على مر التاريخ.. كيف كانت بدايات الأمومة مرهقة وبائسة على كل النساء؟

يوجد
مفهومان متعارضان تماماً للأمومة يسيطران على الحوار هذه الأيام: أحدهما يتجسّد في
رؤية مشاهير إنستغرام للأم المثالية ذات الأطفال المتأنّقين المبتسمين ومن ورائهم
خلفية تضم أجهزة منزلية فاخرة، أما الآخر فيكمن في الحديث الجاد الحقيقي من جانب
فناني الكوميديا والكتاب مثل آلي وونغ، التي وصفت أيامها الأولى من الأمومة بأنها
«مهرجان لا ينتهي من البراز».

ولكن
إليكن ما تحتاج الأمّهات الجدد معرفته: طالما كان التوتّر الكامن في الفجوة بين
المثالي والحقيقي حاضراً منذ أكثر من 200 عام. وطالما فُرضت على النساء بعض
النماذج البدائية من الأمهات المؤثرات منذ القرن التاسع عشر، ولطالما كانت هذه
النماذج محض أكذوبة. فإذا نظرت إلى الوراء بمطالعة اليوميات والمجلات الخاصة
بالنساء من الطبقة الوسطى والعليا بالمجتمع، سوف ترين حينها أنهن يتحدثن عن الواقع
الصعب للأمومة منذ أن طغت الفكرة التي تفترض شعور النساء بالرضا إزاء دورهنّ
الأمومي.

وفي
العصور الوسطى، اعتقد الكبار أن الأطفال الصغار كانوا وحوشاً من الجحيم. إذ ذكرت شارون هايس، عالمة الاجتماع، في كتابها
الذي يحمل اسم The Cultural Contradictions of Motherhood («التناقضات
الثقافية للأمومة): «العديد من المعلّمين ذكّروا الآباء بالنزوع الطبيعي
للأطفال ناحية الشرّ». وتقول شارون إنه بالنسبة لأتباع المذهب البروتستانتي
في إقليم نيو إنغلاند خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، لم تعد فكرة أن
الأطفال شيطانيون قائمة، ولكن ساد اعتقاد بأنهم بطبيعتهم مُنحلّون ومذنبون،
ويحتاجون إلى الإرشاد الأخلاقي القوي من آبائهم ليعيشوا حياة جيدة، وبينما تحظى
الأمهات بالإشادة بخصوبتهن، كُن يُنظر إليهن دائماً على أنهن عاطفيات لدرجة لا تسمح
لهنّ بتربية الأطفال.

قالت
ستيفاني كونتز، مؤلفة كتاب The Way We Never Were: American
Families and the Nostalgia Trap (الطريق الذي لم نسلكه قطّ: الأسر الأمريكية
ومصيدة الحنين إلى الماضي) إن النساء خلال الحقبة الاستعمارية ساعدن في إدارة
المزارع التي تمتلكها الأسر وفي الأعمال التجارية الصغيرة، وشاركن بعمق في توطيد
علاقات الجيرة، التي كانت علاقات مطلوبة لاستمرار العيش. ومع بلوغ الأطفال سنّ
السادسة أو السابعة، كانوا أيضاً يبدأون في العمل. كانت الأعمال اليومية الفعلية
المتعلّقة بتربية أصغر الأطفال توكَل إلى الأشقاء الأكبر سناً أو الخدم إذا كانت
الأسرة لديها بعضهم، ولم يكن هناك ضغوط واسعة بشأن العثور على السعادة الخالصة في
عملية رعاية الأطفال.

مع
انتقال الإنتاج الاقتصادي إلى خارج المنزل، أصبحت العائلة وحدة منفصلة مستقلة عن
جيرانها. وبحلول أوائل القرن التاسع عشر، ظهر ما يسميه المؤرخون «مذهب
الأنوثة الحقيقية». وكانت تلك هي الفكرة التي مفادها أن الرجال يواجهون
العالم العصيب المشبوه أخلاقياً الذي يدور حول جلب الأموال وممارسة السياسة، بينما
تتولّى النساء المتفوقات أخلاقياً الإبقاء على نقاء المنزل والأسرة.

ونظراً
لأن النساء المحترمات ذوات البشرة البيضاء المسيحيات من بنات الطبقة الوسطى لم يعد
لهن دور خارج المنزل، كان من المتوقع أن يجدن الرضا والقوّة في أدوارهنّ زوجات
وأمهات. اُستبعدت النساء العاملات من ذوات البشرة البيضاء، وكذلك النساء غير البيض
من مذهب الأنوثة الحقيقية، وكنّ دائماً يعملن دون الحصول على أي نوع من الاحترام
الاجتماعي أو الدعم لتربية أطفالهن. بل في الحقيقة كن يضطررن في كثير من الأحيان
إلى ترك أطفالهن كي يساعدن في تربية أطفال من هم أكثر ثراءً.

عندما
بدأت أيديولوجية مذهب الأنوثة الحقيقية في التبلور، انتشرت الكتيّبات المعنيّة
بتربية الأطفال، وحينها أخبروا النساء المسيحيات الصالحات أن «كل شعور
بالعصبية ينبغي أن يُكبَت»، لأن كل ما تفعله الأم أو لا تفعله سيبقى مع طفلها
«إلى الأبد»، في رِباط دائم بأرواحهم، حسبما يشير كتاب Modern
Motherhood: An American History (الأمومة الحديثة: تاريخ أمريكي)، للمؤرخة
جودي فاندنبرغ ديفيز.

وبدأ
الضغط لإخماد كل شعور سيئ مقترن بتربية الأطفال المثاليين ينصبّ على النساء بحلول
منتصف القرن التاسع عشر؛ وتفصح مذكّرات تلك النساء ورسائلهن عن المشاعر التي رُبما
تكون قد دوّنت مثلها تماماً إحدى الأمهات قبل أسبوع في وقتنا الحاضر، باستثناء
اللغة القديمة. ففي عام 1864، كتبت لولا كيندال روجرز بعد ولادة طفلها الأول:
«أخشى أنني لست راعية جيدة للأطفال، فإنني أجد نفسي في بعض الأوقات متمنّية
أن أقيم في البرية الشاسعة التي لا يمكن لطفلٍ باكٍ الوصول إليّ فيها قطّ».

وفي
كتابها Scarlett’s Sisters (أخوات سكارليت)، تصف المؤرخة أنيا جبور التناقض الخاص الذي شعرت
به لولا روجرز تجاه ابنها، والمشاعر «الصعبة» التي انتابتها لأنه كان
يُعاني المغص الشديد. وتصف أيضاً خيبة أملها في زوجها الغائب، الذي توقعت منه
عوناً أكبر. وتقتبس أنيا في كتابها قول امرأة أخرى تدعى، لورا ويرت راندال، التي
كانت مُستنزفة بسبب ما تتطلّبه رعاية طفلها الرضيع. كتبت لورا راندال في عام 1828:
«أعترف أنني إذا كنت أعلم بأنني سأكون غارقة في الانشغال لبقية حياتي، كنت
سأقول لنفسي.. استلقي وموتي».

وبمرور
الوقت، تحولت كتيبات العصر الفيكتوري حول تربية الأطفال التي تصف الأم المثالية
ذات «الصوت اللطيف دائماً»، والوجه العطوف دائماً»، إلى وصف الأم
ذات الكفاءة العالية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وهن الأمهات اللاتي لا
يتحمّلن فحسب مسؤولية التربية الأخلاقية لأطفالهن، بل يحملن على عاتقهن أيضاً
صحّتهم النفسية والجسدية. أصبحت توصيات الأبوة والأمومة علمية خالصة، إذ كان من
المفترض إطعام الأطفال في أوقات محددة بدقّة ويجب أن يزنهم أطباء الأطفال، وهو
تسبب في توتر عديد الأمهات. وتقتبس المؤرّخة جودي فاندنبرغ عن امرأة ينتابها القلق
الشديد بشأن جودة حليب صدرها لدرجة أنها «تعذبت» بالخيالات التي رأت
فيها طفلها «مصاباً بالكساح» وصارت تعاني «الكآبة
والسوداوية».

في
الوقت نفسه، حذرت نظرية فرويد من خطورة اقتراب الأطفال من أمهاتهم، ودفعت نظريته
بأنه من الخطأ أن تتوقع الأمهات التبجيل، لذلك فقد فقدت النساء الاحترام والتوقير
الذي كن ينلنه في السابق من أطفالهن ومجتمعهن، حسبما تقول الكاتبة ستيفاني كونتز.
وبحلول الخمسينيات من القرن الماضي، جاءتنا على شاشة التلفزيون بالأبيض والأسود
الممثلة دونا ريدز وشخصية جوني كليفر المبتسمة التي لا تتعب أبداً، أو حسبما تصف
ستيفاني: «التي لا يلحظ وجودها أحد، ولكنها حاضرة لفعل كل الأمور».

وفيما
كانت دونا وجوني تطلان من شاشات التلفزيون مشرقتين وباسمتين وببشرةٍ خالية من
التجاعيد، كان النقيض بشأن الأمهات يبرز من وسائل أخرى بدءاً من اليوميات والرسائل
ومروراً بالمذكرات المنشورة ومقالات المجلات. وبحلول عام 1960، حسبما أوردت
ستيفاني كونتز في كتاب The Way We Never Were، كانت كل مجلة إخبارية
كبرى تقريباً تستخدم كلمة «محاصرات» لوصف مشاعر ربات المنازل
الأمريكيات. ودعا محرّرو مجلة Redbook الأمهات الشابات للرد
برسائل تفسر سبب شعورهن بالحصار، وتلقوا آنذاك 24 ألف رد.

يبدو
أن شخصية «دونا ريد» في عصرنا الحالي تتجسّد عن طريق الأم الشهيرة على إنستغرام ذات الشعر المموج والرخام الناصع الثلجي على
طاولاتها، وخزانة الملابس ذات الألوان الأرضية المريحة، التي لا تزال قوتها
الثقافية تهدد بالتغلّب على كل الكتابات والعروض الواقعية والمضحكة لآلي وونغ
وأنجيلا غاربس ونفرتيتي أوستن وإيمي شومر، اللائي يوسّعن تعريفنا الضيق والقاصر لـ»الأم
المثالية».

لا
يعني هذا أنه لم يتغير شيء منذ القرن التاسع عشر؛ فهناك المزيد والمزيد من الحوار
حول الآباء الذين يؤدون حصتهم العادلة في رعاية الأطفال، وتُمثل الهياكل الأسرية
المختلفة وغير التقليدية جزءاً من الحوار الثقافي، وتشيع مفاهيم على غرار العمل الذي
يتطلّب جهداً عاطفياً
.

ولكن
من الممكن أن التصوّر بشأن النسخة المثالية للأمومة سيكون حاضراً دائماً بشكل ما،
لأنك لا تستطيع أن تقبل تماماً ما تعنيه رعاية طفل رضيع قبل أن يكون على ذراعيك
طفل يصرخ بجنون في منتصف الليل. ومنذ أن صار الإنجاب خياراً فعالاً للعديد من
النساء أكثر مما كانت عليه الأمور في السابق، يظل الضغط المتمثّل في أن نعد الأمر
مُبهجاً عُرفاً معتاداً. ولا يزال من المفترض أن تكون الأسرة قادرة على تربية
الأطفال دون أي مساعدة خارجية.

سيكون
كل جيل جديد من الأمهات في حاجة إلى الصدق المرير من الأجيال الأخرى؛ لأننا نستطيع
التحدث عن مدى صعوبة الأمر طول اليوم، لكن الأمهات الجدد لن يستمعن إلى هذا قبل أن
تأتي اللحظة التي يخضعن فيها للتجربة بأنفسهنّ.


هذا الموضوع مُترجم عن صحيفة New York Times الأمريكية.

 

تعليق واحد

  1. مسلسل قيامة ارطغرل وكذلك قيامة عثمان فيه الكثير من تزوير الحقائق التاريخية مثل ان غيغاتو عاش حتى صار شيخا وفي الحقيقة غيغاتو لم يحكم سوى اربع سنين ومات شابا
    شخصية الوزير علم شاه التي لا أصل لها…….
    والكثير من البدع ككرامات الشيوخ ووضع التمائم وسكب الماء خلف المحاربين وكثير من القادة والاعداء الغير مذكورين في كتب التاريخ.
    والأخطر هو بعض العبارات الشيعية إذ كثيرا ما يضرب المثل بعلي رضي الله عنه دون ذكر عمر وأبي بكر أو الصحابة رضوان الله عليهم
    تسمية ابن عثمان بعلاء الدين علي وغيرها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى