ثقافة وادب

عزل ترامب ليس سهلاً.. التاريخ هو من يخبرنا بذلك!

المعركة الآن محتدمة بين الرئيس الأمريكي ترامب ومجلس النوّاب بقيادة رئيسته نانسي بيلوسي، فقد أعلنت بدأ تحقيق رسمي لعزل ترامب، فهل هذا مُمكن في أقوى ديمقراطية في العالم؟ تعال لنتعرّف معاً على إجراءات عزل الرئيسي الأمريكي، وهل تنطبق الإجراءات في حالة دونالد ترامب أم لا؟

ستفاجأ
عندما تعرف أنّه حتى حينها قد شكّك البعض في ضرورة وجود مثل هذا الإجراء، ولكنّ معظم
الوفود المشاركة في الاجتماع الدستوري في فيلادلفيا عام 1787 منحت الكونغرس الحقّ
في عزل الرئيس الأمريكيّ بشكلٍ واضح، وبطريقةٍ لا يمكن استخدامها باستهانة.

بل
اعتبروها بمثابة مكابح طوارئ ضد الاستبداد. وللتأكيد على ذلك فقد حذّر الداعمون
للديمقراطية في ذلك الاجتماع من مخاطر منح رجلٍ واحد العديد من الامتيازات
«الملكية».

وطرحوا
السؤال المؤرِّق: ماذا لو تمكّن ديكتاتور من الوصول إلى المنصب بالرشوة؟ ماذا لو
تآمر مع قوى أجنبية، أو أساء استغلال سلطته؟ هل يكفي الانتظار فقط حتى الانتخابات
التالية لإزاحته؟ بالطبع لا، فعندئذٍ فقط يكون العزل حلاً محتملاً.

استخدم الآباء المؤسسون في الدستور لتبرير إجراءات العزل عبارات
مثل «الخيانة أو الرشوة، أو غيرها من الجرائم أو المخالفات الكبرى»، ولم
يناقشوا بالتفاصيل ما تعنيه تلك العبارات، ولكن ذلك لأنها بدت واضحة جداً حينها،
فهي تعني: الجرائم ضد الدولة، وليست الجرائم الشخصية.

لا يجوز عزل الرئيس بسبب التهرُّب من الضرائب على سبيل المثال،
أو خداع بعض الأشخاص في أعماله الخاصة، أو أي جرائم أخرى ليس لها أي تأثير مباشر
على ممارسة سلطاته الرئاسية. يمكن التعامل مع أيٍّ من تلك الأمور بمجرد مغادرة
الرئيس منصبه، وهذه كانت أحد الأمور التي احتفظ فيها منصب الرئيس بامتيازاتٍ
ملكيّة: الحصانة الواضحة ضد المقاضاة الشخصية.

وللتوضيح أكثر، فلا يتعلّق العزل بالعقاب، بل بالحفاظ على
الجمهورية الأمريكية من خلال إزاحة شخص ما يمثل تهديداً للحريات من منصبه. وفقاً لما نشره موقع History Extra البريطاني.

لهذا السبب تحديداً جعل الدستور إجراءات العزل صعبة. أولاً، يحتاج
مجلس النواب إلى تمرير بنود العزل (أي: قائمة الاتهامات) بأغلبية الأصوات. في تلك
المرحلة يكون الرئيس عُزل فعلياً ولكن دون إزاحته من منصبه بعد؛ ستُعرض قضيته على
مجلس الشيوخ، الذي يُعقد على هيئة محاكمة ويستمع إلى الأدلة من الجانبين. وفي حال
صوّت مجلس الشيوخ بإدانته بأغلبية الثلثين، يغادر الرئيس منصبه.

من بين 57 ولاية رئاسية سابقة، انتهت واحدة فقط بمغادرة الرئيس منصبه
قبل الانتخابات، وبدون وفاته. كان ذلك، بالتأكيد، الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون،
الذي استقال بعد أقل من عامين من فترته الثانية، قبل اقتراب عزله «شبه
المؤكد».

في 29 يوليو/تموز 1974، صوّت 28 عضواً باللجنة القضائية لمجلس النواب
من إجمالي 38 عضواً لصالح عزل الرئيس بسبب اتهامات إساءة استغلال السلطة، من بينهم
بعض الأعضاء من حزب الرئيس، الأمر الذي أشار إلى إمكانية تصويت الأغلبية الكبرى من
أعضاء المجلسين بالمثل.

في 5 أغسطس/آب، سُرّب الشريط الذي عُرف بـ»الدليل الدامغ»، يُبث محاولة نيكسون التستر على
مسؤولية حملة إعادة انتخابه في اقتحام المقر الرئيسي لحملة المرشح الديمقراطي
المنافس في مجمع ووترغيت خلال انتخابات 1972.

في ضوء ذلك، تضاءلت وتلاشت فرص تجنُّب إدانته في مجلس الشيوخ. وفي 9
أغسطس/آب، تنحّى عن منصبه. لذا، حتّى نيكسون لم يُعزل رسمياً، بل تنحّى عن منصبه
بسبب تهديده بالعزل.

لكنّ المفارقة أن الرئيسين اللذين اتّهما من قبل مجلس النواب،
بيل كلينتون عام 1998 وأندرو جونسون
عام 1868، ربما لم يستحقّا العزل! على الأقلّ وفقاً للمعايير التي تصوّرها
المؤسسون، فلم يُمرر قرار العزل في مجلس الشيوخ في كلا الحالتين.

ربما يكون بيل كلينتون قد ارتكب جريمة فعلاً بالكذب تحت القسم على
المدَّعي الخاص بشأن علاقته الجنسية مع متدربة في البيت الأبيض. لكنّ ذلك لا يفي
بمعايير ارتكاب جريمة ضد الدولة أو تهديد للحريات الفردية. ومع ذلك، تمكّنت
الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب من عزله على أي حال وصوّت معظم الجمهوريين في
مجلس الشيوخ لصالح إدانته. ولكن قاعدة أغلبية الثلثين مجدداً هي ما أبقت كلينتون
في منصبه. 

أمّا الرئيس جيرالد فورد فلديه مقولةٌ شهيرة، عندما كان زعيم الأقلية في
المجلس: «الجريمة التي تستوجب العزل هي أي شيء قد تراه أغلبية مجلس النواب
جريمة في لحظة معينة من التاريخ». قد يكون هذا أمراً مثيراً للسخرية فالسؤال
هو: هل يمكن للكونغرس سحب «مكابح الطوارئ» حتى إذا لم تكن هناك حالة
طوارئ حقيقية؟

ويبدو أنّ إجراءات عزل أندرو جونسون في أعقاب الحرب الأهلية دليلاً
على صحة وجهة نظر فورد. كان جونسون ديماغوجياً متعصباً، غير مجهّز على الإطلاق عند
توليه المنصب بعد اغتيال إبراهام لينكولن.

كان ديمقراطياً من ولاية تينيسي رُشِّح ليكون منافس لينكولن الحزبي
في انتخابات عام 1864 في محاولة لإظهار مدى قدرة الحزب على تجاوز الفجوة
الإقطاعية. وعند وصوله إلى السلطة مع نهاية الحرب الأهلية، سرعان ما تصادم مع
الكونغرس بسبب تعاطفه الواضح والمبالغ فيه مع الجنوبيين البيض المهزومين كما أحبط
كل محاولات الكونغرس لتأمين حقوق العبيد المحررين أو معاقبة قادة الولايات
الكونفدرالية.

بالرغم من ذلك، كان الأساس الذي اعتمد عليه الكونغرس لبدء إجراءات
عزل الرئيس مثيراً للسخرية. فقد أعدّ الكونغرس فخاً لجونسون لكي يسقط فيه بسبب
تعصبه وغضبه. مرر الكونغرس «قانون حيازة المنصب»، الذي حُكم لاحقاً بعدم
دستوريته، وينصُّ على أنه لا يحقُّ للرئيس إقالة أي وزير بدون إذن من مجلس الشيوخ.

سار جونسون نحو الفخّ المعدِّ له وأقال وزير الحرب إدوين ستانتون،
مما استوجب عزله بسهولة من قِبَل مجلس النواب. وفي مجلس الشيوخ، صوّت 35 سيناتوراً
لصالح عزله، في مقابل 19 صوتاً ضد عزله، أي كان يفصل صوتٌ وحيد عن عزله بأغلبية
الثلثين، لذا لم يغادر جونسون منصبه. لو سار هذا التصويت، الذي جرى في 16
مايو/أيار 1868، في الاتجاه الآخر، لتحوّل التوازن الدستوري بشكلٍ حاسم نحو السلطة
التشريعية، وخلق نظام شبه برلماني. إنها واحدة من لحظات الولايات المتحدة
التاريخية الفارقة التي لا تحظى بالتقدير المناسب.

في المقابل، وفي حالاتٍ أخرى، حصل الرئيس على الدعم الكافي في مجلس
النواب لتخريب أي تحركات تجاه عزله حتى مع وجود أدلة تستوجب التحقيق. ترددت أنباء
عن محاولات عزل جيمس بيوكانان (1857-1861) ويوليسيس جرانت (1869-1877) بتهمة
الفساد، وهاري ترومان (1945-1953) بتهمة إساءة استغلال السلطة بعد عزله الجنرال
دوغلاس ماكارثر، ورونالد ريغان (1981-1989) بعد دوره المزعوم في قضية إيران
كونترا، ولكن لم يُتح في أي من تلك الحالات بدء إجراءات العزل سياسياً.

يشير التاريخ بوضوح إلى أنَّ الشرط المسبق لأيّ تحركات جادة نحو
العزل ليس ارتكاب جريمة تستوجب العزل، بل وجود معارضة حزبية من مجلس النواب. ومع
ذلك، شدة الجرائم المزعومة قد تشكِّل فارقاً؛ هناك العديد من الأمثلة لرؤساء
واجهوا مجالس نيابية في غاية العدائية ولكنهم لم يقتربوا قطّ من حافة العزل،
بالرغم من مطالبة الحشود المعارضة بذلك (من الأمثلة الحديثة؛ جورج بوش الابن بعد
2006 وأوباما بعد 2010). 

طبيعة الجرائم المزعومة ووضوح الأدلة مهمَّان أيضاً، ويساعدان بلا شك
في تأطير جرائم الرئيس في فكرة بسيطة تتناولها وسائل الإعلام («الكذب تحت
القسم» أو «التستّر على جريمة» مثلاً). أحياناً يأخذ الكونغرس آراء
المحامين الدستوريين على محمل الجد ويحاول التمييز بين ما هو «جرائم تستوجب
العزل» وما ليس كذلك. على سبيل المثال، دفع الرئيس ريتشارد نيكسون -خلال
فترته الرئاسية الأولى- ضرائب أقل من المستحقّة عليه بكثير، مما اعتبره البعض جريمة جنائية،
ولكنه لم يُعزل بسبب ذلك، ولا يُفترض أن يُعزل لذلك السبب.

والآن في سبتمبر/أيلول 2019، أعلنت نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب،
عن بدء إجراءات عزل ترامب. أراد بعض الديمقراطيين عزله بأسرع ما يمكن بعدما حازوا
الأغلبية في انتخابات 2018 (ودخلت حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2019).

كان هناك قضية اتصالات ترامب مع روسيا قبل انتخابات 2016، وعزله مدير
مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي وعدد آخر من القرارات قد ترقى إلى مستوى
«جرائم تستوجب العزل». هكذا رأى بعض المحافظين وبعض الليبراليين فضلاً عن عدد قليل من الجمهوريين المنشقّين فكرة حاجة الرئيس إلى الخضوع من
أجل إعادة انتخابه «ليس ضمانة كافية».

قد يفقد الرئيس قدرته وأهليته بعد تعيينه، وقد يحوّل عمل إدارته إلى
مخطّط لاختلاس المال العام أو القمع، وقد يخون ثقة بلاده إلى قوى أجنبية. والرئيس
ترامب متهم بكل ما سبق؛ إساءة استغلال السلطة لكي يتربّح لنفسه وعائلته، والتآمر
مع الخدمات الروسية السرية لارتكاب جريمة اختراق حاسوبية من أجل مساعدته في
الانتخابات، فضلاً عن الكشف عن معلومات سرية للسفير الروسي. 

كما في الفترة الرئاسية الأولى لنيكسون، لم ترغب القيادة الديمقراطية
في أيّ شروعٍ بإجراءات العزل حالياً. ما الفكرة والجدوى من ذلك إذن؟

سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ تعني احتمالية كبيرة لعدم إدانته،
مما سيكون بمثابة تبرئة له. تشهد البلاد حالة استقطابٍ لم يسبق لها مثيل منذ الحرب
الأهلية، وهي بالفعل مقسّمة إلى عالمين مختلفين لا يفهم أحدهما الآخر.

يحتاج الكونغرس الآن إلى التصرف بإعداد حجّة العزل، بالرغم من الثقة
شبه التامة في أن مجلس الشيوخ (أغلبيته جمهوريون من حزب ترامب) سوف يبرئه منها،
بغض النظر عن أي عواقب سياسية.

منذ تولي ترامب السلطة، قال، وكتب على تويتر مراراً، أموراً لم يكن
من المحتمل أن يقولها من سبقوه في هذا المنصب؛ ولكنّ محاولته إلحاق المتاعب بخصمٍ
سياسي، الديمقراطي جو بايدن، في مكالمةٍ هاتفية مع رئيس دولة أجنبية، يبدو تمادياً
أكثر من اللازم.

إنه يقدم للديمقراطيين، من الناحية النظرية على الأقل، قضيّةً محكمة
لسلوكٍ رئاسي يخلط بين المصالح الشخصية والسياسية لرئيس الدولة وبين المصلحة
الوطنية. إجراءات العزل سوف تجبر كل عضو بمجلس النواب على توضيح موقفه حول ما إذا
كان أي رئيس قادراً على استدعاء المساعدات الخارجية من أجل محاولة الفوز
بالانتخابات الداخلية أم لا. 

مع ذلك، فقد يسير كل شيء على ما يرام في مصلحة الرئيس. تخيلوا
السيناريو التالي: لا صوت يعلو فوق صوت إجراءات العزل في مجلس النوّاب، انتقاداتٌ
عنيفة على قنوات ومنابر Fox News، تبرئة تدريجية مدروسة
في مجلس الشيوخ تُقدّم بمثابة انتصار رئاسي.

عندئذ يمكنك مراقبة الحشود المؤيدة للرئيس وهي تستعدُّ لإعادة
انتخابه، ووصفه بشهيد النخبة الليبرالية. هل هناك عدد كافي من المصوتين في
الولايات التي فاز بها ترامب في 2016 قد يدعمون خصمه في انتخابات 2020 بسبب عزله
ثم براءته؟ ربما، ولكن من في الولايات المتحدة، أو في العالم، ليس لديه الآن رؤية
«مسبقة» بالفعل عن هذا الرجل؟

كل الأدلة تشير إلى أنّ داعمي ترامب ليس لديهم أي أوهام أو تضليل
بشأن شخصيته، ولكنهم يريدونه رئيساً كما هو. على العكس، انخفضت معدلات تأييد
نيكسون بشكل كبير بحلول وقت استقالته، ولكن ذلك كان في عصر أقل تحزّباً ولم يكن
هناك ما يعادل قنوات Fox News الحالية التي تقدم
لداعمي الرئيس رواياتٍ بديلة.

باستثناء الموت، يبدو أن ترامب سوف يظل في منصبه حتى الانتخابات
القادمة على الأقل طالما يحظى بدعم الناخبين الجمهوريين. ولن تغيّر إجراءات العزل
أي شيء.

عرف المؤسسون دائماً أنه لا يوجد دستور وضعوه قادر، في حد ذاته، على
حماية الحرية والحكومة الجمهورية.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى