آخر الأخبار

“عربي بوست” داخل أوكار تصنيع “الكمامات المضروبة”.. غير مطابقة للمواصفات وخطرها أكبر من عدم ارتدائها من الأساس

في شارع الجلاء بوسط العاصمة المصرية، وعلى مسافة أمتار قليلة من أكبر مؤسّستين صحفيتين في مصر وهما الأهرام وأخبار اليوم، وكذلك دار القضاء العالي والقنصلية الإيطالية وعدد من المؤسسات الحكومية، ما يعني أن المنطقة مكدّسة برجال الشرطة من كل الفروع، وقف هذا الرجل الأربعيني ممسكاً بيده حزمة كمامات مجهولة المصدر، عارضاً على المواطنين الشراء منه، وتجنب استغلال الصيدليات وكبار التجار.

مشهد قد يبدو صادماً للبعض، خصوصاً ممن يجهدون أنفسهم للبحث والتقصي عن أنواع ومواصفات الكمامات التي تساعد بشكل حقيقي في الحماية من التقاط عدوى فيروس كورونا، والتي لا تتوفر بالتأكيد فيما يبيعه هذه الرجل، لكن الغرابة تزداد بشدة عندما نشاهد إقبال الكثيرين على الرجل للشراء، دون أن يضيع أحدهم لحظة من وقته لفحص الكمامة والتأكد مما إذا كانت مطابقة للمواصفات أم لا، فكل ما يعنيهم هو سعرها الذي لم يتجاوز الأربعة جنيهات.

رصد “عربي بوست” أحد أماكن بيع الكمامات، فكان الإقبال على الشراء لأبناء الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، وأكثرهم لا يهتمون بالشراء لتجنب العدوى بالفيروس القاتل، لكنهم يفعلون ذلك تفادياً للغرامات التي تضمنها قرار الحكومة الصادر في 30 مايو/أيار المنصرم، والتي قد تصل أحياناً إلى ما يقدر بـ4 آلاف جنيه مصري (260 دولاراً أمريكياً) على المواطنين الذين لا يرتدون الكمامات الواقية.

وبينما سعت الحكومة المصرية لاستخدام الكمامات كسلاح دفاعي جوهريّ في المعركة التي تخوضها، أصبحت الكمامات على الأرض الرمز الأبرز للوباء، خاصة في الأحياء الشعبية.

انتشر بائعو الكمامات “المضروبة” في الشوارع، يبيعون الكمامة الواحدة بجنيه واحد، وراح الناس يتكالبون على شرائها إذعاناً لقرار الحكومة، دون أن يهتموا بكيفية تصنيعها بقدر ما يعنيهم أنها أرخص من سعر الكمامات التي تباع في الصيدليات.

المضحك المبكي في الأمر أن كثيراً من المواطنين يتعاملون مع الكمامات حتى وإن كانت غير مطابقة للمواصفات بنفس طريقة تعاملهم مع بضائع الرصيف ومنتجات مصانع “بير السلم”، دون مراعاة للشروط الصحية، حيث يتكالبون على البائع أو البائعة، ويبدأ كل منهم في التقاط كمامة وقياسها على فمه وأنفه، وربما لا يشتري فيعيدها إلى مكانها فوق القفص، بعد أن يكون عبّأها بفيروساته، ليزيدوا الطين بلة. 

سأل “عربي بوست” مصدراً حكومياً بارزاً عن الموقف الرسمي من انتشار الكمامات غير المطابقة للمواصفات، فقال إن الحكومة بالاتفاق مع القوات المسلحة فرضت رقابة صارمة على المصانع التي تحمل ترخيص إنتاج المستلزمات الطبية، حيث يتواجد مندوب بشكل مستمر داخل تلك المصانع، للتأكد من مطابقة الكمامات المُنتجة للمواصفات القياسية.

كما أن الحكومة فرضت عقوباتٍ صارمةً على المصانع غير المرخصة، وفي حالة ضبط أحدها يُعاقَب صاحب المصنع، لكن المشكلة -يضيف المصدر- أن الأجهزة الرسمية لا تستطيع مراقبة كل شبر في البلد، خصوصاً بعدما جُنّ الكثيرون طمعاً في الأرباح الهائلة التي يمكن أن يجنوها في حفل بيع الكمامات، والتي لا تقل عن ملايين الجنيهات في أيام معدودة، مشيراً بعبارة ساخرة، أن تجارة الكمامات الآن تُذكّره بحال مدينة بورسعيد في منتصف سبعينات القرن الماضي، حين أُعلن عن تحولها إلى منطقة حرة لا تخضع للجمارك، والسعار الذي أصاب الجميع وقتها بالسفر إلى المدينة الواقعة شمال شرق مصر لشراء بضائع مستوردة (أغلبها مستعمل)، ثم تهريبها من الجمرك لإعادة بيعها في المحافظات المختلفة بخمسة أضعاف سعرها.

شنت وزارة الداخلية حملات موسّعة خلال الشهرين الماضيين، وتمكنت من ضبط عدد كبير من مصانع “بير السلم”، وقال راضي عبدالمعطي، رئيس جهاز حماية المستهلك، إن الجهاز يشن حملات يومية بالتنسيق مع أجهزة الأمن والتفتيش الصيدلي والأجهزة المعنية، لضبط ورش تصنيع الكمامات المغشوشة غير المطابقة للمواصفات الطبية، لضبط الأسواق، وحماية المواطنين من جشع تجار السوق السوداء.

وقال المصدر إن المخالفين يخضعون لقانون الغش التجاري رقم 48 لسنة 1941 المعدل بالقانون 281 لسنة 1994، الذي يقول “كل من صنع أو طرح أو عرض للبيع أو باع مواد أو عبوات أو العقاقير أو البيانات الطبية، ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تتجاوز عشرين ألف جنيه، أو ما يعادل قيمة السلعة موضوع الجريمة، أيهما أكبر، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من خدع أو شرع في أن يخدع المتعاقد معه بأية طريقة من الطرق”.

وختم قائلاً إن الكمامات المغشوشة تفوق في خطورتها عدم ارتداء كمامة من الأساس، لافتاً إلى أن المواطن لا يعرف الفرق بين الكمامات المطابقة للمواصفات من غيرها، لأنه ليس دوره، بل دور الأجهزة الرقابية بوزارة الصحة وأجهزة الدولة، لذا يجب على المواطن أن يشتري المستلزمات الطبية من الأماكن الرسمية والصيدليات والشركات الكبرى.

ذهبنا إلى منطقة معروفة بمحال بيع المستلزمات الطبية بشارع القضاعي في منطقة شبرا الشعبية بالقرب من قسم الساحل، فبدأ الحديث عن الكمامات وكأنه من الأسرار الحربية بسبب التزام الكثيرين الصمت حيال أسئلة كثيرة عن أسماء المصانع التي يتعاملون معها، أو إذا كانت لديها تصاريح من وزارة الصحة أو فاتورة لتلك الكمامات.

قال لنا عم إسماعيل، وهو تاجر مستلزمات طبية، بصراحة شديدة “انسى إن حد يقولك عن المكان اللي بيجيب منه، السوق عطشان والصيدليات عندها نقص شديد، وكل تاجر هيعرف يوصل لمصنع جديد هيجري على طول علشان يسيطر على السوق، علشان كده كل واحد فينا نايم على المصانع اللي يعرفها ومش بيتكلم عنها مع حد”. 

يشرح أحد التجار بالمحل المجاور لـ”عربي بوست” بداية الهوس بإنتاج وتجارة الكمامات فيقول “الموضوع بدأ بعد اجتياح الفيروس لدول أوروبا، وما سمعناه وقتها عن نقص شديد في المستلزمات الطبية، وخصوصاً الكمامات في هذه الدول، وقتها دبّ سباق محموم بين التجار لإنتاج كمامات تشبه المستوردة، التي تسمى “موكير”، وهي عبارة عن ثلاث طبقات خارجية وداخلية، وبين كل منها فلتر، وبها دعامات للتطبيع على الأنف والوجنتين، والأستك “كبس حراري” لكي يذوب في المادة الخام، وهذه هي المواصفات التي يقبل بها الاتحاد الأوروبي.

لهذا قام التجار بسحب المادة الخام من السوق واسمها “noon waffen clone melt up fabrica” لتصنيع الكمامات وتصديرها للخارج، والحصول على أرباح خيالية بالدولار، وقاموا بتخزينها فى مخازن بعيداً عن أعين الحكومة.

هذا التصرف تسبّب في تفريغ سوق المستلزمات الطبية من المادة الخام الجيدة التي تُصنع منها الكمامات المطابقة للمواصفات، لكن مع توقف حركة الطيران ووقف التصدير وانتشار الفيروس في مصر، تلقّى هؤلاء ضربة قاصمة بعدما انتشرت الكمامات الرخيصة غير المطابقة للمواصفات، التي تُصنع  في مصانع “بير السلم” وأغرق إنتاجها السوق، وحرقوا الأسعار التي لا يستطيع هؤلاء التجار منافستها لارتفاع تكلفة إنتاج الكمامات الجيدة. 

ومع تفشي الفيروس وارتفاع الأسعار بشكل جنوني وزيادة الطلب عن العرض قام بعض التجار باستئجار أماكن غير مطابقة للمواصفات لإنتاج الكمامات، منها مثلاً “بدروم” وورش حدادة، بعدما صعب عليهم مقاومة الثراء السريع الذي يمكن أن يتحقق من بيع الكمامات، حيث ارتفع سعر العلبة التي تحوي 50 كمامة من 40 جنيهاً في الأحوال العادية ليصل إلى 170 جنيهاً في المتوسط لنفس العلبة وربما بجودة أقل. 

البداية، نشرنا منشوراً على أحد الجروبات بموقع فيسبوك، نسأل عن نوع معين من الكمامات حصلنا عليه من شارع القضاعي، وقلنا إن العلبة بها 50 كمامة وسعرها 400 جنيه، فوجدنا مستخدمين كثيرين يتواصلون معنا عبر رسائل على الخاص، عارضين توفير نفس النوع بنصف السعر، ومن هنا كان وصولنا لهذا النوع من المصانع.

في اليوم التالي، توجّهنا إلى منطقة الخصوص بشبرا الخيمة، حيث يوجد المصنع، بحسب ما أكد شخص يدعى محمد، خلال الاتصال الهاتفي، لنجد أنفسنا أمام عمارة مكونة من 9 أدوار، وحينما تواصلنا هاتفياً مع صاحب المصنع طلب منا الصعود للدور الرابع وهو سيقوم باستقبالنا.

صعدنا لندخل إلى شقة سكنية عادية مقسمة إلى ثلاث غرف، ولاحظنا وجود عاملين ينكبّون على ماكينات لخياطة الكمامات، في ظروف غير معقمة، وماكينة للف قماش وأخرى لقصه، وجوال بداخله ملابس طبية مستخدمة من قبل وغير معقمة، وأقمشة أخرى مجهزة للتصنيع، وماكينة كيّ لاصق، ومسدسات شمع وأربطة مطاطية “أستك”، وكلها خامات رديئة ومجهولة المصدر وعبوات فارغة تحمل علامات تجارية وهمية، ليتم طرحها بعد ذلك للتداول بالأسواق.

يقول التاجر شارحاً مراحل إنتاج الكمامات: “هناك أشخاص يتولون إحضار المادة الخام، وآخرون يتولون تقطيعه باستخدام المقص، وغيرهم يجلسون على “ماكينة الخياطة” لتنفيذ الكمامة المطلوبة ويطلقون عليها  “البلانكة”، وآخر يخيطها من جميع الجوانب، بينما يقوم البعض بتصنيع الأربطة القماش قبل خياطتها من جوانب الكمامة الأربعة أو لصقها بمسدس الشمع”، مضيفاً أن هذا النوع يعرف بين التجار بـ”الكمامة اليدوي”، التي يلجأ لتصنيعها المصنعون “الغلابة”.

ويضيف أنه خلال ساعات قليلة يتمكنون من تصنيع آلاف الكمامات، وبعد انتهاء عملية التصنيع يتم وضع الكمامات في كراتين، تمهيداً لطرحها في الأسواق.

يعتمد المصنعون لهذا النوع على واحدة من طريقتين لتسويق إنتاجهم، الأولى بيع الإنتاج إلى التجار بسعر معقول، الذين يتولون بيع الكمامات في السوق، مقابل حصولهم على نسبة ممتازة من الربح، بينما هناك من يفضل تسويق كماماته بنفسه من خلال استئجار بعض الشباب والأطفال، بأجر يومي، ونشرهم في الشوارع وأمام محطات المترو، والأماكن المزدحمة، لبيع الكمامات، مفضلين الحصول على كل الأرباح لأنفسهم.

على الجانب المقابل هناك تجار أثرياء قاموا بشراء ماكينات “الترا سونيك”، تتكلف ملايين لتصنيع وإنتاج الكمامات، عن طريق إدخال المواد الخام المصنع، منها الكمامة المكونة من 3 أجزاء، من طبقتين 17*13سم وفلتر، فضلاً عن مكان لوضع الدعامة، وتقوم الماكينة بسحب الأجزاء ولحامها مع بعضها البعض، ثم مرحلة القص، وفي النهاية أعمال التقفيل للأحرف، وآخر خطوة تركيب الأستك.

وبينما يقسم الصانع اليدوي على أن ما تنتجه ماكينات الأثرياء لا يختلف عما ينتجه هو وأقرانه، لكن الفارق في الكمية والوقت، لأن ماكيناتهم تنتج 50 كمامة في الدقيقة الواحدة، بمعدل 3 آلاف في الساعة، يرى صاحب أحد المصانع المعروفة والمرخصة أن الأمر يتجاوز الفروق البسيطة. 

يقول أحدهم، ونكتفي بالإشارة إلى اسمه الأول “إيهاب”، بأن هناك عدة أنواع لخط الإنتاج الذي ينتج كمامات طبية، أفضلها ألماني الصنع، وهناك خطوط إنتاج صينية لكنها ليست جيدة، وتبلغ تكلفة خط الإنتاج الألماني مليوناً ونصف المليون جنيه، تستطيع أن تنتج 500 كمامة في الدقيقة.

ويضيف: “هناك بعض التفاصيل الأخرى المهمة، التي ربما لم يسمع بها أصحاب مصانع بئر السلم، مثل المناخ المعقم الذي يجب وضع خطوط الإنتاج فيه، ومرور العمال والمهندسين بمراحل متعددة من التعقيم، منعاً لتسرب أي فيروس أو بكتيريا إلى الكمامات المنتجة، فضلاً عن ضرورة عدم تدخل الأيادي البشرية في مراحل الإنتاج حتى خروج الكمامة بشكلها النهائي موضوعة داخل مغلف بلاستيكي شفاف”.

بين المصنّعين المحترفين ومصانع بئر السلم هناك فئة ثالثة تحاول إنتاج كمامات مطابقة للمواصفات، لكنها لم تحصل على تراخيص لإنتاج مستلزمات طبية، وتتعرض نتيجة لذلك إلى مضايقات حكومية مستمرة.

يقول صاحب أحد تلك المصانع إنه يمكنه إنتاج 15 ألف قطعة كمامة يومياً، لكن بدون شهادات، مشيراً إلى أن الكمامة عبارة عن ثلاث طبقات، اثنتان منها باللون الأبيض، والأخيرة باللون الأزرق، وبها أستك واحد، لافتاً إلى أن الكمامة العادية يستخدم في صناعتها ماكينات كبس يصل سعر الواحدة منها إلى 35 ألف جنيه، ويتم لصق الطبقات بالحرارة، لكنه يستخدم ماكينات خياطة عادية.

وحول عدم حصوله على تراخيص رسمية لحماية نفسه ومنتجه، قال إن جميع المصانع تعمل من دون أوراق، لأن استخراجها يكلف الكثير رسمياً، والأكثر تحت المنضدة (رشاوى)، كما أنه يوزع كماماته على المطاعم والصيدليات والمستشفيات الخاصة، وحتى بعض الجهات الحكومية، كلهم لم يهتموا ليس فقط بمسألة الأوراق، وإنما أدهشه أن أغلبهم سأل عن السعر قبل أن يستفسر عن الجودة.

وحول جودة الكمامات التي يتم تصنيعها في تلك المصانع أكد أنهم كانوا يراعونها في البداية، ليقينه أنها مرتبطة بصحة وحياة الناس، لكن مع ضغوط السوق والتجار لم يعد للأمر أولوية، لأن التاجر ينصرف إلى المصنع الذي يعطيه كمامات أرخص.

أشد ما يؤرق صاحب المصنع الحملات التي تلاحقه أينما يذهب، لأنهم يصادرون كل الإنتاج الموجود مع دفع غرامة تتراوح بين 30 و40 ألف جنيه.

ويشير إلى أنه لا يعلم مصير الكمامات التي صودرت، لكنه سمع أمين شرطة يقول للضابط الذي كان يقود حملة المداهمة “إنها أفضل مما نرتديه”، ونزعوا كماماتهم وارتدوا الكمامات المصادَرة.

كثيرون وجهوا سهام النقد لتجار الكمامات المصنوعة تحت بئر السلم، كونهم يستغلون الأزمات ويتخذون من الكوارث قاعدة بناء يجنون من ورائها أرباحاً خيالية دون الالتفات إلى معاناة الناس.

الدكتور شريف عزت، رئيس شعبة المستلزمات الطبية باتحاد الصناعات، قال إن 80% من الكمامات الموجودة في السوق حالياً غير مطابقة للمواصفات المتبعة عالمياً، لكن هناك وجهة نظر أخرى للأمر تستحق أن نسمعها، ولو لم نكن مؤيدين لها.

محمود، وهو شاب ثلاثيني يعول والدته وأخواته الخمسة بعد موت أبيه، من العمل بأحد المقاهي الشعبية، لكنه منذ قرار الحكومة بإغلاق المقاهي في مارس/آذار الماضي، يعيش في مأساة بسبب انقطاع مصدر الرزق، كما أنه لا يستحق إعانة الـ500 جنيه التي أعلنت عنها الدولة لعدم توفر الشروط فيه، ووسط بحر السواد الذي كان يسبح فيه اتصل به قريب لهم يعرض عليه العمل في لصق الكمامات.

لا يشعر الرجل بأي نوع من تأنيب الضمير، وعلى العكس يدعو بالخير لصاحب المكان، لأنه “فتح بيوت ناس كتير” على حد قوله، مضيفاً أن صاحب المكان يحاسبه بالإنتاج، حيث يتقاضى 35 قرشاً على العلبة.

يستكمل الرجل حديثه “يقولون إننا نتاجر بالأزمة، وماذا عن هؤلاء الذين سحبوا كل الأدوية من الصيدليات ويبيعونها بأضعاف سعرها، وماذا عن الذين استغلوا العائدين من الخارج وفرضوا عليهم عزلاً بالفنادق بآلاف الجنيهات، ثم قاموا بإلغاء العزل الآن للعائدين من الخارج، وماذا عن المستشفيات الخاصة التي تاجرت بالأزمة ورفضت قبول قرار وزارة الصحة بتحديد أسعار استقبال مرضى كورونا”.

ويضيف: “الشغل ده فتح بيوت ناس كتير كانت هتموت من الجوع، صحيح أن الكمامات غير مطابقة للمواصفات، لكن هل تتخذ الرقابة موقفاً من كل ما هو غير مطابق للمواصفات؟! واللا هي جت على الغلبان، ما في ناس كتير دخلت في موضوع الكمامات وسايبينهم وماسكين في الغلابة”.

المثير في الأمر أن الكمامات غير المطابقة للمواصفات لم تقتصر على مصانع بئر السلم، وإنما امتدت لمنتجات المصانع التابعة لوزارة الإنتاج الحربي نفسها، حيث تقدم عضو بمجلس نقابة الصحفيين بشكوى للنقيب يؤكد فيه على سوء تصنيع الكمامات الواردة من مصانع الإنتاج الحربي، وتسببها في تعريض حياة من يستخدمها للخطر، بناء على خطاب رسمي من نقيب أطباء أسيوط، موجهاً لمحافظ المحافظة الجنوبية في مصر، وبناء عليه طالب العضو بوقف بيع هذه الكمامات للزملاء فوراً حفاظاً على حياتهم، مشيراً إلى أن أمان الزملاء وحياتهم يستحق وقف تداول هذه الكمامات فوراً، مع سعينا جميعاً لتوفير بدائل بشكل عاجل.

وكانت منافذ البيع بنقابة الصحفيين تبيع نفس نوع الكمامات غير المطابقة للمواصفات، مثلما تقوم ببيعه كل المؤسسات الصحفية الحكومية بأوامر مباشرة من الهيئة الوطنية للصحافة التي ألزمت تلك المؤسسات بعدم شراء أي مستلزمات طبية سوى من وزارة الإنتاج الحربي، ومثلها فعلت مئات الوزارات والهيئات الحكومية.

هذا الأمر دفع بعض الصحفيين للقول إن ما يحدث بمثابة تشجيع لوزارة الإنتاج الحربي على بيع أي منتجات دون الالتزام بالجودة، طالما أن الشراء منهم يتم بأوامر حكومية، وكان الأولى بالحكومة التشديد على جودة منتجات المصانع الحربية لتفادي تداول المثل الشعبي المصري القائل “حاميها لا يحميها”.

الاتهامات الموجهة للحكومة بالمساهمة في انتشار الكمامات المضروبة، سواء بسبب تقاعسها عن مداهمة مصانع بئر السلم، أو لتغاضيها عن عدم مطابقة منتجات المصانع الحربية للمواصفات القياسية، أعطت للكمامات المضروبة حصانة، وأفسح المجال أمام كل من هب ودب لافتتاح مصانع لتدوير المستلزمات الطبية المستعملة وتحويلها إلى كمامات.

محمد أحمد عضو مجلس نقابة صيادلة القاهرة، قال لـ”عربي بوست” إن هناك حملات كثيرة تشنها وزارة الصحة على الصيدليات في الآونة الأخيرة، والتهديد بغرامات ضخمة وإجراءات عنيفة، ما دفع أغلب الصيادلة للامتناع عن شراء الكمامات، بسبب رفض الموردين توفير فواتير ضريبية، وتقديم صورة من تراخيص الوزارة لتصنيع المستلزمات الطبية. 

لكن سمير محمد يعمل عضواً بغرفة المستلزمات الطبية، كان له رأي آخر، وهو أن الطلب الهائل على الصعيد المحلي بسبب قرارات الحكومة يجعل من المستحيل أن تتمكّن المصانع المعتمدة من إنتاج أقنعة طبيّة كافية. 

ووفقاً لكلامه، فإن الكمامة مادامت تزن حوالي 60 غراماً، فمن المرجح أن تكون كافية لمنع تسلّل فيروس كورونا، الذي ينتقل عبر الرذاذ، مضيفاً: “إنّها حالة طارئة” وبعض الكمامات المغشوشة التي تنتجها تلك المصانع بدلاً من مصانع مستلزمات الرعاية الصحيّة “أفضل من لا شيء”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى