولى أمور الدولة . لقد كان أول خطوة قام بها هو أنه عندما تولى مقاصد الحكم , هو عزل جميع القضاة والولاة الظالمين فى العهود السابقة لان ذلك نقطه التحول نحوطريق العدل والحق . لما ولي “عمر بن عبد العزيز” الخلافة عمد إلى جميع الولاة والحكام المسئولينالظالمين فعزلهم عن مناصبهم، ومنهم” خالد بن الريان “، وصاحب حرس سليمان بنعبد الملك الذي كان يضرب كل عنق أمرهسليمان بضربها. وعين محله “عمرو بن مهاجر الأنصاري “. وقال “عمر بن عبد العزيز”: يا خالد ضع هذا السيف عنك، اللهم إني قد وضعت لك خالد بن الريان، اللهم لاترفعه أبداً. ثم قال لعمرو بن مهاجر: والله إنك لتعلم يا عمرو إنه ما بينيوبينك قرابة إلا قربة الإسلام، ولكني سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتكتصلي في موضع تظن ألا يراك أحد، فرأيتك حسن الصلاة. خذ هذا السيف قد وليتكحرسي. وهكذا يعزل عمر الظالمين وهذا أسلوبه في اختيار الولاة والقضاةوالكتاب وغيرهم، إنه يبحث عن أصلح الناس ديناً وأمانة .
*
 ماقيمة الحياة فى وطن صار الظلم عنوانه , وما فائدة الحياة فى أرض صارت الدماء أرخص فيه من الماء . لاوطن بلا مواطن , ولادولة بلا عدالة , ولا أرض بلا شمس تشرق بنهارها وقمر ينير ليلها .  لقد غابت شمس حياتنا وخسف قمر ليلنا فصرنا كالعمى نتخبط فى الطرقات  ونتسول لقمة عيشنا ليل نهار . إن الأمم تقيم ملكها على صرح العدالة فترتقي الشعوب وتزدهر الحياة وتسمو القيم وتنتعش الأخلاق . أما نحن هنا فى هذا الوطن فقلد ابتلينا بالظلم والظالمين . نبيت ليلنا على هموم وسحب سوداء متكاثفة ومتلبدة فى آفاق الوطن , ثم نستيقظ فى الصباح على كابوس مزعج ومخيف لايكاد يخلو من الهواجس والظنون بأن سفينة هذا الوطن تمخر بنا بحرا مضطرب الأمواج لاشاطئ له ولاقرار له ولانعلم متى ترسو السفينة , ومتى يستيقن الركاب بأننا نسير فى الطريق الأمن الصحيح . 

* إن من العدالة فى هذا الوطن ألا تتنعم شريحة منه بخيرات وثروات هذا الوطن ومعظم الشعب يئن فى كهف الفقر يلحس التراب ويأكل الهواء ويبيت ليله جائعا لايجد كسرة خبز يقوى بها بدنه . مرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً. فوصفوا له العسل كدواء. وكان بيت المال به عسلاً جاء من البلاد المفتوحة فلم يتداوى عمر بالعسل كما وصف الأطباء إلا بعد أن جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس وقال لهم-” لن أستخدمه إلا إذا أذنتم لي، وإلا فهو علي حرام .
 فبكى الناس إشفاقا عليه .. وأذنوا له جميعاً .. ومضى بعضهم يقول لبعض: لله درك يا عمر . هو نفسه عملاق الإسلام  الذي يروى عنه أن زوجته دخلت عليه عقب توليه الخلافة فوجدته يبكي، فقالت له: ألشيء حدث؟
قال: لقد توليت أمر أمة محمد صل الله عليه وسلم .. ففكرت في الفقير الجائع و المريض الضائع و العاري المجهول و المقهور و المظلوم و الغريب و الأسير و الشيخ الكبير .. وعرفت أن ربي سائلي عنهم جميعاً.. فخشيت…. فبكيت .
 * إن العدالة ليست أحكام قضائية عادلة فحسب ,وليست مساواة بين الغنى والفقير , فقط وليست أن يقف الوزير والغفير أمام القضاء كأسنان المشط , وليست شعارات سياسية خاوية. لكن العدالة الحقيقية هى ثقافة مجتمع وعقيدة أمة وأسلوب حكم راسخ لايهتز ولا يتغير بمن جاء وبمن ذهب وولى . فليس من العدالة أن تكتظ البنوك فى الداخل والخارج بأموال مهربة من قوت الشعب لعلية القوم والطبقة الحاكمة ولا يوجد قانون ولاحتى نصف قانون يحاسب هولاء من أين لك هذا؟ . إن العدالة الحقيقية تقتضى ألا يتبوأ مقاعد القضاء أشباه رجال وأنصاف بشر سيرتهم سيئة وملفاتهم مشوهة سوداء ليس فيها صفحة واحدة بيضاء . لابد لاستقرار هذا الوطن أن تكون هناك معايير علمية وأخلاقية ومهنية وعلمية لمن يحكم بين الناس على منصة القضاء حتى لايفقد المظلوم الأمل فى استرداد حقه بالطرق القانونية , فيلجا إلى وسائل أخرى للحصول على حقه ومن هنا تنشأ الفوضى ويتحول الوطن إلى قبائل متناحرة وعشائر متصارعة وأحزاب متقاتلة , والوطن هو الخاسر الأكبر فى كل ماسبق ذكره . إن سقوط أى وطن يسبقه غروب شمس العدالة فى سمائه وانتشار الظلم فى جنبات أرضه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى