عاشق للقذافي، كاره لأنفه، ظن السادات أنه مصاب بالصرع.. السر وراء محيي إسماعيل

«لو الرزق كان بالتعب كان الحمار نام على سرير من ذهب»
يؤمن الفنان محيي إسماعيل بهذه المقولة إلى حد بعيد، لكنه لم يتوقف عندها قط، ليضع
يديه على خده، في انتظار تقدير لا يأتي، أو تعظيم قد يحصل عليه أو لا يحصل عليه،
لهذا يقول بمنتهى الثقة: «إن لم أجد آخرين يتحدثون عن قيمتي فلن أجد من يتحدث
عني أفضل مني».. «أنا عامل الصح مع نفسي»، «مفروض مجتمعي يعرف
من هو محيي إسماعيل».

صحيح أنه كان وسيماً بدرجة كبيرة في صباه، لكنه لم يرغب في أن يكون
هذا هو جواز سفره إلى الفن، هكذا بدأ بأداء أدوار تعاني اضطرابات نفسية، كالهوس
واضطراب الشخصية السيكوباتية وانفصام وازدواج الشخصية، اختيار وتخصص دفع ثمنه
لاحقاً إلا أنه لا يزال يمتن: «ربنا ألهمني أمشي في الخط ده».

فعلى الرغم من أن شقيقه الأكبر كان مخرجاً وسينارست مشهوراً، فإن
محيي لم يعتمد بأي شكل على شقيقه «فايق إسماعيل» في الدخول إلى مجال
الفن، أو حتى ترقيته.

فايق إسماعيل، الذي كتب سيناريست «عروس النيل» و
«الهاربة» و «غرام الأسياد»، لم يبادر إلى تزكية شقيقه أبداً،
مع ذلك لا يحمل محيي في قلبه ذرة غضب تجاه شقيقه، فيقول عنه: «كان مثلاً أعلى
بالنسبة لي، وكان من أكبر كتاب السيناريو، عمره ما اداني فرصة، لدرجة محمود
المليجي كان بيقول له يا أخي ساعده واديله فرصة، لكن كان دايماً يقول له لما يتعلم
ويبقى جدير، وبالفعل ما ساعدنيش غير بعد فيلم الإخوة الأعداء» يذكر الآن كيف
كان يشعر بالضيق تجاه شقيقه وقتها، لكنه وبعد كل تلك السنوات يمتن له كثيراً
«في الشباب الواحد بيحس إنه ذو قيمة، في حين إنه بلا قيمة حقيقية في غياب
الخبرة والمجهود».

يعتقد البعض أن محيي إسماعيل تحول إلى ترند «بالصدفة» هي
ذاتها الفكرة الخاطئة التي تسيطر على مضيفيه فتجعلهم يعاملونه بطريقة غريبة
ومختلفة عن كل الضيوف كأنه «حالة خاصة»، لا يحاول محيي تغيير الطريقة،
على العكس يفضلها ويتماشى معها؛ لأنها تحقق هدفه وفكرته حول الاختلاف والتميز.

الرجل الذي يلقب نفسه ويلقبه الكثير من رواد المسرح بـ «رائد
السايكودراما» يبدو أنه قرر أخيراً الخروج من عباءة الاختلال، التي تعمدها
لسنوات طويلة، ليدخل في عالم آخر مختلف وجديد «عاوز أعمل كوميدي»، هكذا
قرر أن يتحول إلى تريند عبر عدد من التفاصيل المدروسة والمتعمدة التي تفوت
الكثيرين.

البداية من أنفه الذي يكره شكله، لكنه يساعده على رسم الشخصية الجديدة المستهدفة،
يرفعها طوال الوقت ليعطي نفسه والآخرين شعوراً بأن الكون أصغر من احتماله، مروراً
بنظارته السوداء، التي يتعمد ارتداءها في كافة لقاءاته لإضفاء المزيد من الغموض،
فلا يستجيب للنداءات من أجل خلعها إلا بصعوبة شديدة، مروراً بيديه التي لا يخرجها
في الغالب من جيبه، حتى إنه أخبر إسعاد يونس حين عقب على الأمر بسخرية قائلاً:
«تقريبا أنا مولود إيدي في جيبي»!

صورة رسمها باقتدار، بصرية وصوتية، تتمثل الأخيرة  في اللازمة
التي يتعمدها في حديثه باستمرار «اللي بعده»، جهد يعمل عليه منذ سنوات
يبدو أنه قد آتى أكله أخيراً، حيث بدأ التعامل معه بالفعل على أنه رجل كوميدي وليس
مختلاً، لتظهر قفاشاته الجديدة والقديمة في الوقت ذاته «عندي سلحفة
بدرسها»، «كنت أحب أكون سنجاب»، «الدولار ممكن يتبدل
بفشار».

تفاعل بدأ من أسفل، من قاعدة المشاهدين وصفحاتهم عبر مواقع التواصل
التي لا تخلو إحداها من صورة لمحيي، الذي أعلن من قبل بصراحة «أتمرد لأكسب
نفسي».

«أنا عمري ما كنت مغرور» قالها في أحد لقاءاته رداً على
اتهامه بأنه شخص متكبر، التهمة ذاتها تطارده عقب ردوده المثيرة للجدل، تارة حين أكد
أنه لم يشاهد الممر، لكنه كان عبقرياً في «الرصاصة لا تزال في جيبي»،
وأنه لم يشاهد «الجوكر»، ولكنه في  الحقيقة هو الجوكر، ردود صادمة
لكنها حقيقية تحسب عليه كغرور، لكن نظرة سريعة على أدائه وقناعاته وطريقة تفكيره
تؤكد أننا بصدد رجل يُقدر نفسه ليس أكثر.

هو يعرف عيوبه ونقاط ضعفه جيداً، يعترف دون خجل أنه
«نِمَكي»، يدقق في التفاصيل بصورة مستفزة، و «مسرف» يعجز عن النوم  قبل أن ينفق كل ما لديه من
أموال.

وصفُه بالنرجسي مجرد استسهال ليس أكثر، فالنرجسي كالدمل لا يحتمل
انتقاداً أو إشارة سلبية إليه من قريب أو بعيد، ليس هذا هو الحال مع محيي الذي
وصفه رامز في برنامجه بـ «المخبول» و «المعتوه» و
«المجنون»، مع ذلك لم يرمش له جفن، واصل ضحكاته وردوده المنمقة معرباً
عن حبه لرامز «معلق ليك صورة عندي في الصالة» ومؤكداً: «انت بتهبل
بس واعي للهبل».

لا يزال في جعبته الكثير لتقديمه، كأفكار أو كأداء وتمثيل «أنا
عندي طموح كبير جداً، ما بيرضينيش أي شيء» هذا بالضبط هو الدافع وراء أكثر
تصرفاته الغريبة، هو لا يشعر بالاكتفاء، هو يرغب في المزيد من الإنجاز والنجاح
والتألق؛ ليفي باللقب الذي أطلقه على نفسه «قيصر السينما».

صديقه الحقيقي الوحيد لا يقيم في مصر، معلومة قد تبدو غريبة، لكنها
توضح كم الوفاء الذي يحمله محيي لنفسه ولأصدقائه «أقرب شخصية ليا هو صديق في
كندا، عادل إسكندر في كندا» درجة من الوفاء ماثل تلك التي يحملها لفنه حيث
ينهمك بشدة فيما يعمل، وفي ذاته إلى الحد الذي يجعل الآخرين يرونه مصاباً بعلة ما،
بمن فيهم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي ظن أنه مصاب بالصرع.

تبدو حياته غرائبية جداً للدرجة التي لا ينفعل معها بوجود أسد أمامه،
ثبات انفعالي شديد جداً بدا واضحاً لديه حين استضافه رامز ليروّعه في برنامجه
«رامز قلب الأسد» عام 2011، لم يبدِ أنه رأى أسداً من الأساس، انفتح
الباب، فنظر محيي إسماعيل بهدوء شديد وتساءل بهدوء أشد: «هو ده التاني ولا
التالت؟»، ثم بادر بإغلاق الباب، لم يكن الأمر بالنسبة له سوى أنه في الدور
الخطأ ليس إلا، هكذا طلب المساعدة وهتف بهدوء، وحين لم يجد رداً قال بمنتهى
البراءة: «إنتو بتفاجئوني بحاجات غريبة، طيب أنا ماشي بقى!».

حتى حين قام رامز بعرض المقطع له مرة أخرى لم يلفت نظره سوى
«التجاعيد»؛ ليؤكد «ده مش أنا، أنا مش كده، أنا وشي بي بي
فيس».

يحب محيي أن يسمع كاظم الساهر ويدعوه بالقيصر، في الوقت ذاته الذي
يطلق على نفسه فيه نفس الاسم، حب يعلله بقوله: «يغني باللغة العربية ويدرس
ويعمل على أسس علمية وفنية سليمة عكس كثيرين».

يحتقر محيي المثليين، ويتعمد السخرية منهم، بدا هذا واضحاً في برنامج
مواقف بعنوان «بين السما والأرض».. «ليه عاملة في نفسك كده؟»
هكذا هتف في  وجه شاب كان يمثل دور «مثلي جنسياً» معتبراً أنه مثار
سخرية.

الكثير من الحديث عن أداء محيي إسماعيل لشخصية الرئيس الراحل معمر
القذافي، لكن أحد تلك الأحاديث لم يتطرق لمدى اقتناع محيي بقائد الثورة الليبية
«الراجل ده كان ليه نظريات ضد الرأسمالية، رُحت مؤتمر في سرت وقابلته، هو في
الواقع شخصية مثيرة جداً وفيها أبعاد غير مسبوقة وغير معقولة، كاريزما غير عادية
ووطني من الطراز الرفيع، كان عنده مبدأ أن كل إنسان له الحق في الثروة والسلطة
والسلاح، لم يكن مصاباً بجنون العظمة، لكن عنده اعتزاز بنفسه، إيه المتعة في إننا
نضعفه؟» لا يزال محيي يذكر للقذافي الجهات الخيرية العديدة التي كان يبذل
فيها المال، وأن شعبه كان غنياً وسعيداً وآمناً في عهده.

مقابلاته مع القذافي لم تتعد المرتين، إلا أنه يعمل على التحضير
للشخصية منذ 11 عاماً بحسبه، في الواقع أتطلع لرؤيته يؤديها فعلاً، مع ذلك وبقدر
حبه للقذافي قدر كراهيته للسينما «القذرة» تلك التي تختار قذارة الواقع
لتعكسها عبر الشاشات، صحيح أنه لا يعترف بمفهوم «السينما النظيفة» ويراه
عبثياً، مؤكداً أن «السينما هي السينما»، إلا أنه يرى أن الفن عموماً والسينما
خصوصاً يجب أن تختار الراقي من الواقع حتى ترتقي بجمهورها «الفنان دوره يرتقي
بالجمهور دون أن يمتعهم بقلة أدب أو لغة سوقية».

لعل هذا ما دفع أحد المشاهدين للتعليق أسفل مقطع فيديو خاص به
قائلاً: «أحبك لأنك لم تقدم مشاهد خارجة
أتحرج من مشاهدتها مع أبنائي».

لعل هذا أيضاً يرجع إلى وصية والده، المربي الذي أفنى عمره في مجال
التربية والتعليم، لم يعترض على عمله في السينما، لكنه أخبره في نفس الوقت
«إوعى تخطئ، إوعى تخدش الحس البشري، الفن عدوى لما الواحد يعمل حاجة كويسة
التاني يعمل حاجة كويسة».

20 عاماً من الاغتراب قضاها محيي إسماعيل في القاهرة، بين البدروم والسطوح قضى أياماً طويلة يصفها بـ
«القاسية» ولا يتطرق لها إلا على مضد، معاناة انتهت حين قام الرئيس
الراحل محمد أنور السادات بتكريمه «كان متخيل إني عندي صرع، وسألني إنت عيان
فعلاً، فقلت له معنديش حاجة، لكن قال لي مش معقول ما يكونش عندك صرع» هكذا
سارع محيي إلى محادثة السادات بجرأة «صرع صرع بصراحة أنا عاوز شقة»
ليضحك الرئيس الراحل ويأمر بمنحه شقة قام بتسديد ثمنها لاحقاً على أقساط لمدة 20
عاماً، لكنه ظل مقيماً بها  حتى الآن بمنطقة المهندسين، كما ظل يمتن للرئيس
الراحل مردداً في مناسبات عدة»كفاية بقيت أشوف الشمس».

«يلا نلعب» قالها غير مرة في لقاءاته المختلفة، تارة
تستجيب المذيعة كما حدث على إم بي سي مصر، وتارة تستنكر وتعامله كـ
«مختل»، لكن الدعوة المتكررة من جانبه يقف وراءها سر خاص بمحيي عبر عنه
في لقائه مع إسعاد يونس حين أخبرها «ليه تاخدي كل حاجة جد، العالم اللي إحنا
عايشين فيه جد؟ بالعكس، قمة العبث».

«أنا إنسان بسيط جاي في رحلة صغننة على الأرض وهاموت
وأمشي» هكذا ببساطة يقولها فتدمع عيناه، صحيح أنه يؤمن أن الفنان وقوده
المرح، وأنه يحافظ على مناعته وحالته الصحية بمزيد خاص به «بحافظ على مناعتي
وصحتي إزاي؟ باكل كويس، مخي مابحطش فيه مشاكل، بانسى السياسة خالص، المهم أحس إني
أنا خارج الزمن وأخلق لنفسي زمن أعيش فيه» لكن الرجل السعيد يخشى الموت جداً،
مسألة عبر عنها بصراحة قائلاً: «أنا بخاف من الموت، أنا بحب الحياة ومش قادر
أتصور إطلاقاً اللحظة دي هيكون شكلها إيه مش عارف وبخاف منها جداً» قالها
لتدمع عيناه في لقائه مع راغدة شلهوب ليبرر دموعه: «أنا دمعت لأني
بخاف».

سخرية متواصلة مع روايته «المخبول» ومشروع معطل بشأنها كي
تتحول إلى فيلم، فضلاً عن الهجوم النقدي اللاذع عليها، لكن الرواية التي وصفها
النقاد بأنها تحمل «مطبات» لغوية، حيث تتراوح لغة كاتبها بين العامية
والفصحى بشكل مقصود، فضلاً عن ظهور صوت محيي فيها بشكل مقصود وواضح، إلا أنها تبلي
بلاءً حسناً على المستوى الأدبي، فمثلاً، بلغ عدد مرات تحميل روايته في موقع واحد
فقط 5579، فضلاً عن آلاف المرات الأخرى، ناهيك عن ترجمتها إلى عدة لغات.

لكن «المخبول» ليست العمل الوحيد، لـ محيي»،
الممثل الذي نشأ في بيت علم، تعمد وضع صورته الشخصية على أغلفة كتبه الثلاثة
«المخبول» أول رواية أدبية يكتبها فنان عربي، عن مكتبة مدبولي 2002،
«جراح النفوس» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2017 ، «مسافر
على باب الله»، ولعل الأمر الأكثر غرابة بشأن كتاباته تلك الشهادة التي قالها
بحقه العالم المصري أحمد زويل، حين قال: «رواية تستحق الاهتمام».

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى